"طلبت من ولادي يودوني دار مسنين عشان خايفة أموت لوحدي.. مكنتش أعرف إن اللي مستنيني جوه الحيطان دي، أرعب مية مرة من الوحدة والموت
المحتويات
ونزلت الجنينة. مشيت في دوائر لمدة عشرين دقيقة. ممرضة جات تجري ورايا يا طنط ليلى، إنتي كويسة؟
كنت هضحك. في سن الستة وتمانين، لما ست تمشي بمزاجها بتبقى حالة طوارئ طبية!
قلتلها أيوة، أنا بتمشى. وقفت محتارة كأني أعلنت ثورة.
فضلت ماشية.. ورفعت عيني للسكن. وهنا شفتهم الوشوش اللي ورا الشبابيك.
واحد.. اتنين.. خمسة.. تسعة.. رجالة وستات عواجيز. بيبصوا في صمت. مبيتكلموش، مبيبتسموش، مبيتحركوش.
حسيت إنهم مش عايشين جوه المبنى ده.. هما مستنيين حد تاني يقرر قصتهم تخلص إمتى.
وفي شباك منهم، كانت كاميليا واقفة. وشها لازق في الزجاج، وفي عينيها دموع. وإيدها ماسكة صورة عمري ما شفتها قبل كدة.
وقفت مكاني. رفعت هي الصورة لفوق. ومن مكاني في الجنينة، شفت كفاية.
كانت صورة قديمة أبيض وأسود. كاميليا وهي شابة واقفة قدام محل مكتوب عليه أتيليه كاميليا. كانت مبتسمة بفخر وجنبها مكن خياطة وتوب قماش، وتلات بنات صغيرين لابسين فساتين زي بعض.
ووراها، مكتوب على الحيطة جملة واحدة الست اللي بتعرف تخيط.. بتعرف تقف على رجليها.
زوري اتخنق.. بس مش ده اللي جمدني مكاني.
المحل اللي في الصورة مكنش مجرد محل.. ده كان نفس المبنى اللي إحنا عايشين فيه دلوقتي!
نفس الأقواس، نفس السلالم، نفس شجرة النيم اللي عند البوابة.
دار الهنا مكنتش طول عمرها دار مسنين.. دي كانت ملك كاميليا!
ولما
خدوا محلي الأول.. وبعدين خدوا بيتي.. وبعدين جابوني هنا وقالوا لي ده عشان أمانك.
بصيت لشباكها. شفايف كاميليا كانت بتتحرك ببطء. مسمعتهاش، بس فهمت كلمتين بس ساعديني.
ليلتها، لبست شبشبي اللبني تاني. وقبل ما ممرضة الليل تقفل الطرقة، شفت باب أوضة كاميليا بيتفتح لوحده.
كان المفروض أرجع سريري، ده اللي متوقع من ست عجوزة زيي.. تفضل دفيانة، ساكتة، ومبتعملش مشاكل. بس لما تشوفي كلمة ساعديني على شفايف ست تانية، النوم بيبقى خطيئة.
اتسحبت في الطرقة، ريحة المنظفات واللبن المغلي كانت خانقة. لمبة صفراء ضعيفة كانت بترعش جنب السلم، ومن بعيد سمعت الممرضة شيرين وهي بتدندن أغنية في غرفة الاستقبال.
كاميليا؟ همست بالراحة.
مفيش رد.. الباب اتفتح أكتر شوية.
دخلت.. الأوضة كانت ضلمة إلا من خيط نور قمر داخل من الشباك. كاميليا كانت قاعدة على الأرض جنب السرير، ضهرها الرفيع محني، وإيديها الاتنين جوه كيس مخدة قديم.
اقفلي الباب.. قالتها بصوت مكنش ضعيف المرة دي، كان حاد من كتر الخوف.
قفلت الباب.. فيه إيه؟
طلعت لفة ملفوفة في حتة قماشة قديمة وحطتها في حجري. جواها كانت صور.. مش واحدة، عشرات!
كاميليا قدام محل الخياطة بتاعها.
كاميليا وهي بتعلم البنات السرفلة.
كاميليا واقفة جنب شاب بيقص شريط افتتاح.
كاميليا وهي بتمضي ورق بضحكة
وبعدين الصور اتغيرت.. يافطة على نفس المبنى مكتوب عليها دار الهنا للمسنين.
كاميليا عند البوابة على كرسي متحرك.. تايهة.
ابن كاميليا واقف جنب راجل لابس بدلة فخمة.
لمست وش الراجل ده في الصورة وسألتها مين ده؟
كاميليا شفايفها اتشنجت محسن نصار.. رئيس مجلس الإدارة. ملاك في النهار، وجزار بعد غياب الشمس.
جسمي قشعر هو اللي بيملك المكان ده؟
ضحكت ضحكة من غير صوت بيملك اللي بيسرقه.
طلعت من تحت المرتبة كيس بلاستيك فيه صور ورق.. توكيلات عامة.. عقود تنازل عن أملاك.. موافقات طبية.. وإقرار إن كاميليا الدسوقي فاقدة للأهلية وغير قادرة على إدارة ممتلكاتها.
بصيت لها بذهول بس إنتي مش
قطعت كلامي مش مجنونة؟ لأ.. أنا بس كبرت. وفي البلد دي، ساعات ده بيبقى كفاية.
صوابعي كانت بترتعش فوق الورق ابنك هو اللي مضى على ده؟
قالت بحرقة ابني الكبير.. قالي المحل مبيجبش همّه، وقالي لازم ترتاحي، وقالي لقيتلك مكان أمان. ويوم ما جابني هنا سألته ليه اسمي مكتوب على البوابة القديمة، قالي يا أمي إنتي متهيألك، إنتي بقيتي بتنسي.
لمست دماغها وكملت وبعدها، بدأوا يدوني الحبوب.
حبوب إيه؟
النوع اللي بيخلي الأيام ناعمة، اللي بيخلي الذاكرة تتزحلق، اللي بيخلي الست الغضبانة تبان هادية ومستسلمة.
فخ التوقيعات غرفة الانتظار للموت
فجأة الدندنة في الاستقبال وقفت. كاميليا قفشت في معصم
قلبي بدأ يدق جامد قصده إيه؟
قربت مني وهمست إنتي فاكرة الناس اللي هنا جم عشان الوحدة بس؟ الست تارا كانت تملك شقتين في الزمالك، دلوقتي بقوا باسم ابن أخوها. الأستاذ كمال كان عنده حساب توفير، بصمته فضت الحساب كله. المدرسة اللي كانت معانا كان عندها أرض، ابنها اتبرع بيها للجمعية دي.. الجمعية اللي بيملكها محسن نصار.
الأوضة بدأت تضيق عليا.. افتكرت ورقي، دفتر توفيري، الاستمارات اللي بنتي أماني مضتها وهي مستعجلة، والممرضة وهي بتقول دي إجراءات روتينية يا طنط.
سألتها بدموع ليه مكلمتيش حد؟
قالت بكسرة كلمت.. كلمت ابني، وكلمت الدكتور، وكلمت واحد من الزوار. وتاني يوم زودوا لي الجرعة، نمت 14 ساعة.
افتكرت أطباق الفطار اللي كان فيه ناس بتبص لها ومبتاكلش.. القيلولة اللي كانت بتبان زي موتة صغيرة.. السكان اللي كانوا بيتكلموا بوضوح يوم ويوهوهوا تاني يوم.
أمان.. نظام.. راحة..
لأ.. دي كانت سيطرة.
المواجهة مع الممرضة الحبة المرّة
قمت فجأة وكنت هفقد توازني لازم نبلغ البوليس.
كاميليا هزت دماغها البوليس جه مرة، ومحسن اتبرع بسراير لصندوق الخدمات بتاعهم، شربوا الشاي في المكتب ومشيوا.
طيب ولادي مسكت إيدي أقوى هما عارفين مضوا على إيه؟
فتحت بقي وقفلت.. أماني كانت تعبانة يومها، ورق كتير،
متابعة القراءة