​"طلبت من ولادي يودوني دار مسنين عشان خايفة أموت لوحدي.. مكنتش أعرف إن اللي مستنيني جوه الحيطان دي، أرعب مية مرة من الوحدة والموت

لمحة نيوز

دي عشان حالات الطوارئ، دي بس لو طنط مابقتش قادرة تاخد قرارات.
افتكرت أماني وهي بتقول يا ماما امضي مكان ما هما معلمين، عشان نخلص بسرعة.
معدتي قلبت.. كاميليا شافت الإجابة في وشي وقالت هما مش محتاجين ولاد أشرار يا ليلى.. هما محتاجين ولاد مشغولين وبس.
فجأة سمعنا صوت في الطرقة.. خطوات.. بطيئة.. ومعدتش.. وقفت قدام الباب.
كاميليا خطفت الورق وحشرته جوه المخدة. أكرة الباب اتحركت.. مرة.. اتنين.. وبعدين صوت ناعم زي السكر جه من ورا الباب
ست كاميليا؟ إنتي صاحية؟
دي شيرين الممرضة. وش كاميليا اتغير في ثانية.. عينيها بقت باهتة، كتافها نزلت.. فهمت اللعبة.
قعدت على طرف سريرها ومسكت صدري كأني تعبانة. الباب اتفتح، شيرين واقفة ببدلتها الخضراء وشعرها الملموم وابتسامتها العريضة بزيادة
طنط ليلى؟ هنا؟
قلت بسرعة نفسي اتقطع.. جيت أسأل كاميليا لو معاها مرهم فنتولين.
في نص الليل؟
قلتلها بحدة أنا عجوزة، والنفس مبيستأذنش الساعة كام.
عينيها راحت للمخدة، وبعدين للأرض، وبعدين لشبشبي اللبني.
تعالي.. أنا هديكي حبة الليل بتاعتك.
أنا خدتها خلاص.
لا يا طنط، النهاردة الدكتور ضاف واحدة كمان.
دمي اتجمد.. مش عاوزاها.
دخلت الأوضة وقربت مني الدكتور أدرى.
صوابع كاميليا لمست إيدي تحت الملاية.. تحذير.
شيرين طلعت حباية بيضاء من جيبها.. مش من شريط.. من جيبها!
افتحي بقك يا طنط.
في اللحظة دي، حاجة جوايا قامت.. ستة وتمانين سنة من الطاعة للدكاترة، وللولاد، وللموظفين، وللكهنة.. وقفت وقالت لأ.
ابتسمت لشيرين وقلت لها هاتي مية.
لفت وشها تجيب
الكوباية، وفي الثانية دي كاميليا اتحركت بسرعة البرق، حشرت لفة الورق والمخدة تحت الشال بتاعي.
شيرين لفت، خدت منها الكوباية، حطيت الحباية على لساني ورفعت المية وتظاهرت إني بلعت. من سنين كنت بخبي الدوا المر من أمي بنفس الطريقة.. مين كان يصدق إن مهارات الطفولة بترجع لما نحتاج ننجو؟
شيرين فضلت باصة لزوري شاطرة يا طنط.
ابتسمت لها والحباية تحت لساني زي السم.
لما وصلت أوضتي، تفيت الحباية في منديل.. كانت بدأت تذوب. لفيتها بعناية.. دليل.
ليلتها منمتش. قعدت على السرير ولفة كاميليا تحت هدومي، وشنطتي مفتوحة، وصورة جوزي مدحت باصة لي كأنه بيراقبني.
الساعة 215 بالليل، سمعت صوت عند الاستقبال.. صوت راجل.. واطي وغضبان
فين الورق؟ ردت شيرين أكيد خبته تاني.
الراجل فتشي الأوضة الصبح.. وجهزي الورق الجديد.
جسمي اتنفض.. الجديد؟ قصدهم أنا!
الراجل كمل بنتها مضت على تفويض الطوارئ، وابنها مسافر. حالة سهلة.. أرملة عجوزة، وتدهور معرفي بسيط. هنقدر ننقل شهادات الاستثمار بتاعتها لحساب الرعاية المدارة.
نفسي وقف.. ولادي م رمونيش، بس سابوا حياتي في إيد ناس شايفيني مجرد أوراق رابحة.
الساعة 3 كلمت أماني.. ماردتش. كلمت هاني.. تليفونه مقفول. كلمت أماني تاني.. ردت وهي نايمة
ماما؟ فيه إيه؟
همست تعالي دلوقتي.
يا ماما دي تلاتة الصبح! إنتي كويسة؟ وقعتي؟
أماني اسمعيني كويس.. المكان ده مش أمان.
اتنهدت بزهق وتعب يا ماما، إنتي برضه امبارح قلتي الملح زيادة في الطبيخ.. إنتي لسه متعودتيش، اديله وقت.
قلبي اتكسر يا بنتي أنا بقولك
ماما عندي
جلسة الصبح الساعة 9. هكلم الاستقبال يطمنوني عليكي.. نامي أرجوكي.
لا! متكلميش الاستقبال!
الخط قطع. قعدت أبص للتليفون.. إنتي اللي كنتي عاوزة المكان ده.
أيوة.. أنا اللي فتحت الباب، بس مكنتش أعرف إني عزمت الحرامي جوه بيتي.
الساعة 330 خدت قراري. مش بشجاعة الأبطال.. إيدي كانت بترعش لدرجة إني معرفتش أطبق جلابية واحدة صح. خدت اللي أقدر أشيله بس
لفة ورق كاميليا.
بطاقتي الشخصية.
شوية فلوس فكة.
صورتي مع مدحت.
والشبشب اللبني اللي في رجلي.
وعملت حاجة مصلتهاش من سنين.. نطيت من الشباك. مش بمنظر سينمائي، لأ.. بألم، وببطء، وبركبة اتحشرت، وكوع اتخربش، وكلمة يا رب اللي كانت بتطلع مع كل نهجة.
أوضتي كانت في الدور الأرضي والحمد لله. وقعت في الجنينة اللي ورا.. نفس الجنينة اللي الكل كان بيراقبني فيها وأنا بتمشى.
هوا الليل كان تلج.. مشيت ناحية المنشر، كان فيه حتة في السور مكسورة ومستخبية ورا الملايات المنشورة. شبشبي اللبني كان بيخبط في الطين المبلول بصوت واطي. كل خطوة كانت وجع، ونفسي كان بيتقطع.
عند السور كنت هستسلم.. السور مكنش عالي لشاب، بس ليا أنا كان زي جبل الهيمالايا. وفجأة سمعت همس ورايا ليلى.
لفيت.. كانت كاميليا. ملفوفة في شال أسود وماسكة شنطة قماش صغيرة.
إنتي جاية معايا؟ همست لها.
هزت راسها لأ لو هربنا إحنا الاتنين هيطاردونا فوراً. لو فضلت أنا، هيفتكروا إنك بس تيهة وبتتمشي.
لأ.. مش هسيبك.
إنتي مش سايباني، إنتي مخرجاني معاكي في الورق ده.
حطت في إيدي ظرف تاني دي عنوان حفيدة بنتي في المنصورة.. هي فاكرة إني
مابقتش أكلمها عشان نسيتها، قوليلها إني فاكراها كل يوم.
زوري حرقني كاميليا
حطت إيديها على وشي.. ريحة إيديها كانت بودرة تالك وخيوط خياطة.. وقالت لي جملتها اللي خلتني أقوى من الوجع
الست اللي بتعرف تخيط.. بتعرف تقف على رجليها.. والنهاردة إنتي واقفة عشانا كلنا.
قبل ما أرد، كشاف نور نور عند الباب الوراني. كاميليا لفت وبدأت تمشي ناحيتهم بكل ثبات، كأنها طالعة تشم هوا
ست كاميليا! الغفير زعق بتعملي إيه هنا؟
شاورت بإيدها وقالت بصوت عالي بدور على الإبرة بتاعتي.. كان عندي زبونة مستنية الفستان.
الغفير ضحك باستهزاء.. وأنا استغليت اللحظة واتسندت على الطوب ونطيت. مش عارفة إزاي، يمكن الخوف رفع رجل، والغضب رفع التانية.
وقعت الناحية التانية على كوم ورق شجر ناشف، الجلابية اتنست وإيدي اتجرحت.. بس كنت برا.. كنت حرة.
الشمس طلعت وأنا عند بيت بنتى أمانى حكيتلها كل حاجه هى و ابنى و
بلغوا الشرطة و عرفنا نثبت حاجات كتيرة بالورق اللى كان معايا.
بعد شهر، كنت قاعدة في بلكونة بيتي. مغيرتش حاجة، بس ركبت إنذار في الرقبة، وجبت ست طيبة بتيجي تقعد معايا الصبح بس تمسح وتطبخ وتسمع حكاياتي.
كاميليا جاتلي الزيارة، وكانت ماسكة في إيدها طرحة حرير مطرزة يدوياً.. هدية ليا.
بصيت لها وقلت لها لسه إيدك بتعمل حاجات يا كاميليا؟
ضحكت وقالت إيدي رجعت لها الروح لما رجعت أمسك الإبرة بمزاجي.. مش بأمر الممرضة.
بصيت لشبشبي اللبني اللي كان مركون تحت الكرسي، وابتسمت.
الخوف لسه موجود.. الوحدة لسه موجودة في بعض الليالي.. بس الفرق كبير أوي بين إنك
تستني الموت في مكان غريب، وبين إنك تعيشي اللي باقي في مكانك اللي ريحته بتعرفك.

تم نسخ الرابط