بقالى عشرين سنة، وحمايا اللي عنده 89 سنة بياكل على طبلية بيتي من غير ما يدفع مليم واحد
المحتويات
تكية.
الأوضة سخنت.. وداني كانت بتغلي من الكسوف.
نادية غطت بوقها بإيدها.. وأنا مكنتش قادر أرفع عيني من الورقة.
كنت بقول الكلام ده وأنا فاكره نايم.. طلع سامع.. سامع كل كلمة.
وبعدين جت الجملة اللي قطعت قلبي
ومع ذلك يا ابني، كل ليلة كنت بتديني آكل، وعمرك ما بيتني جعان.. وده اللي معملوش ولادي اللي من صلبي.
علاء وقف بزعيق إيه الهبل ده؟ المحامي ده نصاب!.
المحامي رفع إيده لو سمحت اقعد.
مش هقعد! الراجل ده خرف قبل ما يموت! المحامي صوته بقى حاد الحاج شوقي كان معاه شهادة طبية رسمية وقت توقيع الأوراق دي إنه في كامل قواه العقلية.
كلمة أوراق غيرت ريحة المكان.
مرات مدحت قربت بلهفة أوراق إيه؟.
المحامي فتح الملف البني فيه وصية مسجلة.. وفيه حسابات بنكية.. وفيه عقد تنازل عن عقار من تلات سنين.
علاء وشه جاب ألوان عقار إيه؟.
المحامي بص ليّ أنا.. مش ليهم
بناءً على طلب المرحوم شوقي تهامي، لازم أسأل الأستاذ أيمن سؤال واحد الأول.
ريقي نشف سؤال إيه؟.
فتح الكيس القماش وحط حاجة على الترابيزة.
مفتاح قديم.. مسودّ من الزمن.. ومربوط بخيط أحمر.
نادية شهقت مفتاح صندوق بابا؟.
المحامي قال لأ.. ده مفتاح خزنة في بنك مصر، فرع وسط البلد.
الكل اتجمد.
الحاج شوقي اللي كان بيغسل أكياس الشاي ويستخدمها تاني.. اللي لبس نفس البلوفر 12 شتا.. اللي كان بيعد الفكة قبل ما يشتري دوا الكحة.. عنده خزنة في البنك؟!
علاء صرخ مستحيل!.
المحامي طنشهم وطلع ورقة تانية
الحاج شوقي وصى إن الخزنة دي متتفتحش أبداً قدام أي حد من ولاده البيولوجيين.
كلمة البيولوجيين دي كانت زي الصدمة الكهرباء.
سامح وقف بالراحة يعني إيه الكلام ده؟.
نادية بصت للمحامي.. وبعدين ليّ.. وبعدين للظرف اللي في إيدي.
قلبت الورقة.. لقيت لسه
أيمن يا ابني.. قبل ما يقولوا عليك غريب، اسألهم هما كانوا فين ليلة ما أمهم ماتت؟
اسأل علاء ليه خلاني أمضي على ورق أبيض؟
وبعدين روح افتح الخزنة، عشان جواها الدليل على مين اللي كان شايل العيلة دي بجد طوال عشرين سنة.
الورقة كانت بتترعش في إيدي.
لثواني محدش نطق
علاء الأخ الكبير فاق من الصدمة أول واحد، وحاول يخطف الجواب من إيدي.
سحبت إيدي بسرعة وبصيتله بتحدي. هو برق لي هات الورقة دي يا أيمن!.
عشرين سنة وأنا بتجنب المشاكل مع إخوات نادية، عشان سلامة البيت كانت عندي أهم من كرامتي
بس اليوم ده، والجواب في إيدي بيحرق صوابعي، فيه حاجة جوايا رفضت تتهان تاني.
قلتله بكلمة واحدة لأ.
الأوضة كلها لفت لي، حتى نادية بصت لي باستغراب.
علاء سنانه جزت على بعض أيمن.. متنساش نفسك وتنسى إنت مين هنا.
رديت بصوت واطي وهادي أنا مين؟.
هدوئي ده خلاه هيتجنن، صرخ إنت جوز بنته! مش من دمه!.
بصيت للكرسي الفاضي في الصالة اللي كان الحاج شوقي بيقعد عليه
الدم ده مكنش بيشتري له الدوا يا علاء.
مدحت وقف هو كمان وقال بوقاحة متعملش فيها بطل وشريف دلوقتي، الكل عارف إنك كنت بتشتكي منه ومن وجوده.
قلتله والحقيقة طالعة من قلبي من غير كسوف
أيوه.. اشتكيت، وكنت بغلي، وكنت بقول عليه حمل تقيل في سري، وأوقات كنت بقولها بصوت عالي.. بس الراجل ده أكل في البيت ده، ونام تحت سقفي، ومات في صالتي.. دمكم إنتو بقى كان فين ساعتها؟.
محدش رد.. لأن فيه أسئلة مش محتاجة إجابة، هي معمولة عشان تفضح السكوت.
المحامي رفعت الباشا لم نص الورق وقال لازم نروح البنك حالاً.
علاء ضحك بسخرية نروح مين؟.
المحامي رد الأستاذ أيمن، والست نادية، وأنا.
سامح الصغير صرخ وإحنا؟!.
المحامي بصله من فوق النضارة تعليمات
جوز ريهام برطم وقال دي إهانة!.
هنا نادية اتكلمت أخيراً، وصوتها كان بيرعش
الإهانة هي إنكم سبتوه هنا عشرين سنة وجايين تجروا ورا الخزنة بعد تلات أيام من عزا الأربعين!.
ريهام أختها اتخضت يا نادية متقوليش كدة، إحنا كان عندنا مسؤوليات.
نادية لفت لها بحدة
وإنتي فاكرة إني مكنش عندي؟ فاكرة بابا كان بياكل هواء؟ تعرفي كام ليلة أنا وأيمن اتخانقنا عشان مفيش فلوس؟ تعرفي كام مرة خيطت أكياس المخدات القديمة عشان أعمل لولادي لبس مدرسة؟.
ريهام بدأت تعيط، بس نادية مكنتش ناوية توقف
كنتوا بتتصلوا كل فين وفين وتقولوا يا نادية خلي بالك منه.. ده ثوابه كبير.. الثواب ده كلمة حلوة قوي لما يكون غيرك هو اللي بيدفع الفاتورة!.
بصيت لمراتي بذهول.. طول السنين دي كنت فاكرها بتدافع عن أبوها عشان هي عاطفية وبس، مكنتش أعرف إنها شايلة ساحة حرب جوه صدرها.
المحامي قام وقف البنك بيقفل الساعة أربعة، لو اتحركنا دلوقتي نلحق.
علاء وقف سد قدام الباب محدش هيتحرك من هنا قبل ما أشوف الوصية.
وش المحامي اتغير.. الصبر خلص
يا أستاذ علاء، لو عطلت تنفيذ وصية مسجلة، أنا هطلب البوليس وأنا واقف مكاني هنا.
علاء ابتسم ببرود اطلب.
أول ما المحامي طلع الموبايل، الابتسامة اختفت. مدحت شد أخوه وقال سيبهم يروحوا يا علاء، وبكرة هنشوف هنعمل إيه.
بكرة.. الطماعين دايماً فاكرين إن الزمن ملكهم.
وإحنا خارجين، بصيت بصه أخيرة على أوضة الحاج شوقي.. السرير، الصندوق، الراديو، والطاقية الصوف.
طول عشرين سنة كنت شايف الأوضة دي بالوعة بتسحب فلوسي، دلوقتي بقيت شايفها أوضة لراجل كان قاعد في هدوء وجواها عاصفة شايلها تحت مخدته.
الطريق لوسط البلد كان كأنه حلم.. زحمة
كلامه كان بيرن في ودني عمرك ما بيتني جعان.. وده اللي معملوش ولادي.
كنت عايز أدافع عن نفسي قدام الذنب اللي حاسس بيه.. كنت عايز أقوله يا حاج شوقي أنا كنت تعبان، الفلوس كانت قليلة، مكنتش أعرف!.
بس الميتين مش بيجادلوا.. هما بس بيسيبوا لنا مرايات نشوف فيها نفسنا.
في البنك، المدير كان مستنينا.. مش موظف عادي، ده مدير الفرع بنفسه. راجل وقور بشنب أبيض. لما المحامي عرفه بينا، المدير قام وقف وسلم على نادية باحترام
والدك كان راجل عظيم.. الله يرحمه.
نادية انفجرت في العياط.. مسمعتش حد بره بيتنا بيقول على أبوها غير إنه عجوز، عالة، مريض.
دخلنا أوضة الخزن.. ريحة ورق ومعدن وأسرار.
المحامي فتح القفل بمفتاح الحاج شوقي القديم المربوط بخيط أحمر.
باب الخزنة اتفتح.. تيك.
مفيش دهب.. مفيش رزم فلوس.. مفيش مجوهرات.
جوه كان فيه ملفات قديمة متصنفة بدقة، وكيس قماش صغير.
وعلى الوش ظرف مكتوب عليه لبنتي نادية.
نادية إيدها كانت بتترعش لدرجة إنها معرفتش تفتحه، فتحتهولها أنا.
خط الحاج شوقي تاني
نادية يا بنتي.. متعيطيش كتير. إنتي طول عمرك بتعيطي في السر وتفتكري إني مش شايف.. الأب بيشوف حتى لو نظره ضعف.
أول حاجة في الخزنة دي هي اعتذار. كان لازم أسيب إخواتك من زمان وأجيلك بالحقيقة، مش بالعجز.. بس الكرامة برضه سجن، وأنا قعدت جواه كتير.
الجملة اللي بعدها صدمتنا كلنا
أمك ماتت عشان علاء اتأخر في طلب الدكتور.
نادية طلعت صوت وجع كأن حد ضربها بسكينة. المحامي كان وشه جامد. كملنا قراية
ليلتها كان عندها وجع في صدرها، ترجيت علاء يخرج العربية،
متابعة القراءة