لإرضاء أمي أهنتُ زوجتي، وحبستُها وحدها في غرفةٍ مظلمة حتى الفجر
المحتويات
حفظتُ اسمه وملابسه وأيامه!
كانت تبكي بجنون الآن.
كنتِ تريدين أخذه ببساطة بعد سبع سنوات؟!
أخفضت زينب رأسها قليلًا.
ثم قالت
لم أكن أريد حرمانك منه.
بل كنت سأحرم منه إذا ذهبت الى حامد
ساد الصمت للحظات طويلة.
ثم سألتُ بصوت مرهق
وماذا حدث بعد الرسالة؟
تنفست زينب ببطء.
ثم قالت
كتبتُ له ردًا.
شعرتُ بأن أنفاسي توقفت.
أما أمي فأغمضت عينيها فورًا.
وتابعت زينب
قلت له إنني انتظرته كل هذه السنوات وإنني أريد رؤيته.
ارتجفت شفتاها وهي تكمل
واتفقنا أن يرسل رجلًا يعرفه ليأخذني إليه.
رفعتُ بصري نحو أمي.
كانت تبكي بصمت الآن.
أما زينب فأكملت
في تلك الليلة أخبرتُ أختي بكل شيء.
أغلقتُ عيني للحظة.
كنت أعرف ما سيأتي.
لكن سماعه كان أصعب مما تخيلت.
قالت زينب
في البداية كانت هادئة.
ثم ابتسمت ابتسامة موجوعة.
هادئة بشكل أخافني.
خفضت رأسها.
قالت إنها تفهمني وإنها لن تمنعني من الذهاب.
سكتت لحظة.
ثم رفعت عينيها نحوي ببطء.
لكنها دخلت غرفتي ليلًا.
شعرتُ ببرودة تضرب أطرافي.
وأكملت
كانت تحمل الرسالة الثانية التي أرسلها حامد.
انعقد حاجباي.
رسالة ثانية؟
هزّت رأسها ببطء.
كان يسأل لماذا لم أذهب مع الرجل الذي أرسله ويقول إنه سينتظرني يومًا آخر.
ثم نظرت نحو أمي.
لكنني لم أرَ تلك الرسالة وقتها.
التفتُّ نحو أمي فورًا.
فانهارت باكية.
وقالت بصوت مكسور
كنت خائفة!
صرختُ لأول مرة
ماذا فعلتِ؟!
وضعت يديها فوق وجهها وهي تبكي بعنف.
لكن زينب أجابت بدلًا منها
هي من ردّت عليه.
شعرتُ
ثم أكملت
كتبت له رسالة باسمي.
بدأت أمي تهز رأسها بعنف وهي تبكي.
أما زينب فقالت بصوت مختنق
قالت له لا تبحث عني مرة أخرى لقد انتهى كل شيء وأنا لا أريد رؤية وجهك.
أغمضتُ عيني بعنف.
وشعرتُ بالغثيان.
ثم همست
يا الله
أما زينب فتابعت
وحين جاء الرجل الذي يعمل مع حامد مرة أخرى قالت له إنني سافرت بعيدا وتركت البلدة.
ثم نظرت نحوي بعينين دامعتين.
وبعدها تغيّر كل شيء.
سقط الصمت فوق المكان.
حتى سارة كانت تبكي بصمت.
ثم قالت زينب بصوت خافت
حين اكتشفتُ ما فعلته جننت.
ارتجفت يداها وهي تتذكر.
صرختُ فيها توسلتُ إليها قلتُ لها إنك ابني وإنه زوجي.
ثم ابتسمت بمرارة مؤلمة.
لكنها كانت قد تعلقت بك أكثر مما تعلقتُ أنا.
رفعتُ بصري نحو أمي.
كانت ترتجف بالكامل.
ثم قالت بصوت باكٍ
كنت أخاف أن تتركاني وحدي
لكن زينب أكملت كأنها لم تسمعها
تعاركنا بعنف تلك الليلة.
خفضت عينيها نحو الأرض.
دفعتُها فضربتني بشيءٍ حديدي فوق رأسي.
شهقتُ دون وعي.
أما هي فأشارت إلى جانب رأسها المرتجف.
استيقظتُ هنا.
نظرتُ حولي بصدمة.
إلى الممر.
إلى الجدران الرطبة.
إلى المكان الذي عاشت فيه سنوات عمرها.
ثم همستُ
كل هذه السنوات؟
نزلت دموعها ببطء.
في البداية كانت تغلق الباب
عليّ دائمًا.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة حزينة.
لكن بعد سنوات لم أعد أحاول الهرب.
شعرتُ بأن شيئًا داخلي ينكسر.
أما هي فأكملت
كنت أسمع صوتك فوقي وأنت تكبر.
ارتجف صوتها.
أسمعك تضحك تبكي تلعب وتنادِيها أمي.
ثم أجهشت
وكنت أبقى هنا مثل ميتة.
وضعتُ يدي فوق فمي.
لم أعد قادرًا على التنفس.
أما أمي فاقتربت مني على ركبتيها وهي تبكي
عباس أقسم بالله أحببتك.
نظرتُ إليها ببطء.
فأكملت بانهيار
في البداية كنت أريد حمايتكما فقط لكنني تعلقت بك كنت ابني.
ثم أمسكت طرف ثوبي وهي تبكي
كنت أخاف أن تخسرني.
نزعتُ ثوبي من يدها ببطء.
ثم نظرتُ إليها طويلًا.
امرأة ربتني.
أطعمتني.
سهرت عليّ.
وأخفت عني أمي الحقيقية تحت البيت ثلاثين سنة.
شعرتُ بأن رأسي سينفجر.
ثم تذكرت فجأة سارة.
التفتُّ نحوها بسرعة.
كانت جالسة بصمت، ووجهها شاحب من التعب.
وفجأة رأيت آثار أصابعي الزرقاء فوق ذراعها.
في اللحظة نفسها
شعرتُ بالقرف من نفسي.
يا الله
أنا فعلت بها ما فعلته أمي بزينب.
صدّقتُ الظلم لأنني تربيت داخله.
رفعت سارة عينيها نحوي.
وكانت نظرتها أكثر ما قتلني.
لم تكن خائفة.
بل مكسورة.
كأنها تنظر إلى رجلٍ لم تعد تعرفه.
اقتربتُ منها ببطء.
ثم جلست أمامها على ركبتيّ.
خرج صوتي مخنوقًا
سارة
لكنها أبعدت وجهها.
فشعرتُ بسكينٍ يغرس داخل صدري.
ثم قالت بهدوء متعب
حين حبستني هنا الليلة فهمت كل شيء.
أخفضتُ رأسي.
أما هي فأكملت
الظلم لا يبدأ فجأة يا عباس.
ساد الصمت.
ثم وضعت يدها فوق بطنها وهمست
إن لم توقفه ينتقل من جيلٍ إلى جيل.
ارتجف جسدي بالكامل.
ونظرتُ نحو أمي.
لأول مرة في حياتي
لم أرَ فيها الضحية.
بل رأيت امرأة دمّرت الجميع خوفًا من الوحدة.
ثم التفتُّ نحو زينب.
كانت تبكي بصمتٍ مرهق، وكأنها لم يعد
عندها فقط فهمت الحقيقة كاملة.
هذه الليلة لم تكشف سر أمي فقط
بل كشفت الرجل الذي أصبحتُه أنا أيضًا.
ونهضتُ ببطء.
ثم نظرتُ إلى أمي وقلت بصوت
لم تعرفه مني من قبل
سينتهي هذا الليلة.
اتسعت عيناها بخوف.
أما أنا
فاتجهت نحو الباب الخشبي للممر.
ثم توقفت للحظة.
ونظرتُ خلفي إلى زينب.
إلى أمي.
إلى سارة.
إلى الخراب الذي صنعه الخوف داخل هذا البيت.
ثم قلت بهدوء موجع
غدًا سنغادر انا وزوجتي وأمي الى منزل أخر، وايضا سأبحث عن إبي.
وفي تلك اللحظة تحديدًا
انفجرت أمي بالبكاء كأنها أدركت أخيرًا أنها خسرتني للأبد.
تحركت ببطء، بينما كانت قدماي ترتجفان كأنهما لم تعودا تعرفان حمل جسدي.
كل شيء حولي أصبح مشوشًا.
الجدران.
الوجوه.
الدموع.
حتى صوت أنفاسي بدا بعيدًا وغريبًا.
نظرتُ إلى زينب الجالسة فوق الفراش القديم.
امرأة سُرقت حياتها بالكامل.
ثم نظرتُ إلى أمي
المرأة التي ربتني وأطعمتني وأخفت الحقيقة تحت قدميّ ثلاثين عامًا كاملة.
وأخيرًا نظرتُ إلى سارة.
إلى آثار أصابعي فوق ذراعها.
فشعرتُ بالغثيان.
يا الله
أنا كررتُ الظلم نفسه.
خرجتُ من الممر بخطوات متعثرة.
بينما كانت أمي تبكي خلفي بانهيارٍ لم أعهده منها يومًا.
لكنني لم أستطع الالتفات.
كنت أشعر أن رأسي سينفجر من كثرة ما سمعته.
وصلتُ إلى الصالة.
ثم جلست فوق الكرسي الخشبي القريب من الباب.
وضعتُ يدي فوق وجهي.
وحاولتُ أن أتنفس.
لكن الهواء كان ثقيلًا بشكل مؤلم.
كل شيء كذبة.
طفولتي.
ذكرياتي.
حتى كلمة
أغمضتُ عيني للحظة.
فسمعتُ صوت زينب داخل رأسي
وفي كل مرة كنت تناديني فيها خالتي كان قلبي يُذبح.
شعرتُ بشيء ينكسر داخلي تمامًا.
وفجأة
دوّى طرقٌ قوي على باب البيت.
رفعتُ رأسي ببطء.
الطرق
متابعة القراءة