كنت في البيت، وفي لحظة تحول فيها كل شيء إلى جحيم، كلموني من المستشفى وقالوا لي: "تعالى بسرعة شوف بنتك، جوزها ضربها لحد الموت

لمحة نيوز

كنت في البيت، وفي لحظة تحول فيها كل شيء إلى جحيم، كلموني من المستشفى وقالوا لي تعالى بسرعة شوف بنتك، جوزها ضربها لحد الموت.
لم أسمع بقية كلام الممرضة؛ سقط الهاتف من يدي وكأن صعقة كهربائية أصابتني..
أنا دكتور أحمد راشد، جراح متقاعد. قضيت اثنين وثلاثين عاماً أفتح أجساداً لأنقذ أرواحاً. رصاص، حوادث طرق، حروق من الدرجة الثالثة، أطفال يزرقّ لونهم من نقص الأكسجين، وأمهات يصرخن خارج غرف العمليات. كنت أظن أن يدي لم تعد تهتز أبداً، وأن قلبي قد تحجر من كثرة ما رأى.
لكن كل ذلك انهار في تمام الساعة 1147 مساءً، حين رن هاتفي. كان زميلي القديم وصديق عمري، الدكتور عادل. قال لي بصوت يرتجف إن ابنتي نورا نُقلت إلى الطوارئ في حالة حرجة.
حين وصلت إلى مستشفى دار الشفاء بالمعادي، ورأيت ابنتي ممددة على النقالة، كان أول خاطر مر بعقلي هو لو ماتت ابنتي الليلة، فلن يرى زوجها شروق شمس غد.
كانت نورا ترقد على وجهها في الغرفة رقم 3، غائبة عن الوعي بفعل المسكنات، وشعرها ملتصق بوجنتيها من العرق. قميصها الكارديجان كان مقصوصاً من الظهر بآلة حادة. في البداية، ظننت أنها كدمات زرقاء، لكن الحقيقة كانت أبشع بكثير.
لم تكن كدمات.. كانت حروفاً.
شخص ما كتب على جلد ابنتي باستخدام نصل حاد، بجروح دقيقة ورفيعة.

لم تكن طعنات عشوائية أو ضربات غاضبة، بل كانت تخطيطاً مدروساً. جروح تعكس يداً كان لديها وقت كافٍ لتكره.
فوق لوحي كتفها، كانت العبارة محفورة
هو كذب عليكي أنتي كمان.
في تلك اللحظة، اختفى المستشفى من حولي. توقف رنين الأجهزة، غابت أصوات الأقدام، واختفت الممرضات. لم أرَ سوى دم ابنتي وتلك الجملة التي حرقت عيناي.
وقف الدكتور عادل بجانبي، ووجهه شاحب كالأموات. عادل الذي رأيته يلم شتات رجال يحتضرون بيديه العاريتين دون أن يرمش له جفن، كان الآن مرتجفاً.
همس لي أحمد.. أنا اتصلت بيك قبل ما أعمل محضر الشرطة.. لأن فيه حاجة تانية.
انقبض حنجرتي وقلت إيه تاني؟
أشار إلى يد نورا اليمنى. كانت أصابعها متشنجة ومقبوضة على قطعة قماش بيضاء ممزقة، غارقة في الدماء. كانت إسورة قميص كم قميص من القطن الفاخر، وفي طرفها تطريز خيطي صغير لثلاثة حروف
ر. م. خ
رامي مدحت خليل.
زوج ابنتي المثالي. الرجل المهذب الذي كان يقبل رأسي في كل مناسبة. الرجل الذي لم ينسَ يوماً أن يحضر لي الحلويات المخصصة لمرضى السكر. تاجر المستلزمات الطبية الذي يتحرك في ردهات المستشفيات الخاصة وكأنه يمتلكها. الرجل الذي استأمنته على وحيدتي.
مددت يدي لآخذ قطعة القماش، وفي تلك اللحظة فتحت نورا عينيها. لم تفتحهما بالكامل، بل بمقدار
ما تلمحني فقط. غمر الرعب وجهها فجأة.
بصعوبة بالغة، همست بابا..
انحنيت فوقها وقلت أنا هنا يا حبيبتي.. أنا جنبك.
ارتجفت شفتاها وقالت متقولهوش إني لسه عايشة.
في تلك اللحظة، شعرت بشيء بداخلي يتحول إلى حجر. لا تقول ابنة هذا عن زوجها إلا إذا أصبح بيتها مكاناً للموت.
أمسكت يدها وقلت رامي اللي عمل فيكي كدة؟
انزلقت دموعها لتختفي في خصلات شعرها. حاولت الكلام، لكن الألم عصر وجهها. اقترب عادل ليضبط المحاليل وقال لازم ترتاح يا أحمد، حالتها صعبة.
لكن نورا هزت رأسها بضعف وإصرار وهي تهمس لأ.. هو مش لوحده.
تجمد الدم في عروقي مين اللي مش لوحده؟
تقطع نفسها وهي تحاول نطق الكلمات الأخيرة اسأله..
انحنيت أكثر أسأله عن إيه يا بنتي؟
ثبتت عينيها في عيني وقالت بوضوح مرعب اسأله عن اللي حصل في الجونة..
ثم ارتخى جسدها تماماً. صرخ جهاز مراقبة القلب بصوت متصل. دفعني عادل للخلف وهو يصرخ يا ممرضة! ارفعي الأكسجين فوراً!
وقفت هناك، عاجزاً لأول مرة في حياتي. أنا الجراح.. الأب.. الرجل الذي خيط شرايين مقطوعة لكنه لم يستطع منع قلبه من التحطم.
في يدي قطعة قماش بدم رامي، وعلى ظهر ابنتي رسالة موجهة لشخص ما، وفي أنفاسها الأخيرة، أعطتني اسم مدينة الجونة.
التفتُّ لعادل وسألته إيه اللي حصل في الجونة؟
لم
يجب. صمته ونظرة عينه كانت إجابة كافية ومخيفة.
وقبل أن أنطق بكلمة أخرى، انفتح باب الطوارئ واندفعت ممرضة، وجهها خالٍ من الألوان، نظرت إليّ وقالت يا دكتور.. جوز نورا هانم واقف تحت.
أطبقت قبضة يدي بقوة وقلت خليه يستنى.
ابتلعت الممرضة ريقها وقالت بصوت منخفض هو مش جاي يطمن عليها يا فندم..
تصلب عادل في مكانه، فنظرت إليها وسألت أمال طالب إيه؟
إيه اللي تتخيله ممكن يكون حصل في الجونة وخلى رامي يتعامل ببرود الأعصاب ده؟؟؟؟!.
الجزء الثاني طريق الثأر
رأى رامي ملامح وجهي قبل أن أرى المرأة التي معه. للحظة واحدة، سقط القناع عن وجهه؛ تلاشت نظرة الحزن التي اصطنعها، واختفى القلق الزائف الذي يرتديه في صور العائلة وحفلات التبرع. ظهرت الحقيقة نظرة باردة، حاسمة، ومجردة من أي رحمة.
ثم استعاد قناعه في لمح البصر واندفع نحوي يا بابا! نورا فين؟ إيه اللي حصل؟ كلموني وقالوا حادثة..
تراجعت خطوة للخلف قبل أن تلمس يده قدمي. بقيت يداه معلقتين في الهواء. خلفه كانت تقف امرأة شابة، ترتدي فستان اسود وتغطي نصف وجهها ب طرحة مسحوبة لأسفل. كانت أصغر من نورا، وعيناها منتفختان، ليس من البكاء، بل من قلة النوم. نظرت إليّ مرة واحدة ثم خفضت رأسها برعب.
التفتُّ للممرضة وقلت انتي قلتي إنه سأل لو الجثة تم التعرف
عليها؟
ارتبك رامي، بينما ارتعشت المرأة
تم نسخ الرابط