كنت في البيت، وفي لحظة تحول فيها كل شيء إلى جحيم، كلموني من المستشفى وقالوا لي: "تعالى بسرعة شوف بنتك، جوزها ضربها لحد الموت

لمحة نيوز

خلفه. قال رامي بسرعة يا بابا أنت فهمت غلط، الشرطة كلمتني عن واحدة مواصفاتها زي نورا، كنت مرعوب، سألت لو..
قاطعه صوت عادل الصارم من خلفي محدش من الشرطة كلمك يا رامي.
في الطب، هناك لحظات يخبرك فيها الجسد بالحقيقة قبل أن ينطق اللسان بالكذب. نبضة تقفز في الرقبة، بؤبؤ عين يتسع، أو قبضة يد تنقبض. يد رامي اليسرى انقبضت.
نظرت إلى إسورة القميص التي في يدي داخل كيس الأدلة، والحروف المطرزة ر. م. خ. سألته بهدوء قاتل فين بقية القميص ده؟
شحب وجهه وهو ينظر للكيس، ثم ابتسم بحزن مصطنع إيه ده؟ يا بابا أرجوك، أنا لازم أشوف مراتي.
اقتربت منه خطوة هي قالت لي مقولكش إنها لسه عايشة.
ساد صمت رهيب في الردهة. توقف رامي عن التنفس. المرأة خلفه رفعت رأسها فجأة وهمست عايشة؟
التفت إليها رامي بحدة وصرخ اسكتي خالص!
كانت هذه غلطته الأولى أمامي. كلمتان فقط، لكنهما حملتا نبرة تملك مخيفة، نفس النبرة التي كنت أسمعها من الأزواج الضاربين حين تأتي زوجاتهم للطوارئ بحجة حروق المطبخ أو وقعة في الحمام.
سألت المرأة اسمك إيه؟
رامي رد بدلاً عنها دي واحدة قريبتنا.. مصلحة عائلية.
قلت بصرامة أنا بسألها هي.
قالت بصوت يرتجف ميرا.
تذكرت همس نورا اسأله عن الجونة.
قلت لها ميرا.. بتاعة الجونة؟
انهار وجهها تماماً.
رامي تحرك بسرعة، سرعة رجل لا يملك ذرة براءة. أمسك بمعصمها بعنف وقال احنا ماشيين.
أمسكت بذراعه. طوال سبعين عاماً، كان الناس يلقبونني ب الحكيم الهادئ. لم يعرفوا أن الهدوء أحياناً ليس إلا باباً مغلقاً خلفه عاصفة.
قلت له لو خطيت خطوة واحدة كمان، هنسى إني دكتور.
نظر ليدي على ذراعه، ثم لوجهي. لأول مرة، لم يرَ الجراح المتقاعد، ولا العجوز مريض السكر ذو الأصابع المرتعشة.. رأى أباً قرأ رسالة مكتوبة بدم ابنته.
استدعى عادل أمن المستشفى. ضحك رامي بسخرية أنتم فاهمين غلط، نورا مريضة نفسية وبتحاول تأذي نفسها، وأنا معايا روشتات تثبت ده.
همست ميرا لأ.
التفت إليها رامي كأنه سيقتلها، لكنها تراجعت وهي تصرخ لأ.. هي معملتش في نفسها كدة!
وصل الأمن، ومعهم العقيد ليلى الدسوقي، التي استدعاها عادل. ليلى كانت مريضتي منذ سنوات، أنقذتُ ذراعها من بتر محقق بعد رصاصة غادرة، ولم تنسَ لي ذلك أبداً. نظرت ليلى لرامي، ثم لكيس الأدلة، ثم لميرا، وقالت بلهجة آمرة افصلوهم عن بعض.
سقط قناع رامي تماماً ده إجراء غير قانوني، أنا أعرف مجلس إدارة المستشفى كله!
ردت ليلى ببرود تمام، ابقى كلمهم من القسم.
داخل مكتب عادل، خلعت ميرا طرحتها، وفهمت لماذا كانت تخفي وجهها. ندبة بشعة تمتد من صدغها إلى فكها. ندبة
قديمة، متعرجة.. ليست أثر جراحة، بل أثر وحشية.
قالت وهي تبكي يا دكتور، أنا آسفة.
قلت لها آسفة على إيه؟
عشان كنت عارفة إنه متجوز.
بدأت تحكي والكل ينصت برعب قابلت رامي في الجونة من 3 سنين. قال لي إنه منفصل، وإن مراته ست شريرة ومدمنة حبوب، ورافضة يطلقوا عشان الفلوس.
أغمضت عيني بصدمة. نورا.. التي كانت ترسل له الغداء لعمله، نورا التي كانت تدافع عنه وتقول رامي طيب من جوه يا بابا.
أكملت ميرا صدقته.. لحد ما اتجوزنا فى السر و حملت.
شهق عادل. رامي كان يوهمنا أنهم يؤجلون الإنجاب باتفاقهما!
إيه اللي حصل للطفل؟ سألت ليلى.
ردت ميرا بانهيار قال لي الطفل ده هيدمر كل حاجة. خدني لعيادة خاصة بره الجونة، مكان مش مرخص. خدروني.. ولما فقت، مكنش فيه طفل.
أمسكت بكرسي المكتب لكي لا أسقط. ونورا؟
قالت ميرا من أسبوعين كلمتني. نورا عرفت كل حاجة. لقت تحويلات بنكية، وسجلات مستشفى قديمة. كانت عايزة تعرف أنا مين. كنت فاكرة إنها هتشتم وتهين، لكنها سألتني سؤال واحد بس هو أذاكي أنتي كمان؟.
الكلمات كانت أعمق من الجروح التي على ظهر ابنتي. ابنتي وهي تكتشف اسرار رامى، كانت تبحث عن وجع امرأة أخرى!
أكملت ميرا نورا جات لي الجونة من 4 أيام. حكيت لها عن العيادة، وعن الأجهزة اللي رامي بيوردها هناك، وعن
البنات..
تغير لون وجه عادل بنات إيه؟
بنات غلابة، وهربانين.
رامي كان بيجيب دكاترة من القاهرة، واحد منهم كان شغال في المستشفى دي زمان.. بيسموه دكتور سمير.
تراجع عادل كأن صاعقة أصابته. نظرت إليه عادل.. أنت كنت عارف إن سمير رجع؟
ظهر الذنب في عينيه شفته الشهر اللي فات في استراحة مجلس الإدارة، رامي قال لي إنه مستشار لجمعية خيرية.. مسألتش يا أحمد!
صرخت فيه مسألتش؟ عشان كان بيورد لك أجهزة لوحدة الحروق؟
فجأة، حدث هرج في الخارج. سمير الطبيب الفاسد كان مع رامي في الممر، وحين رأى ميرا حاول الهرب. ليلى كانت أسرع، لكن سمير اندفع نحو سلم الطوارئ.
تحركتُ أنا دون تفكير. الأطباء المتقاعدون لا يجرون، لكن الآباء لا يعترفون بقوانين الطب. حاصرته عند السلم، ليس بالقوة بل بالخبرة؛ أنا أعرف أين يسكن الألم في الجسد البشري. عكازي علق خلف ركبته فسقط على وجهه. وضعت طرف العكاز على حنجرته وهو يلهث يا دكتور..
نظرت لرامي وهو مقيد بالكلابشات، فنظر إليّ بابتسامة مرعبة وقال بنتك مش هتكمل للصبح.. اسأل عادل هما حطوا إيه في المحلول بتاعها!
ركضنا إلى الغرفة رقم 3.
السرير كان فارغاً.
خرطوم الأكسجين على الأرض، وأسلاك الأجهزة مقطوعة. ممرضة تقف منهارة أنا آسفة.. قالوا دي أوامر دكتور عادل عشان تعمل
أشعة.. خدوها ونزلوا!
في تلك اللحظة، اهتز هاتفي. رسالة
تم نسخ الرابط