جوزي فضل يضرب فيا تلات ساعات في بدروم القصر بتاع عيلته

لمحة نيوز

بتنادى بيه وأنا طفلة وسط كبار الصعيد..
الجزء الثاني الرماد الذي لم ينطفئ
أنجو.
جسمي كله نسي الوجع لثانية واحدة.. مفيش مخلوق نطق الاسم ده من تلاتين سنة.
لا أنجي، ولا مدام المنشاوي، ولا الهانم.. أنجو.
الاسم ده يخص بنت كانت بتسرق المانجا الخضراء من شجر الجيران وتجري تضحك أمها.
شفايفي اتهزت وأنا ماسكة السماعة بابا..
السكوت اللي في الناحية التانية اتكسر.. مش بصوت عالي ولا دراما، بس أنا سمعتها.. نهجة نفس، وصوت كرسي بيتحرك بعنف، وبعدين الراجل العجوز قال مين اللي لمسك؟
أربع كلمات بس.. ده كل اللي قاله.
مسألش أنتِ فين؟ ولا ليه بعد السنين دي كلها؟ ولا سألني سامحتيه ولا لأ؟
سأل بس مين اللي لمسك؟
صوابعي كلبشت في السماعة عز..
الخط سكت تماماً.. وبعدين صوته اتغير. لو كان الصوت الأولاني صوت راجل عجوز، فده كان صوت حديد.. صوت راغب باشا الرفاعي.
عز المنشاوي؟
أيوه.
أنتِ فين؟
في البدروم.. قصر المعادي.. أرجوك.. ابني..
الوجع في ضلوعي بلع بقية الجملة.. الغرفة بدأت تلف بيا..
أنجو!، صاح فيا بحدة خليكي معايا.. أوعي تغيبي.
ضحكت بمرارة وطلعت زي الكحة أنت قولتلي مرة.. ستات الرفاعية مش بيموتوا في صمت.
صوته اتكسر لأول مرة لسه فاكرة؟
حاولت أنسى.
كان حقك.. أنا استاهل.
غمضت عيني مفيش وقت.
رجع لصوته الصارم تاني اسمعيني
كويس.. ماتقفليش الخط. لو مش قادرة تتكلمي، اتنفسي.. أنا جاي.
الخط فضل مفتوح.. وسمعت كل حاجة بتحرك عنده.
أبواب بتتفتح.. أوامر بتترمي.. راجل بيزعق عشان العربيات تجهز.. وصوت حد بيقوله يا باشا في الساعة دي؟
رد بابا بصوت أبرد من الخرسانة اللي تحت خدي بنتي كلمتني من بدروم بعد تلاتين سنة.. صحّي مصر كلها!
قضيت تلاتين سنة بقنع نفسي إن كلمة بنتي دي ماتهمنيش.. طلعت تهم
. هي اللي سندت راسي فوق الموت في الغرفة الضلمة دي.
مش عارفة فات وقت قد إيه.. أحياناً بابا كان بيتكلم أنجو.. اتنفسي.
وأحياناً كنت بخبط على السماعة بصباعي.. خبطة يعني أيوة، خبطتين يعني لأ. كان فاهمني.. طول عمره فاهمني زيادة عن اللزوم، وده كان سبب كرهي ليه.
لما كان عندي 16 سنة، أمي ماتت والدم مغرق طرحتها وسر محبوس في قلبها. الكل قال إن أبويا سابنا.. إن راغب الرفاعي اختار السلطة على مراته وبنته. فدفنته وهو حي.. بقيت أنجي.. وبعدين مدام عز المنشاوي.. مجرد خيال في قصر كبير.
لكن قبل ما أمي تموت، خاطت المدالية الفضة في فستان فرحي وسابت التلات كلمات سامحيه هو.. بعدين.
ودلوقتي بعدين دي جت وأنا على أرضية البدروم.
بعد 28 دقيقة بالظبط، سمعت أول صوت.. مش سرينة إسعاف.. دي كانت طيارات هليكوبتر فوق القصر.
وبعدين صوت فرامل عربيات كتير جداً.. وزعيق.

القصر صحي.. الشغالين بيجروا.. الأبواب بتترزع.. وصوت حماتي بتصرخ من فوق مين دول؟ مين اللي فتح البوابة؟
باب البدروم اتفتح.. والنور وجع عيني.
عز كان واقف لابس قميص جديد.. غسل إيده.. سرح شعره.. مسح دمي من على جلده. قدام العالم، هو جاهز.
شاف السماعة في إيدي.. وشه بقى أبيض زي الورق.
كلمتي مين؟
حاولت أبتسم.. جرح شفتي اتفتح تاني.
نزل يجري على السلم يا غبية!.. ورفس التليفون من إيدي.
خبط في الحيطة بس الخط مماتش.. بابا سمع كل حاجة.
مسك شعري ورفع وشي لفوق كلمتي ميين؟!
في اللحظة دي، ظهر خيال وراه على الباب.. راجل ببدلة سودا.. وبعدين واحدة برتبة لواء في الشرطة.
عز لفت في إيه؟ أنتوا دخلتوا هنا إزاي؟
الست بصتله ببرود.. وبعدين بصت عليا، ووشها اتخشب من المنظر.
ومن وراها، دخل راجل عجوز.. طويل.. شعره أبيض.. ساند على عصاية أبنوس.
المكان كله اتغير بمجرد ما رجله لمست آخر درجة.. راغب الرفاعي.
عز ساب شعري وصوته اتهز راغب باشا..
بابا مابصلوش.. جه ناحيتي بالراحة، كأنه خايف إن أي خطوة غلط تكسر اللي فاضل من بنته.
نزل على ركبه.. راغب الرفاعي اللي الوزراء بيقفوا له، نزل على ركبه على خرسانة غرقانة دم.
إيده كانت قريبة من وشي بس مالمسنيش ممكن ألمسك يا أنجو؟
السؤال ده كسرني أكتر من الضرب.. هزيت راسي..
لمس شعري بحنية
خلتني أنفجر في العياط.. مش من الوجع، من صدمة إن حد بيتعامل معايا كأني غالية.
قلع الشال بتاعه وغطى بيه لبسي المتقطع.. وبص للواء الشرطة الإسعاف.
عز حاول يجمع شتات نفسه يا باشا ده سوء تفاهم.. مراتي تعبانة نفسياً ووقعت، وكنا لسه هنوديها المستشفى.
بابا لف وشه.. وبص له بعيون.. أمي كانت بتقول عليه الراجل اللي الذئاب بتخاف تمشي في طريقه.
رفع عصايته وشاور على الأرض على ركبك.
عز بربش بعينه أفندم؟
على.. ركبك!
عز بص للشرطة.. بص لأمه اللي واقفة فوق.. بص للشغالين.. محدش اتحرك يساعده.
وببطء، وريث إمبراطورية المنشاوي نزل على ركبه في نفس البقعة اللي سابني فيها أموت.
أمه صرخت أنت إزاي تهين ابني كدة!
بابا بص لها ابنك خد تلات ساعات عشان يثبت هو نذل قد إيه.. أنا محتاج تلات دقايق بس عشان أعرفه التمن.
اللواء اتقدمت عز المنشاوي، أنت مقبوض عليك بتهمة الشروع في قتل، وحجز حرية، وتعذيب.. وفي بلاغات تانية هتتفتح.
عز ضحك بهستيريا دي تصفية حسابات سياسية! راغب باشا بينتقم مني.. الكلام ده مش هياكل في المحكمة.
بابا قرب منه هياكل في كاميرات البوابة، وفي تسجيل التليفون اللي أنت رفسه، وفي شهادة الشغالين، وفي الظرف الأزرق اللي مراتك خبته.
قلبي وقف.. الظرف الأزرق!
وش عز اتخطف.. لأول مرة يخاف بجد.
بابا سأله عملت إيه في ابنها؟

عز سكت.. أمه نزلت السلم وقالت بقلب ميت الواد ده مات من زمان.
البدروم
تم نسخ الرابط