زوجي أرسل ابنتنا إلى كندا منذ ثلاث سنوات بالأمس اشتريت ماءً نقيًا منها في الطريق

لمحة نيوز

واحد من القليل من الهدايا التي تسمح بها الحياة.
بعد ظهر الأمس خرجت إلى سوق بالوجون لشراء الأقمشة وكان الجو حارا بطريقة تجعل صبر الجميع قصيرا.
كان سوق بالوجون تفوح منه رائحة العرق والعطور والفلفل وعادم السيارات وكان الحشد يتحرك مثل نهر عنيد يدفع يساوم يصرخ ينجو.
انتهيت متأخرة وجلست في سيارتي الكزس والتكييف يحارب الحر وسار السائق في طريق أوريلإيجانمو لأنه قال إنه أسرع.
لم يكن أسرع.
الزحام أمسك بنا كما لو كانت يد على الحلق والسيارات تحولت إلى سجون معدنية والنوافذ نصف مفتوحة والأبواق تتحدث والناس يعرقون في ملابسهم.
بعد ساعة شعرت بحلقي كأنه ورق وبعد ساعتين بدأ حتى التكييف يفوح منه حرارة كما لو كان متعبا من العمل.
كان الباعة المتجولون يتحركون بين السيارات بالمياه النقية والغالا ورقائق الموز وابتسامات بلاستيكية متفادين المرايا الجانبية كما لو كان ذلك رياضة.
خفضت الزجاج وأشرت إلى فتاة تحمل كيسا من النايلون مليئا بأكياس المياه النقية فاقتربت من سيارتي وكأنها غاضبة من الطريق.
كانت داكنة نحيلة وبشرتها تبدو محترقة ليست مشمسة بل كأنها معاقبة وشعرها خشن مغبر مربوط خلف الرأس بلا اهتمام.
سلمتني كيسا واحدا وكانت أصابعها جافة ومتشققة وشعرت بشيء يلتوي بداخلي قبل أن تتكلم.
قالت مدام أعطيني
مالك وصوتها ضرب جسدي كصفعة لأنه كان مألوفا بطريقة تعرفه قلبي أولا.
حدقت في وجهها وكان يبدو أكبر من ثمانية عشر عاما لكن معاناة لاغوس يمكن أن تضيف سنوات بسرعة وبدأت عيني تبحث عن دليل.
فتح فمي بلا تخطيط وقلت تولو كما لو كنت أختبر كلمة خطيرة
عبست الفتاة وسحبت يدها وقالت بخشونة مدام سيبيني! أنا عايزة الفلوس! وأبعدت بصرها كما لو أنني جنون.
أمسكت بمعصمها بقوة أكبر مما قصدت وارتفع صوتي مرتجفا متوسلة تولو بصي فيا ماما.
أبواق السيارات خلفنا صاحت مزعجة وصاح أحدهم مدام حركي عربيتك! وكنت أريد أن أصرخ وأقول إن حياتي تنهار.
قاومت الفتاة ورأيت العلامة الولادية على رقبتها شكلها مثل فراولة صغيرة نفس العلامة التي قبلتها عندما كانت رضيعة.
توقف نفسي.
اقتربت أكثر ورأيت الندبة في حاجبها الأيسر رقيقة وشاحبة من عندما سقطت من الدراجة وهي في السابعة وبكت كما لو أن عالمها انتهى.
سقط قلبي في قدمي.
كانت ابنتي.
طفلتي الكندية تقف في زحمة أوريل تبيع الماء النقي تحت الشمس كعقاب ورفض عقلي تصديق ذلك للحظة.
قفزت من السيارة بلا تفكير تركت الباب مفتوحا وتركت سائقي يصرخ مدام! خلفي وأمسكت بكتفيها بإحكام.
كانت تفوح منها رائحة العرق الغبار وشيء حامض كأن للجوع رائحة عندما يعيش قريبا من الجلد وامتلأت عيناي بالدموع.

حاولت دفع يدي بعيدا تصرخ تلعن لكنني أمسكت ذراعيها كما تمسك المرأة الطفل قبل أن يسقط.
حدق الناس بعضهم ضحك وبعضهم سجل لأن لاغوس تحب الدراما ولم أكن أهتم لأن قلبي كان ينبض كما لو أراد الهروب.
سحبتها نحو سيارتي وهي تكافح وساعدني سائقي مذهولا مرتبكا ينظر إلي كما لو أنني أسحب المتاعب إلى المقاعد الجلدية.
أغلقت الأبواب.
داخل السيارة توقفت عن المقاومة ببطء كما لو أن جسدها لم يعتد الهواء البارد والهدوء كما لو أن الراحة كانت مشبوهة بالنسبة لها.
تحركت عيناها حول السيارة بلا تركيز تبحث وتمسكت بكيس الماء النقي كما لو كان الشيء الوحيد الذي تفهمه.
أعطيتها كيسا آخر وقلت لها أن تشرب واهتزت يدي بشدة حتى أصدر النايلون صوتا عال في الصمت.
في البداية شربت بشراهة تقضم الزاوية بأسنانها وتبتلع بصعوبة ثم توقفت في منتصف الشرب كما لو أن شيئا ما في رأسها تغير.
مسحت جبينها وأغلقت عينيها بقوة وخرج صوت من حلقها نصف صرخة نصف تأوه كألم يستيقظ.
مددت يدي إليها مذعورة لكنها انتزعت بعيدا انكمشت قليلا تتنفس بسرعة وأظافرها تحفر في كفها.
ثم همست بصوت صغير ومكسور ماما
تلك الكلمة وحدها سحقتني.
لم تبد كتحية عادية بل كما لو أن شخصا وجد شيئا ضائعا بين الركام غير متأكد إن كان حقيقيا.
أمسكت يديها أبكي أردد اسمها مرارا
وكانت تحدق في كما لو كانت تحاول مطابقة وجه مع ذكرى مدفونة.
ارتجفت شفتاها وامتلأت عيناها بدموع تبدو محتارة كأن جسدها يتذكر الحزن حتى لو لم تستطع عقلها تفسيره.
بدأت تتكلم ببطء كما لو أن كل جملة عليها أن تتسلق من مكان عميق.
قالت إن فيمي لم يأخذها إلى أي مطار.
وقالت إنه في اليوم الذي ظنت فيه أنها ستسافر قادها نحو باداغري قائلا إنه توقف سريع لرؤية شخص ما
تذكرت الطريق ورائحة الملح من البحر وطريقة اتساع السماء كأنها تراقب.
قالت إنهم توقفوا عند مجمع بدا هادئا برمل أحمر وغرفة صغيرة شعرت فيها بالبرودة أكثر من الخارج وكأن الهواء أسمك.
كان هناك رجل داخل الغرفة لا يرتدي شيئا مميزا مجرد قماش ونعال لكن عيناه كانت هادئتين بطريقة جعلت معدتها تتجمد.
قالت إن الرجل تحدث إلى فيمي دون أن يحييها وكأنها غير مرئية وكأنها كانت بالفعل مجرد شيء.
قالت إنهم طلبوا منها الجلوس.
قالت إنها رفضت في البداية مشوشة لكن صوت فيمي تحول إلى حاد وقال لها أن تطيع وأن ذلك من أجل البركة.
قالت إن الغرفة كانت تفوح منها رائحة الدخان والأعشاب وشيء معدني كقطع نقود قديمة وكان الأرض تحت صندلها رطبة.
أخرج الرجل ثمرة كالاباش صغيرة وعندما رفع الغطاء لامس وجهها هواء بارد وتذوقت مرارة في مؤخرة لسانها.
قالت إن الرجل نفخ مسحوقا
في وجهها.
تذكرت أنها اختنقت وسعلت واحترقت عيناها ثم
تم نسخ الرابط