​"طلبت من ولادي يودوني دار مسنين عشان خايفة أموت لوحدي.. مكنتش أعرف إن اللي مستنيني جوه الحيطان دي، أرعب مية مرة من الوحدة والموت

لمحة نيوز

طلبت من ولادي يودوني دار مسنين عشان خايفة أموت لوحدي.. مكنتش أعرف إن اللي مستنيني هناك جوه الحيطان دي، أرعب مية مرة من الوحدة والموت
أنا عندي ستة وتمانين سنة. والسنة اللي فاتت، أنا اللي طلبت من بنتي أماني توديني دار مسنين.
والجزء الأصعب في الحكاية؟ إنها معارضتش كتير.
لما بحكي كدة، الناس بتبصلي ب بصة شفقة. بيستنوا يسمعوا قصة قاسية.. ولاد وحشين.. أم مرمية.. باب مقفول بالجنزير. بس ولادي مش وحوش.
أماني بتكلمني كل يوم، وهاني بيبعتلي العلاج بانتظام، وبيزوروني في الأعياد والمناسبات. هما عندهم أشغال، وقروض، وعيال، وضغط دم، ومصاريف مدارس، وجوازاتهم نفسها منهكة. القرار كان قراري أنا.. أو ده اللي كنت فاكراه.
كل حاجة بدأت في ليلة شتا باردة في نوفمبر. صحيت عطشانة، والبيت كان كحل. مورتش نور الطرقة عشان كبار السن دايمًا بيعملوا حاجات غبية عشان ميفوقوش من النوم تمامًا. مشيت براحة وساندة إيدي على الحيطة.. وفجأة رجلي اتزحلقت.
مش فاكرة إني وقعت.. أنا فاكرة بس كتفي وهو بيخبط في أرضية الحمام، ودماغي وهي بتخبط في الجردل، وصوت نفسي المرعوب في الضلمة.
مقدرتش أتحرك لفترة. البلاط كان تلج، وكتفي بيتحرق من الوجع، وحوضي كأنه اتكسر نصين. حاولت أنده.. مفيش صوت طلع، مجرد هوا.
هنا بدأ الرعب الحقيقي. مش الوجع، لأ.. الخوف.
افتكرت

كل القصص اللي بنسمعها بعد الستين
الراجل العجوز اللي لافوه بعد تلات أيام.
الأرملة اللي اكتشفوا موتها لما أكياس اللبن كترت قدام الباب.
الجثة اللي محدش خد باله منها غير لما الجيران اشتكوا من الريحة.
بصيت لضلمة الحمام وقلت لنفسي لو مت الليلة دي، محدش هيعرف.
بالعافية، وبعد ما حسيت إن عمري كله مر، سحبت نفسي وقعدت على حرف البانيو وأنا بترعش. مفيش حاجة اتكسرت في جسمي، بس في حاجة جوايا اتشرخت. منمتش ليلتها، فضلت أبص للسقف لحد الصبح والخوف جاثم على صدري زي قطة سوداء.
الساعة 8 الصبح، كلمت بنتي أماني. قلتلها بحاول أبقى عملية يا أماني، يمكن جه الوقت. يمكن لازم أنقل مكان أمان.. مكان فيه ناس.
سكتت كتير، وبعدين سألتني إنتي متأكدة يا ماما؟
قلت لها أيوة. وكذبت.. أنا مكنتش متأكدة من أي حاجة.
دار الهنا Routine الموت البطيء
بعد تلات أسابيع، لميت شنطة واحدة. جلابيات قطن، شال صوف، شوية صور قديمة، علبة الدواء، وصورة جوزي مدحت الله يرحمه في برواز صغير.. وشبشبي اللبني بتاع المشي.
مش عارفة ليه خدت الشبشب ده بالذات، يمكن جزء عنيد جوايا كان لسه مصدق إني هرجع البيت في يوم من الأيام.
المكان كان اسمه دار الهنا. اسم جميل.
المبنى نضيف، حيطان بيضا، شجر نيم برا، جامع صغير جنب البوابة، ممرضات بلبس أخضر فاتح، وصالة أكل ريحتها طبيخ وديتول
وخضار مسلوق.
أوضتي كان ليها شباك بيطل على جنينة صغيرة. مكنش فيه حاجة غلط.. ودي كانت المشكلة.
مفيش حاجة غلط.. مفيش حاجة بتحصل أصلاً.
أول كام يوم، حاولت أقنع نفسي إني عملت الصح. الأكل في ميعاده، الدواء في ميعاده، الضغط بيتقاس في ميعاده، الأنوار بتطفي في ميعادها.
أمان.. نظام.. راحة.. الكل كان بيردد الكلمات دي.
بس بالتدريج، بدأت أراقب الإيدين.
إيدين العواجيز بتقول الحقيقة لما لسانهم بيتعلم الذوق والأدب.
كان فيه ست هانم بتطبق نفس المناديل مرة ورا تانية وهي متطبقة أصلاً.
كان فيه أستاذ كمال بيمسح نضارته عشرين مرة في اليوم وهو مبيقرأش حاجة.
كان فيه مدرسة معاش، بترتب ورد بلاستيك كل يوم الصبح كأن فيه ضيوف جايين.. ومفيش ضيوف بيجوا أبدًا.
وبعدين كان فيه كاميليا. تسعة وسبعين سنة. وش رفيع، عضم بارز، وشعر أبيض مضفور بدقة. كانت خياطة طول عمرها. كل يوم الصبح تقعد جنب الشباك وتحرك الصور اللي على الكومودينو بتاعها.
صورة جنب الأباجورة.. صورة تحت شريط الدواء.. صورة وشها للشباك.. وبعدين تغير مكانهم تاني.. وتاني.
في اليوم التالت، قعدت جنبها وسألتها بتدوري على حاجة؟
ابتسمت بضعف وقالت لا.. مفيش.
وبعدين بصت لصوابعها وقالت أنا بس محتاجة إيدي تعمل حاجة.
الجملة دي طاردتني طول اليوم. سمعتها بين المعلقة والطبق في الغدا، وسمعتها
في صلاة المغرب، وسمعتها جوا قلبي بليل.
تاني يوم قعدت معاها تاني. قلتلها احكيلي عن الهدوم اللي كنتي بتخيطيها.
عينيها نورت فجأة. صوابعها اتحركت في الهوا كأنها ماسكة قماش خفي. حكتلي عن عرايس متوترة، زراير لولي صغيرة، فساتين بتتفصل بالمقاس من الذاكرة، لبس مدرسة بيتخيط في ليلة واحدة عشان طفل بيعيط، وفساتين سواريه كانت بتاخد أسابيع وهي بتسمع أغاني أم كلثوم القديمة.
وهي بتتكلم، مكنتش ست مستنية الفطار.. كانت حية.. حية بجد.
سألتها وحشتك الخياطة؟
ابتسامتها انكسرت. قالت مش وحشاني الخياطة.. وسكتت وبصت للشباك، .. وحشني إن حد يكون محتاجلي في حاجة.
الحقيقة المُرّة خلف الصورة
ليلتها، فتحت شنطتي. الشبشب اللبني كان لسه في الجيب الجانبي. طلعته وحطيته جنب السرير.
وفجأة فهمت حاجة مرعبة أنا مجيتش هنا عشان أعيش أحسن، أنا جيت هنا عشان أخاف أقل. ودول مش نفس الحاجة.
في دار الهنا، محدش بيقرر حاجة. الفطار ليه ميعاد، الاستحمام ليه ميعاد، الصلاة ليها ميعاد، الدواء ليه ميعاد، المشي ليه ميعاد، وصوت التلفزيون ثابت مبيتغيرش.
كل حاجة مترتبة عشان مفيش حاجة وحشة تحصل.. بس كمان عشان مفيش حاجة غير متوقعة تحصل أبدًا.
وده خوفني أكتر من وقعة الحمام. فكرة إني أبقى بني آدم بيستنى وبس. بيستنى الشاي، بيستنى الحبوب، بيستنى العيال، بيستنى النوم.
. بيستنى ربنا.
الأسبوع اللي بعده، لبست شبشبي اللبني
تم نسخ الرابط