"في اللحظة اللي كانت حماتي فيها بين الحياة والموت وبتطلع أنفاسها الأخيرة، بدل ما تطلب مني أسامحها.. مسكت إيدي وقالتلي سر خلى الدم يتجمد في عروقي

لمحة نيوز

في اللحظة اللي كانت حماتي فيها بين الحياة والموت وبتطلع أنفاسها الأخيرة، بدل ما تطلب مني أسامحها.. مسكت إيدي وقالتلي سر خلى الدم يتجمد في عروقي
همس الغدر
اليوم الذي أعاد فيه زوجي وأشقاؤه والدتهم من المستشفى، كانت رائحة البيت مزيجاً غريباً من الزهور، والمنظفات، والمال.
رائحة المال في هذا القصر كانت تفوح من الرخام الأسود اللامع، ومن المصعد الصامت خلف السلم الكبير، ومن لوحات الأجداد من عائلة المنشاوي التي تراقبنا ببرود. كانت ليلى هانم المنشاوي، حماتي، ترقد في سرير طبي أمام نافذة تطل على الحديقة الخلفية. وجهها شاحب، وشعرها الفضي منسق بعناية، وحولها أجهزة التنفس والتغذية... كل ما يحول القصر إلى مستشفى خاص، أو بالأصح، إلى سجن انفرادي.
هنا ستكون أرتاح يا سارة، قالها زوجي طارق للمرة السادسة في ذلك اليوم.
أما شقيقه الأكبر منير، فكان يقف ببدلته الرسمية وهاتفه في يده كأنه سلاح، وقال الأطباء قالوا لا يوجد ما يمكن فعله في المستشفى حالياً.
بينما كان شقيقهما الأصغر ياسين يتحرك بتوتر، وعيناه مجهدتان وكأنه لم ينم منذ

أيام.
كنت أقف بجانب عربة الأدوية وأستمع إليهم وهم يشرحون لي حالة والدتهم، وكأنني لم أكن أنا من سهرت بجانبها أربع ليالٍ متواصلة في الرعاية المركزة، وكأن عملي كمرضة قبل زواجي من طارق جعلني مجرد خادمة طبية للعائلة في نظرهم.
وضع طارق يده على كتفي بلمسته الرسمية أمام الناس وقال سارة هي أفضل من يهتم بماما، أمي كانت تثق بها دائماً.
كادت الضحكة تهرب مني.. ليلى هانم لم تكن تثق بأحد، وفي أول لقاء لنا قالت لي ببرود البنات الجميلات يتزوجن من أجل السحر، والذكيات يسألن من أين أتى المال؟
انصرف الإخوة الثلاثة لمتابعة أعمال الشركة، وهدأ القصر تماماً. لم يعد هناك إلا صوت جهاز الأكسجين وتكات ساعة المكتبة. انحنيت لأفحص الأدوية، وفجأة... انطبقت أصابع ليلى هانم حول معصمي!
لم تكن قبضة قوية، لكنها كانت كافية لتجميد الدم في عروقي. نظرت إليها بصدمة.. كانت عيناها مفتوحتين! ليست مفتوحة بالكامل، بل كشقوق يملؤها الذعر والوضوح.
ليلى هانم؟ همستُ بصوت مرتجف.
تحركت شفتاها بصعوبة، وخرج صوتها كأنه يُجر على زجاج مكسور لا تتصلي بهم... أغلقي
الباب.
تحركتُ بسرعة، أغلقت قفل الغرفة وعدت إليها وقلبي يكاد يتوقف. ليلى، هل تسمعينني؟
شدت على يدي بحدة مفاجئة وقالت لا تثقي بهم... أبنائي... هم من فعلوا هذا بي.
سقطت الكلمات عليّ كالصاعقة. طارق؟ زوجي الذي كان يغمرني بالهدايا والاهتمام؟ منير الرزين؟ وياسين المستهتر؟
قالت ليلى بجهد جهيد المكتب... الدرج السفلي... مفتاح ملصق بالأسفل... المجلد الأزرق. إذا علموا أنني استيقظت، سيجهزون عليّ.
ثم أغمضت عينيها وعادت لجمودها.
تسللتُ إلى مكتبها، وبحثتُ حتى وجدت المفتاح. في الدرج، وجدت ملفاً أزرق و فلاشة سوداء. الملف كان يحتوي على مسودة لتعديل الميراث، كانت ليلى هانم تنوي سحب صلاحيات الإدارة من أبنائها الثلاثة بسبب اختلاسات بملايين الجنيهات، وتزوير توقيعات، وديون قمار تخص ياسين تم تغطيتها من أموال الشركة.
والأدهى من ذلك، وجدتُ تقريراً من ميكانيكي خاص يقول إن فرامل سيارتها ليلة الحادث كانت مقطوعة بفعل فاعل، وليس نتيجة استهلاك طبيعي!
بينما كنت أعيد الملف لمكانه، سمعت صوت سيارة. إنه طارق.
دخل المكتب وعلى وجهه ابتسامة
هادئة، لكن عينيه كانت تبحث في الغرفة. سارة؟ ماذا تفعلين هنا؟
قلت بتمثيل متقن كنت أبحث عن بطاريات لجهاز الضغط.
نظر إليّ طويلاً، ثم قال ببرود غريب لم تجدي أي شيء... غريب؟ أوراق مبعثرة؟ ماما كانت مضطربة مؤخراً ومصابة بالبارانويا.
في تلك اللحظة، تأكدتُ من كلمات ليلى هانم. طارق ليس الزوج المحب، بل هو المخرج لكل هذه التمثيلية.
فتحتُ الفلاشة سراً، ووجدت تسجيلاً صوتياً من داخل غرفة العناية المركزة، سجلته ليلى بهاتفها الذي كان مخفياً بجانبها.
صوت طارق كان واضحاً وهو يهمس لإخوته المهدئات ستبقيها غائبة.. بمجرد توقيع التوكيلات، سنسيطر على كل شيء.
ورد ياسين باكياً لم يكن من المفترض أن تنجو من الحادث.
قاطعه منير بحزم اصمت! لا تقل هذا هنا.
نهاية الحكاية.. أو بدايتها
عدتُ إلى ليلى هانم، كانت مستيقظة وتنتظرني.
سألتني بنظرة ثاقبة هل ما زلتِ تحبينه؟
أجبتُ بمرارة لا.. ليس بعد الآن.
قالت وهي تحاول الابتسام إذاً، لنصمد هذه الليلة... وغداً سأدمرهم كما بنوا عروشهم على الغدر.
اتصلتُ بالمحامية الخاصة بها من المطبخ، حيث لا توجد
كاميرات مراقبة. أخبرتها بكل شيء.

تم نسخ الرابط