كنت في البيت، وفي لحظة تحول فيها كل شيء إلى جحيم، كلموني من المستشفى وقالوا لي: "تعالى بسرعة شوف بنتك، جوزها ضربها لحد الموت
من رقم مجهول.. صورة لنورا، فاقدة للوعي، على نقالة في جراج تحت الأرض، وبجانبها يد تحمل جريدة بتاريخ اليوم.
وتحتها جملة واحدة هات الفلاشة اللي معاك الجونة.. وإلا استلم بنتك جثة.
ثم وصلت رسالة أخرى، إيميل مجدول من نورا أرسلته ليعمل في منتصف الليل
بابا.. لو مكنتش موجودة.. الفلاشة مش في الجونة، الفلاشة جوه الحاجة اللي أنت ادتهالي يوم فرحي.
نظرت للسرير الخالي. القلادة الذهب التي كانت ترتديها نورا دائماً.. لم تكن موجودة. وبدلاً منها، وجدنا على الوسادة قطعة حلويات دايت.. نفس النوع الذي كان يحضره لي رامي!
التفتُّ لعادل وليلى جهزوا لي عربية.
ليلى قالت لأ، ده شغل رسمي.
قلت لها والدموع تحرق عيني بنتي مفيش عندها وقت للشغل الرسمي..
نظرت لعادل، الصديق الذي صمت طويلاً أنت هتيجي معايا.. عشان لو بنتي جرى لها حاجة، عايز آخر واحد كداب يكون جنبي وأنا بخلص حقي من العالم ده.
خارج المستشفى، كان الرعد يضرب سماء القاهرة.. وفي قلبي، كان هناك وعد واحد إما أن تعود نورا، أو يندم كل من لمس شعرة منها على اليوم الذي وُلد فيه.
بينما كانت صواعق البرق تضرب سماء القاهرة، انطلقت سيارة ليلى الدسوقي
أمسكتُ بالقلادة الذهبية التي كانت في كيس الأدلة؛ نورا لم تكن ترتديها حين دخلت المستشفى، الوحيد الذي كان بإمكانه نزعها هو الشخص الذي هاجمها. وبما أن الفلاشة التي كانت مع دكتور سمير هي التي يساومونني بها، إذن نورا كانت تملك الفلاشة الحقيقية.
فتحتُ القلادة بيدي المرتعشة، لم يكن بداخلها سوى صورة والدتها الراحلة. لكن خلف الصورة، وبدقة جراح، لاحظت بروزاً صغيراً جداً. استخدمتُ مشرطاً صغيراً أحمله دائماً في حقيبتي الطبية، ونزعت الغطاء الخلفي للقلادة.
سقطت منها شريحة ذاكرة Micro SD متناهية الصغر.
ليلى.. وقفي العربية! صرختُ فيها.
وضعنا الشريحة في هاتفها، وما رأيناه جعل الدماء تتجمد في عروقنا. لم تكن مجرد تجارة أطفال، بل كانت كشوفاً بأسماء متبرعين ومستقبلين لأعضاء بشرية، وعقود توريد أجهزة طبية مغشوشة، والأخطر.. كانت هناك تسجيلات لرامي وهو يتفق مع شخصيات كبرى في وزارة الصحة.
في تلك اللحظة، رن هاتفي. كان رامي، لكن صوته كان مختلفاً.. كان يلهث.
أحمد.. أنت أكيد شفت اللي على الشريحة. اللي معاك ده حبل
التفتُّ لعادل بصدمة. عادل أغمض عينيه وبدأ يبكي أنا مكنتش أعرف يا أحمد إنها هتوصل لكدة.. رامي كان بيموّل المستشفى، وأنا كنت بغمض عيني عن فواتير الأجهزة.. بس والله ما كنت أعرف موضوع نورا!
صرخ رامي عبر الهاتف قدامك 10 دقايق.. لو الملفات دي ما اتمسحتش، أو لو ليلى الدسوقي بلغت حد، نورا هيتم حقنها ب بوتاسيوم كلورايد.. وأنت عارف يا دكتور إن ده بيوقف القلب في ثواني ومبيبانش في الصفة التشريحية!
ليلى لم تكن امرأة عادية، أشارت لي أن استمر في الكلام لتتبع الموقع. وبذكاء ضابطة محترفة، أرسلت رسالة مشفرة لفريقها اقتحموا جراج مستشفى دار الشفاء.. الدور التالت تحت الأرض.
وصلنا إلى الجراج قبل الموعد. كان المكان مظلماً، تفوح منه رائحة الرطوبة والبنزين. رأيت رامي واقفاً وبجانبه نورا ممددة على النقالة، وممرضة مأجورة تضع حقنة في الكانيولا المتصلة بذراعها.
ارمي الفلاشة يا بابا! صرخ رامي وهو يوجه مسدسه نحوي.
نزلتُ من السيارة ببطء، وفي يدي الشريحة. رامي.. أنت كنت ابني. أنا اللي جوزتك بنتي بإيدي.
ضحك بجنون بنتك كانت هتدمر كل حاجة! كانت
تحركتُ خطوة للأمام. سيبها يا رامي، وخد اللي أنت عايزه.
ارميها الأول!
في تلك اللحظة، وبسرعة الجراح الذي لا يخطئ، قذفتُ حقنة كانت في جيبي تحتوي على مخدر قوي مباشرة في وجه الممرضة التي كانت تمسك بحقنة الموت. ارتبكت الممرضة وسقطت، وفي نفس الثانية انطلقت رصاصة ليلى لتصيب يد رامي التي تحمل المسدس.
اقتحم رجال الشرطة المكان من كل جانب. ركضتُ نحو نورا. كان وجهها أبيض كالثلج، ونبضها ضعيف جداً.
عادل، في محاولة أخيرة للتكفير عن ذنبه، اندفع نحوها وبدأ في عمل إنعاش قلبي رئوي أنا هعيشها يا أحمد.. والله هعيشها!
تم القبض على رامي وسمير والممرضة. وبينما كانت سيارة الإسعاف تنقل نورا، كانت ليلى تضع القيود في يد عادل أيضاً. نظر إليّ عادل بكسرة أنا آسف يا صاحبي.
بعد شهر..
كنت أجلس في شرفة منزلي، ونورا بجانبي، تضع غطاءً على ظهرها ليخفي الندوب التي بدأت تلتئم، لكن الندوب التي في قلبها كانت تحتاج وقتاً أطول.
أمسكت نورا يدي أنا فخورة بيك يا بابا.. أنت طول عمرك بتفتح القلوب عشان تعالجها، بس المرة دي فتحت
تمت القصة.