"في اللحظة اللي كانت حماتي فيها بين الحياة والموت وبتطلع أنفاسها الأخيرة، بدل ما تطلب مني أسامحها.. مسكت إيدي وقالتلي سر خلى الدم يتجمد في عروقي
قالت المحامية بحزم سارة، لا تخبري أحداً أنها استيقظت. سأقوم بإبلاغ النيابة وإعادة فتح تحقيق الحادث الليلة. ليلى هانم أخبرتني قبل الحادث بساعة إذا أصابني مكروه، فأبنائي هم السبب.
أغلقتُ الهاتف وأنا أنظر من النافذة إلى المطر، وأدركتُ أنني لست مجرد ممرضة أو زوجة، أنا الآن الشاهد الوحيد الذي سيقلب طاولة المنشاوي فوق رؤوس الجميع.
كان صوت المحامية دينا حازماً عبر الهاتف. سأرسل لكِ العقيد لبيب من مباحث الأموال العامة، سيصل إلى القصر قريباً. هل يمكنكِ حماية ليلى هانم حتى وصولهم؟
نظرتُ عبر ممر القصر الطويل المؤدي لغرفة حماتي. وضعت سكيناً صغيراً في جيب سترة الكارديجان التي أرتديها.. لم يكن لدي خطة لاستخدامه، ولكن عندما تكتشفين أنكِ وحيدة في قصر مع ثلاثة رجال حاولوا القتل من قبل، يصبح حتى الرمز عملياً.
اشتد المطر في المساء، وتحولت حديقة القصر إلى مرآة سوداء تعكس القلق الذي ينهش صدري. في تمام الساعة السابعة، أرسل طارق رسالة
سأتأخر قليلاً.. منير سيحضر لكِ طعاماً معه. كيف حال أمي؟
أجبتُ ببرود لا جديد.
في الثامنة
سارة.. لماذا لم تردي على الهاتف؟ سأل منير بابتسامة باهتة لا تصل لعينيه.
كنت مع ليلى هانم.
ضحك ياسين ضحكة عصبية عالية الكل يقول نفس الجملة!
حاولتُ منعهم من الدخول لغرفتها، لكن منير دفع الباب برفق وهو يقول نحن أبناؤها يا سارة.. وأنتِ تبدين متوترة جداً، هل قالت لكِ أمي شيئاً قبل الحادث؟
في تلك اللحظة، دخل طارق من الباب الرئيسي، قرأ الجو المشحون في ثانية واحدة، واقترب مني ومسح على وجنتي بحركة كانت تشعرني بالأمان يوماً، والآن أشعر وكأنها علامة صيد.
كلي يا سارة.. يجب أن تأكلي. قالها طارق بنبرة تأمرني بالبقاء تحت السيطرة.
على مائدة العشاء، كان الصمت أشد من صوت الرعد بالخارج. ياسين يفرك يده، منير يأكل ببرود، وطارق يراقبني مع كل رنة لهاتفى.
فجأة، وصلتني رسالة من العقيد لبيب نحن في الخارج.. لا تصعدي الموقف إلا للضرورة.
تغير وجهي، وطارق لاحظ ذلك فوراً.
أعطني الهاتف يا سارة.
لماذا؟
لأنني أطلب ذلك.. ولأن تصرفاتكِ مريبة منذ الصباح.
تراجعتُ للخلف وقلت بصرخة هزت أركان المطبخ لقد تحدثتُ مع والدتكم!
تسمر الجميع في أماكنهم. شحب وجه ياسين، وتصلبت ملامح منير.
تابعتُ بحدّة لقد استيقظت، وأخبرتني بكل شيء.. عن الفرامل، عن الأموال، وعن حديثكم في المستشفى!
اندفع منير نحو الغرفة، نحو ليلى هانم. صرختُ لا! وركضت خلفه.
عندما وصلنا للغرفة، كان منير يمد يده نحو أنابيب الأكسجين بوجه مشوه بالغل.
يا ابن...
قاطعه صوت كسر الزجاج.. صوت ليلى هانم!
كانت عيناها مفتوحتين على وسعهما، تشعان بالكراهية حاولتم قتلي.. سمعتُ كل كلمة في المستشفى. سمعتكم وأنتم تتقاسمون ميراثي وأنا حية!
النهاية
دخل طارق الغرفة أخيراً، يلهث والمطر على كتفيه. نظر إلى أمه، وأدرك أن اللعبة انتهت. لم يبدُ نادماً، بل كان غاضباً.
لم يكن من الضروري أن يصل الأمر لهذا الحد، قال طارق ببرود.
ردت ليلى بضحكة مريرة هذا ما يقوله القاتل عندما تفشل ضحيته في الموت!
في تلك اللحظة، تحطمت الأبواب للغرفة ودخل رجال الشرطة.
ياسين سقط على ركبتيه باكياً لم ألمس السيارة! لم أفعل شيئاً!
أما منير فظل صامتاً يحاول التفكير في ثغرة قانونية.
بينما طارق.. نظر إليّ نظرة لن أنساها أبداً. لم تكن نظرة حب، بل نظرة رجل اكتشف أن أداة زينته التي هي أنا أصبحت مسماراً في نعشه.
بعد ستة أشهر
انتهت القضية بأحكام قاسية. منير حصل على 24 سنة بتهمة التدبير والشروع في القتل والتزوير. طارق 22 سنة، وياسين 11 سنة بعد تعاون بسيط مع الشرطة.
أما أنا، فقد حصلتُ على حريتي قبل محاكمتهم ب أيام.
جلستُ مع ليلى هانم في مطعم يطل على النيل، كانت أقوى الآن وتستخدم عكازاً أنيقاً. وضعت مظروفاً أمامي وقالت هذا شيك.. لا ترفضيه، هو ليس شفقة، بل ثمن شجاعتكِ.
قلتُ لها بهدوء لم أفعل ذلك من أجل المال.
أجابت بنبرة ليلى هانم المعتادة أعرف، لهذا السبب أعطيكِ إياه.
نظرتُ إلى الشمس المنعكسة على النيل، وتذكرتُ تلك اللحظة المرعبة في القصر. لم تكن اللحظة المخيفة هي الاعتقالات، بل كانت تلك الثانية التي فتحت فيها ليلى عينيها، وكان عليّ أن أختار هل أصدق الحقيقة المؤلمة، أم أعيش في الكذبة
أنا ممتنة لأنني اخترتُ الحقيقة.