لإرضاء أمي أهنتُ زوجتي، وحبستُها وحدها في غرفةٍ مظلمة حتى الفجر
المحتويات
داخل رأسي.
ذكرى بعيدة جدًا ضبابية.
امرأة تحملني
فوق ساقها رائحة ياسمين.
وصوتٌ يهمس قرب أذني
نم يا حبيبي ماما هنا.
وضعت يدي فوق رأسي بعنف.
لا لا يمكن.
رفعت بصري نحو أمي الواقفة قرب باب الممر.
كانت تبكي وهي تهز رأسها بجنون.
إنها مريضة يا عباس أقسم بالله مريضة.
لكن المرأة قاطعتها بصوت مكسور
لو كنتُ مجنونة فلماذا أخفتِني عنه كل هذه السنين؟
ساد صمت ثقيل.
حتى صوت أنفاسي صار مؤلمًا.
ثم نظرتُ إليها بصدمة وهمست
لكن أمي قالت إنكِ متِّ.
بكت فورًا.
وكأن الجملة مزّقت شيئًا داخلها.
ثم قالت بصوت متعب
كان يجب أن أموت فعلًا ربما كان ذلك أرحم.
شعرتُ بأن الأرض تميد تحت قدمي.
كنت أنظر إليها كأنني أراها لأول مرة.
رغم أنني أعرفها منذ طفولتي.
خالتي زينب.
المرأة التي كانت تزورنا أحيانًا قديمًا.
التي كانت تبكي كلما مرضتُ.
والتي اختفت فجأة حين كنت صغيرًا.
وحين سألت عنها
قالت أمي إنها ماتت.
أتذكر يومها جيدًا.
كنت أبكي وأسأل أين ذهبت خالتي.
فشدّتني أمي إلى صدرها وقالت
خالتك عند ربنا الآن يا عباس ادعُ لها.
ثم لم تُذكر بعدها أبدًا.
لا صورة.
لا حديث.
لا شيء.
كأنها مُسحت من البيت ومن الذاكرة معًا.
لكنها كانت هنا.
طوال هذا الوقت هنا تحت البيت.
شعرتُ بالغثيان فجأة.
فسندتُ يدي إلى الحائط البارد.
ثم التفتُّ نحو أمي وقلت بصوت مرتجف
كيف؟
بكت وهي تتراجع للخلف.
كنت أفعل ما يحميك.
صرختُ لأول مرة
من ماذا؟
لكن زينب أجابت قبلها.
من الحقيقة.
ثم خفضت رأسها قليلًا وقالت
بصوت متعب
اجلس يا عباس لأن ما ستسمعه الليلة سيهدم كل شيء تعرفه عن نفسك.
لم أعرف لماذا جلست فعلًا.
ربما لأن قدميّ لم تعودا تحملانني.
جلست فوق صندوق خشبي قديم بينما كان قلبي يضرب بعنف داخل صدري.
أما سارة فكانت تراقبني بصمتٍ حزين.
ثم قالت بهدوء
حين حبستني هنا الليلة اكتشفت هذا المكان بالصدفة.
أغلقتُ عيني للحظة من شدة الخزي.
حتى الآن لم أستطع النظر مباشرة إلى أثر أصابعي فوق ذراعها.
لكنها أكملت
كنت أبحث عن أي شيء أفتح به الباب فسقط أحد الصناديق، واكتشفت الممر.
ثم نظرت نحو زينب.
وهنا رأيتها.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة.
وسألتُ زينب
كيف أصبحتِ أمي؟
ارتجفت شفتاها قليلًا.
ثم قالت
لأنني أنجبتك.
شعرتُ بأن رأسي يدور مجددًا.
لكنها تابعت قبل أن أتكلم
قبل أكثر من ثلاثين سنة أحببت رجلًا اسمه حامد.
خفضت أمي رأسها فور سماع الاسم.
أما زينب فتابعت بصوت هادئ متعب
كان فقيرًا لكنه أحبني بصدق.
ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.
كان يخجل من فقره كثيرًا، وكان يقول دائمًا إنه لا يريد أن يأخذني إلى حياةٍ كلها ذل وعوز.
أغمضت عينيها للحظة.
لهذا تزوجنا عرفيًا في البداية.
ثم نظرت إليّ مباشرة.
قال إنه سيسافر فترة قصيرة فقط يعمل ويجمع مالًا، ثم يعود ليأخذني ونعيش معًا بشكل محترم أمام الناس.
ابتلعتُ ريقي بصعوبة بينما كانت تكمل
كان يحلم ببيت صغير وغرفة
ارتجف صوتها قليلًا.
لكن بعد سفره بأشهر اختفى.
ساد الصمت.
ثم قالت
لم تصلني منه رسالة واحدة.
أخفضت رأسها.
وانقطعت أخباره تمامًا.
ثم رفعت عينيها نحوي ببطء.
وبعدها اكتشفت أنني حامل.
شعرتُ بأن أنفاسي أصبحت أثقل.
أما أمي فمسحت دموعها بعصبية وهي تتمتم
لم يكن أمامنا حل.
لكن زينب نظرت إليها مباشرة وقالت
كان أمامنا ألف حل إلا الذي فعلتِه بي.
ثم أكملت بصوت متعب
كنت خائفة يا عباس خائفة من الناس من كلامهم
وأشارت بيد مرتجفة نحو أمي.
وكانت أختي لا تنجب وزوجها مات قبلها بفترة قصيرة.
أغمضتُ عيني للحظة.
وبدأت القطع تتجمع داخل رأسي ببطء مرعب.
قالت زينب
هي من اقترحت الأمر.
رفعت بصري نحو أمي.
فهمست وهي تبكي
كنت أحاول حمايتكما.
لكن زينب أكملت
قالت إننا سنخبر الناس أن الطفل ابن زوجها الراحل وأنها كانت حاملًا قبل موته.
ثم نظرت إليّ بعينين غارقتين بالوجع.
وذلك الطفل كان أنت.
وضعتُ يدي فوق وجهي بالكامل.
شعرتُ بأنني أختنق.
طفولتي كلها بدأت تبدو مزيفة فجأة.
حتى اسمي لم أعد أعرف لمن ينتمي.
همستُ بصعوبة
ولماذا وافقتِ؟
أغمضت زينب عينيها طويلًا.
ثم قالت
لأنني كنت ضعيفة.
نزلت دموعها ببطء وهي تكمل
كنت أظن أن الأمر مؤقت فقط حتى يعود حامد.
ثم ابتسمت ابتسامة مكسورة.
كنت أقول لنفسي إنه سيعود قريبًا وسيأخذني أنا وأنت.
تنهدت بتعب.
لكن السنوات مرت.
ثم نظرت نحوي مباشرة.
وأنت بدأت تناديها
شعرتُ بشيء حاد يمزق صدري.
أما هي فأكملت بصوت مرتعش
وفي كل مرة كنت تناديني فيها خالتي كنت أشعر أن قلبي يُذبح.
ساد الصمت للحظات طويلة.
ثم مسحت دموعها فجأة وقالت
وبعد سبع سنوات وصلت رسالة.
رفعتُ رأسي ببطء.
أما أمي فتوتر وجهها فورًا.
تابعت زينب
كانت من حامد.
شعرتُ
بأن المكان يضيق حولي أكثر.
ثم أكملت
كتب لي أنه لم يهرب مني وأنه تعرض لحادث بعد سفره، ثم دخل السجن ظلمًا في قضية لم يفعلها.
ارتجفت شفتاها وهي تحاول ألا تبكي.
وقال إنه ظل سنوات يحاول النجاة وأنه أول ما خرج، وعرف يجمع بعض المال ويستأجر مكانًا صغيرًا بحث عني فورًا.
أخفضت زينب عينيها نحو الأرض، بينما كانت أصابعها ترتجف فوق طرف عباءتها.
ثم قالت بصوت متعب
وقال إنه يريد أن نبدأ من جديد.
ساد الصمت داخل الممر.
لكنني رأيت وجه أمي يتغير فجأة.
ذلك الخوف القديم عاد إلى عينيها من جديد.
أما زينب فأكملت وهي تحاول حبس دموعها
كتب لي أنه استأجر غرفة صغيرة، وأنه يريد أن يأخذني أنا وأنت ونبدأ حياة جديدة بعيدًا عن كل شيء.
شعرتُ بأن صدري يضيق أكثر.
ثم سألتها بصوت خافت
وماذا فعلتِ؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة مكسورة.
بكيت طوال الليل.
ثم رفعت عينيها نحوي.
كنت أظن أن الله أعاد روحي إليّ.
أما أمي فصرخت فجأة
لأنه كان سيأخذك مني!
التفتُّ إليها ببطء.
كانت تبكي بانهيارٍ حقيقي لأول مرة.
ثم قالت وهي تشير نحو زينب
هي لا تفهم! كنتُ أحبك يا عباس!
لكن زينب ردّت بصوت موجوع
لأنه ابني.
ارتجف وجه أمي بالكامل.
ثم قالت بعصبية
وأنا من ربّاه! أنا من سهر عليه حين مرض! أنا من حمله إلى الأطباء! أنا من
متابعة القراءة