الجمال والمرايا
عند منتصف الليل تماما كانت تكتب الكلمات نفسها
تزوجيه.
وكان الشرخ في الزاوية يكبر كجرح بطيء.
بعد أسبوع لاحظت شيئا أسوأ. عندما كنت أمر بجانب المرآة في وضح النهار كان انعكاسي يبتسم حتى وأنا لا أبتسم.
ابتسامة صغيرة سريعة كأنها مستمتعة.
توقفت عن النوم. بدأت أسمع صوت تنفس قرب المرآة خافتا ومنتظما.
ههووو ههووو
هو نفس الصوت الذي تسمعه حين يكون شخص ما مستلقيا في غرفة مظلمة ولا تكون متأكدا أنك وحدك.
فوافقت.
قلت الكلمات بهدوء لأن قولها بصوت أعلى كان سيشبه الصراخ في قبري.
سأتزوجه همست.
لم يكن الزفاف مبهجا. كان أشبه بمراسم عقاب. الناس حضروا للمشاهدة لا للاحتفال.
غطوا أنوفهم علنا عندما وصل يهوذا. كان يرتدي ملابس ممزقة تبدو رطبة. رائحته سبقت خطواته.
ارتديت خرقة لأن أمي رفضت أن تلبسني ثوبا حسنا.
قالت بالكبرياء أهنت وبالتواضع ستركعين.
عندما سألو إن كنت موافقة خرج صوتي رفيعا
نعم قلت وانقلبت معدتي كأنني ابتلعت حجارة.
بعد الزفاف قادني يهوذا إلى كوخه. كان صغيرا قذرا وحارا. الهواء بداخله مشبع برائحة العرق والطعام القديم.
تعالي هنا يا زوجة صاح لا بلطف كأنه يستمتع بالسيطرة. احكي ظهري.
تجمدت ثم تحركت. كان ظهره مغطى بالقروح. لامست أظافري نتوءات رطبة.
شعرت بالغثيان يصعد لكنني ابتلعته كأمر واجب.
اطبخي طعامي أمر بعد ذلك.
طبخت بيدين مرتجفتين أحاول ألا أتنفس من أنفي.
غسلت ملابسه. تحول الماء إلى بني بسرعة. فركت حتى تألمت أصابعي حتى شعرت أن كبريائي ابتعد كثيرا.
مرت أسابيع. ظل
لكن شيئا آخر تغير ببطء داخلي.
توقفت عن التفكير في وجهي كل دقيقة لأنه لم يعد مهما.
لم تعد المرآة صديقتي. صارت شيئا يراقبني.
بدأت أنظر إلى وجوه الآخرين بدلا من ذلك.
وجه أمي المتعب. وجه أبي القاسي.
حتى وجه يهوذا القبيح الوجه الذي كان الناس يضحكون عليه كل يوم.
وفي يوم ما رأيت يهوذا جالسا وحده في الخارج بينما كان الأطفال يسخرون منه من بعيد.
رموه بحصى صغيرة ثم ركضوا ضاحكين.
لم يطاردهم. لم يصرخ.
جلس فقط مطأطئ الرأس كأنه قبل مكانه في هذا العالم.
كانت تلك أول مرة ينقبض فيها صدري من أجله.
لم يكن حبا ولا رومانسية.
بل ألم غريب كأنني فهمت أخيرا ماذا يعني أن ينظر إليك بقرف.
بدأت أفعل أشياء صغيرة دون أن يطلب مني.
جلبت الماء لأمي. ساعدت امرأة عجوزا في حمل دلو.
ليس لأنني أردت مدحا بل لأنني لم أعد أحتمل رؤية الضعف نفسه الذي كنت يوما ما أحتقره.
في الليل كان يهوذا لا يزال يصرخ بالأوامر.
أحيانا كان قاسيا بلا سبب.
وأحيانا كان صامتا يحدق في يديه كأنه يريد أن يسلخ جلدهما
منذ ذلك اليوم بدأت المرآة تريني تفاصيل صغيرة لم أرد معرفتها.
أرتني أمي تبكي وحدها ليلا.
أرتني أبي يهمس بصلوات
أرتني يهوذا يحدق في الأرض شفاهه تتحرك كأنه يعتذر لشخص غير موجود.
وأحيانا كانت تريني شخصا يقف خلفي بلا وجه مجرد ملامح رأس وكتفين يتنفس بهدوء.
وعادت الرائحة أيضا.
خشب قديم منقوع في ماء قذر.
نفس عفن.
رائحة تبقى على لسانك.
بدأت أتجنب المرآة مرة أخرى
كنت أشعر أنها تراقبني حتى وهي مغطاة.
عندما أمر بجانبها كانت شعيرات ذراعي تقف.
الهواء حولها كان أبرد.
كأنها تسحب الدفء من الغرفة.
في إحدى الأمسيات عاد يهوذا بجرح صغير في يده. كان ينزف.
أسرعت لأحضر ماء وقطعة قماش.
نظر إلي كأنه لم يتوقع لطفا.
لماذا تفعلين ذلك سأل وصوته أخفض من المعتاد.
قلت ببساطة لأنك تنزف.
فاجأتني الكلمات. بدت عادية بلا كبرياء.
أدار وجهه بسرعة لكنني رأيت عينيه تلمعان قليلا كأنه يحبس شيئا في داخله.
تلك الليلة لم يصرخ.
أكل بصمت.
استلقى وواجه الحائط.
كانت رائحته لا تزال موجودة لكنها لم تعد تبدو كعقاب.
وعند منتصف الليل حلمت
في الحلم كانت ماما مايكل جالسة على مقعد منخفض بجانب مرآتي. لم تبد غاضبة. بدت متعبة كأنها امرأة فعلت ما كان عليها فعله وانتهى الأمر.
قالت لقد تعلمت.
لم يكن صوتها هذه المرة كالرعد بل هادئا كأم تكلم ابنتها بعد أن عاقبتها.
حاولت أن أسألها إلى أين ذهبت لكن فمي لم ينفتح. في الحلم كان شرخ المرآة يتسع ببطء كابتسامة
استيقظت والعرق على عنقي. كانت الغرفة تفوح برائحة الخشب الرطب من جديد. يهوذا كان نائما. المرآة صامتة.
نهضت وخرجت لأجلب الماء باكرا قبل شروق الشمس. انحنيت فوق الإناء ورأيت انعكاسي في الماء.
لأول مرة منذ أشهر لم يكن وجهي مشوها.
بدت بشرتي أنعم. عيناي لامعتين من جديد. شعري كثيفا.
ضربني الارتياح كضعف مفاجئ. بدأت أبكي وأضحك في الوقت نفسه.
ركضت إلى الكوخ لأري يهوذا.
قلت وأنا ألهث انظر لقد شفيت.
جلس ببطء
قال بهدوء أنت حرة.
وقف يهوذا وتقدم نحو المرآة بلا خوف. رفعها بكلتا يديه كأنها أخف مما ينبغي.
بدأ قلبي يخفق بعنف.
ماذا تفعل سألت.
لم يجب. حمل المرآة إلى الخارج في هواء الصباح الباكر ووضعها مستندة إلى الجدار
ابتلع يهوذا المرآة دفعة واحدة في الصباح الباكر. الصوت الصامت للزجاج المتحطم اختفى في الهواء. نظرت إليه وأنا أشعر بثقل الأشهر الماضية يتلاشى شيئا فشيئا.
جلست على الأرض أتنفس ببطء والهدوء يملأ المكان لأول مرة منذ وقت
طويل. لم تعد الرائحة الكريهة ولا الأصوات المخيفة ولا الشرخ ينغص حياتي. شعرت أن شيئا ما في قلبي قد تغير أيضا.
نظر يهوذا إلي بهدوء وقال لقد انتهى كل شيء الآن. لا شيء سيؤذيك بعد اليوم.
ابتسمت له بخفة لا ابتسامة كبرياء بل ابتسامة ارتياح وسلام. شعرت أنني أخيرا أستطيع أن أرى العالم بعيون طبيعية وأن أعيش حياتي دون خوف من انعكاس أو لعنة أو أعين الآخرين.
في الأيام التالية عدت لأرى أمي وأبي. كانوا متعبين لكنهم سعداء. بدأت أساعدهم أكثر وأعتني بالآخرين حولي ليس طلبا للمدح بل لأن قلبي أصبح أخف لأن كبريائي قد ذاب أمام تجربة جعلتني أفهم معنى التعاطف والتواضع والحياة نفسها.
وبينما الشمس تشرق على القرية الصغيرة شعرت أن الماضي لم يعد يملك سلطته علي. انعكاس المرآة لم يعد موجودا لكن الدروس التي علمته إياها كانت ستبقى معي للأبد أن الكبرياء يقتل وأن القلب الطيب وحده هو الذي يمنح الحرية
إن بقيت هذه القصة معكإن لامست شيئا عشتهفضلا إضغط ب وشاركه مع من يحتاجه. شكرا لوجودك هنا