​بقالى عشرين سنة، وحمايا اللي عنده 89 سنة بياكل على طبلية بيتي من غير ما يدفع مليم واحد

لمحة نيوز

بقالى عشرين سنة، وحمايا اللي عنده 89 سنة بياكل على طبلية بيتي من غير ما يدفع مليم واحد. وكنت بيني وبين نفسي بسميه حمل تقيل على قلبي كل يوم. ولما مات، جالي محامي لحد الباب بملف خلى ركبي تسيب ومبقتش قادر أقف على رجلي.
الحاج شوقي تهامي.. ده كان اسمه.
كان عايش في الأوضة اللي ورا جنب المنشر.
سرير حديد قديم.
صندوق خشب مصدي.
وصورة مكسورة لمراته حماتي الله يرحمها.
وكل يوم الصبح، كان يمشي بالراحة لحد المطبخ، يصب الشاي في أحسن كوباية ستانلس عندي، وياكل كأن الرز ده بيطلع لوحده من غير تعب ولا فلوس.
أنا من سنين بطلت أقوله يا حاج.
كنت بقول عليه في سري المصاريف، الهم، الراجل العجوز اللي في الأوضة اللي ورا.
مراتي نادية كانت دايماً تقولي يا أيمن، ده أبويا، ملوش غيرنا.
كنت أبص لعلبة التموين الفاضية وأرد بمرارة هو ليه إحنا، بس إحنا كمان مفيش في إيدينا حاجة.
كانت تعيط.. فأسكت أنا.. والحاج شوقي كان بيعمل نفسه مش سامع.
دي كانت موهبته السكوت.
كان يقعد في الصالة لساعات ب الزنط الصوف بتاعه، وشاله الخفيف، والراديو القديم لزق في ودنه.. يسمع كل حاجة وميردش.
سعر أنبوبة البوتاجاز غلي؟.. سمع.
مصاريف المدرسة اتأخرت؟.. سمع.
خناقاتي مع نادية عشان ولادي نايمين في أوضة واحدة وهو واخد الأوضة التانية؟.. سمع كل ده برضه.
ومع ذلك، كل ليلة يجي المطبخ ويقول بصوت واطي تسلم إيدك يا ابني، كتر خيرك.
كلمة كتر خيرك دي مكنتش بتدفع تمن الفول.. ولا بتدفع وصل الكهرباء.. ولا بتجيب شريط دوا الضغط بتاعه.
عشرين سنة وأنا شغال في ورشة ميكانيكا في شبرا الخيمة.
أرجع البيت والشحم تحت ضوافري، وظهري مكسور، والهم مالي جيبي.
ومعظم الأيام ألاقيه قاعد على الكرسي بتاعي اللي جنب الباب، بيسقسق بقسماط في الشاي، وبيسمع منيرة المهدية

ولا أسمهان في الراديو.
كرسيّ.. بيتي.. فلوسي.. وروقانه هو.
ده كان منظوري للأمور.
بعت الموتوسيكل القديم بتاعي عشان أعمله عملية الميّة البيضاء.
أجلت تصليح سقف البيت اللي بينشع ميه عشان نشتري أدويته.
ابني الصغير ياسين طلب مرة يروح تمرين كورة.. قلتله لأ.
وفي نفس الشهر، الدكتور غير للحاج شوقي نوع البرشام لنوع أغلى.. ياسين مطلبش الكورة تاني.. وأنا فضلت فاكر الموقف ده.. فاكر كل شوال دقيق، كل شريط دوا، كل بطانية شتوي.
وحتى لما كان يجي ضيوف ويسألوني بنبرة شفقة أيمن يا حبيبي، هو حماك لسه قاعد معاك؟.
لسه.. كأنه بقعة مش راضية تطلع من الهدوم.
الحاج شوقي مكنش بيطلب حاجة، وده اللي كان بيعصبني أكتر.
الراجل اللي بيطلب سهل تكرهه.. لكن الراجل الساكت بيخليك تكره نفسك الأول.
أوقات كنت بفقد أعصابي وأقول يا حاج شوقي، لحد إمتى الوضع ده؟ إحنا مش فاتحين تكية!.
نادية كانت تصرخ فيّ أيمن!.
وهو كان بس بينزل عينه في الأرض ويقول جملته الشهيرة
حقك عليّ يا ابني.. هبطل أتعبك قريب.
كنت بكره الجملة دي.. لأنها كانت مليانة حزن.
ولأنها في يوم الصبح.. بقت حقيقة.
لقيناه قاعد على كرسي الصالة.
الراديو لسه شغال.
الشال ملفوف بدقة على كتافه.
والطاقية الصوف على ركبه.
الشمس كانت لسه طالعة ولمست الزرع اللي في البلكونة.
لثانية افتكرته نايم.. لحد ما نادية صرخت.
جريت لمست إيده.. كانت تالجة.
شوقي تهامي ساب البيت بهدوء لدرجة إن الموت نفسه معملش صوت.
الجنازة كانت بسيطة.
عربية تكريم إنسان.. شيخين.. ودخان كتير.. وحزن قليل من ناس كان المفروض يشيلوه على راسهم.
إخوات نادية الباقيين وصلوا متأخر.
تلات رجالة وبنت.. كلهم لبسهم أغلى من لبسنا.. ريحتهم برفيوم وبُعد.
ابنه الكبير علاء قعد يصرخ ويصوت في المدافن.. صراخ خلى الغريب
يلتفت.
ولكن لما جه وقت حساب الراجل بتاع الخشب، فجأة ملقاش محفظته!
طبعاً أنا اللي دفعت.
أخوه التاني مدحت طبطب على كتف نادية وقال يا نادية يا حبيبتي، إنتي عملتي اللي عليكي وخدمتي بطلعة أصل.
وبعدين همس في ودني أهو دلوقتي بقى تقدر تستغل الأوضة اللي ورا دي كويس.
بصيتله وكنت عايز أضربه بالقلم، بس فيه جزء واطي جوايا كان بيفكر في نفس الحاجة من ليلة الوفاة.
بعد اليوم التلاتاشر، البيت اتغير.
الأوضة فضيت.. كوباية الستانلس محدش لمسها.. الراديو سكت.
محدش بيكح قبل الفجر.. مفيش صوت خطوات تقيلة ناحية المطبخ.
لأول مرة من عشرين سنة، محدش طلب ميه دافية الساعة 6 الصبح.
كنت فاكر إني هرتاح.. مرتحتش.
كنت حاسس إني متراقب.. كأن الكرسي الفاضي ليه عيون.
تالت يوم بعد العزا، حد خبط على الباب.
لا جار، ولا قريب، ولا بتاع اللبن.
راجل لابس بدلة شيك وماسك شنطة جلد، ووراه سواق مستني جنب عربية بيضا فخمة.
الأستاذ أيمن شاكر؟
أيوه أنا.
أنا المحامي رفعت الباشا، جاي بخصوص المرحوم شوقي تهامي.
نادية جت من المطبخ وهي بتمسح إيدها في مريلة المطبخ بابا؟.
المحامي سلم بأدب وقال تمام.. هو ساب تعليمات محددة.
أول فكرة جت في دماغي كانت غبية.. تعليمات إيه لراجل ساب وراه جلابيتين وراديو وإزازة دوا كحة فاضية؟
نادية وشها بقى أصفر تعليمات إيه؟.
المحامي بص جوه البيت وقال يا ريت لو كل الورثة المباشرين يكونوا موجودين.
الجملة دي وصلت أسرع من البرق.
ساعة واحدة وكانوا كلهم عندي.
علاء جه الأول، وسلسلة دهب بتلمع على صدره.
مدحت جه هو ومراته، اللي كانت بتبص للبيت بقرف كأن الفقر مرض معدي.
الصغير سامح جه وريحته برفيوم غالي وقلة صبر.
حتى ريهام أختهم جت هي وجوزها وهما بيوشوشوا بعض.
علاء قعد على كنبتي من غير استئذان ها.. إيه الحوار
اللي العجوز عامله لينا ده كمان؟.
نادية بصتله بعيون حمرا ده أبوك يا علاء!.
شوح بإيده خلاص يا ست الشيخة، إحنا عارفين إنك شيلتيه، متذليناش.
ساعتها جزيت على سناني.
عشرين سنة ومحدش فيهم خده شهر واحد.
لا في سخونية، ولا في عملية، ولا لما وقع في الحمام.
ودلوقتي قاعدين في بيتي كأنهم أصحاب ملك.
المحامي فتح شنطته.. طلع ملف بني.. وكيس قماش صغير.. وظرف أصفر.
وعلى الظرف، مكتوب بخط الحاج شوقي المهزوز، اسمي أنا أيمن يا ابني.
مش علاء.. مش مدحت.. مش سامح.
أيمن.
الأوضة سكتت تماماً
علاء قرب بفضول اسمه هو ليه؟.
المحامي رد بهدوء لأن والد حضرتك طلب إن الجواب ده يتسلم للأستاذ أيمن أولاً.
سامح ضحك بسخرية ليه؟ ده جوز أخته بس!.
كلمة بس دي حرقت دمي.
عشرين سنة كنت أنا اللي بآكل وأشرب وأشيل وأودي دكاترة وأولع البوتاجاز عشان شاي الصبح.. ودلوقتي بقيت بس.
المحامي اداني الظرف.. إيدي كانت بتترعش.
نادية لمست كتفي افتحه يا أيمن.
فتحت الجواب بالراحة.. ورقة واحدة.. الخط كان مش مظبوط.. والكلمات مهزوزة.. وفيه بقع حبر كأن إيده وقفت كتير وهو بيكتب.
بدأت أقرأ
أيمن يا ابني.. لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مشيت من غير ما أتعبك كتير في الآخر.
زوري وجعني.. كنت عايز أوقف قرابة.. بس الكل كان بيبص. كملت
أكيد كنت بتزهق مني كتير، وحقك.. الراجل العجوز بياكل ويمرض وياخد مكان ومبيديش حاجة الناس تعرف تعدها.
عيني زغللت.. وعلاء قعد يتحرك في مكانه بضيق.
كملت القراية
بس يا ابني، الراجل مش بيبقى ملوش لازمة لمجرد إن إيده مبقتش تجيب فلوس.. ساعات بيبقى مستني اليوم الصح عشان يتكلم.
بصيت للمحامي.. كان وشُه خالي من التعبيرات.
رجعت للورقة
أنا بقالي عشرين سنة بسمع كل حاجة في بيتك.
سمعت لما بعت الموتوسيكل عشان عيني. سمعت لما ياسين
معرفش يروح التمرين. سمعت نادية وهي بتعيط في الحمام عشان مصاريف المدرسة. سمعت لما قلت إن البيت ده بقى
تم نسخ الرابط