صمت الأب.. والحقيقة المدفونة
بتلف بيا. صوت أبويا اتكسر وهو بيكمل
أنا أسف.. أنا أسف يا ابني. مخدتش بالي إلا لما الفأس وقعت في الراس، ووقتها.. أنت كنت خلاص ورا القضبان.
مسح وشه بكف إيده وكمل
حاولت أصلح اللي حصل في السر. جمعت كل الورق، وخبيته. نقلت كل اللي قدرت عليه عشان أحميه. مورتهمش إني عرفت الحقيقة، لأني كنت بموت يا يحيى.. ولو كنت فتحت حرب في بيتي، كنت هموت لوحدي وسط ناس بتكرهني.
أخد نفس طويل وعينه ثبتت على الكاميرا
سيبتلك الحقيقة.. وسيبتلك الاختيار. بس خلي بالك، لو رحت لليلى من غير ما تأمن الأدلة دي، مش بس هتخسر حقك، أنت ممكن تخسر حياتك.
الفيديو خلص.. والشاشة اسودت.
وعرفت وقتها إن أبويا مكنش مريض بالشك، هو كان بيحضرني للي جاي، بيحضرني للي هيعملوه فيا لو رجعت.
قضيت ساعات في المخزن ده، قاعد على الأرض بفتح كراتين كأني بفتح جروح قديمة.
لقيت سجلات الشغل نظيفة ومنظمة بتكشف إزاي الفلوس كانت بتخرج من الحسابات بطرق غريبة.
لقيت عقود أملاك عليها إمضاءات تشبه إمضاء أبويا.. بس مش إمضاءه.
لقيت تقارير طبية بتثبت إن أبويا كان تحت تأثير أدوية تقيلة في الأيام اللي اتعملت فيها التوكيلات دي.
وفي الآخر، لقيت ملف واحد مكتوب عليه الاعتراف.
جواه ورقة مكتوبة بخط إيد مهزوز، وفي آخرها توقيع تامر.. ابن ليلى الكبير.
تامر اعترف بكل حاجة، اعترف إنه هو اللي لبسني القضية، وهو اللي زور الورق، عشان ميقدرش يسيب الشركة تضيع منه وكان محتاج كبش فدا.
إيدي اتشنجت من الغضب. مكنتش بس غضبان، كنت حاسس بفراغ.. كأن سنيني اللي ضاعت كانت مجرد قربان قدموه عشان يعيشوا هما في راحة
الناس بتحب قصص الانتقام، إن المظلوم يروح يكسر البيت على دماغ اللي ظلموه.. بس في الحقيقة، ده بيوديك ورا الشمس. أبويا كان عارف ده كويس، وعشان كده أنا مروحتش لليلى.
رحت ل الأستاذة مريم.. محامية شاطرة وعينيها بتقول إنها شافت ظلم كتير وما بتهداش إلا لما تجيب الحق. قعدت معاها وحكيتلها كل حاجة ووريتها الفلاشة. مريم بصتلي بهدوء وقالت
يحيى.. ده مش مجرد غلط، دي عصابة.
قلت لها هنقدر نصلح ده؟
قالت هنحاول، بس استعد.. لأنهم هيحاربوا بكل قوتهم.
هزيت راسي أنا بحارب من يوم ما اتقفل عليا باب السجن، والمرة دي بحارب ومعايا الحقيقة.
البيت اللي مكنش بيتهم
خلال أسبوعين، بدأت المحاضر والطلبات الرسمية تطلع. والباب اللي ليلى قفلته في وشي، مكنش النهاية.. ده كان البداية.
المحكمة جمدت كل أملاك وحسابات شركة أبويا، وطلعت أمر بوضع حراسة على البيت.
ليلى كلمتني لأول مرة. صوتها كان ناعم بطريقة تقرف
يحيى يا حبيبي.. إيه اللي بتعمله ده؟ ليه المحاميين بيكلموني؟
رديت ببرود ده بيت أبويا.
سكتت لحظة وصوتها بقى حاد أنت مالكش حق..
قطعت كلامها ليا كل الحق، وأنتِ عارفة ليه.
حاولت تلعب على العاطفة وبدأت تعيط أنا خسرت أبوك، إزاي تعمل فيا كده؟
رديت عليها وصوتي هادي أنا كمان خسرته.. الفرق إنك كنتِ واقفة جنبه وهو بيموت
وسط التحقيقات، مريم المحامية كلمتني وقالتلي فيه حاجة تانية لقيتها.
طلعت ورقة بخصوص وصية أبويا في الدفن. أبويا مكنش عايز يندفن في المدافن اللي ليلى قالت عليها. هو كان طالب يندفن في أرض خاصة ملك لصديق قديم للعيلة بره البلد.. مكان هادي، من غير زفة ولا نفاق، ومن غير ما ليلى تقدر تستغل موته عشان تلم تبرعات أو تمثل دور الأرملة المكلومة.
عم حامد كان هو الشاهد الوحيد. أبويا كان عارف ليلى كويس، بس اتأخر في إنه يعترف لنفسه بالحقيقة دي.
بعد سنة من خروجي، القضية وصلت للنهاية. تامر ابن ليلى انهار تحت الضغط والتحقيقات والورق اللي أبويا سابه. حاول يقول إنه كان مجبر، وحاول يقول إنه مش فاكر، بس الورق مبيكدبش.
ليلى كانت قاعدة في المحكمة وشها أصفر وإيديها بتترعش. وفيديو أبويا وهو بيموت وبينطق بالحقيقة كان الصدمة اللي م حدش قدر يداريها. القاضي أمر بإعادة محاكمتي في القضية القديمة بناءً على الأدلة الجديدة.
واليوم اللي اسمي فيه نضف رسمياً، مريم كلمتني وقالت خلاص يا يحيى.. أنت حر بجد.
محتفلتش.. قعدت على طرف السرير وبصيت لإيدي.. مكنتش عارف إحساس إنك تعيش من غير رقم على اسمك عامل إزاي.
رحت زرت أبويا في مكانه الهادي تحت شجرة السرو. مكنش فيه رخام ولا زينة، كان فيه بس هدوء يطمن.
ركعت وحطيت إيدي على الأرض وقلت بصوت واطي
أنا أسف إني مكنتش جنبك.
الهواء حرك الشجر كأن فيه حد بيطبطب
لقيت اللي سيبته يا بابا.. لقيت الحقيقة.
قلتله وأنا مخنوق بالدموع كنت أتمنى تثق فيا من بدري.. بس أنا فاهم ليه عملت كده. مش هضيع الفرصة دي، مش هضيع حقك.
النهاية اللي عملته باللي سرقوه مني
مرجعتش عشت في البيت ده تاني. مع إني قانوناً كان ممكن أطرد ليلى وأغير القفل وأقعد فيه، بس البيت ده مكنش بيت.. كان متحف للوجع.
بعت البيت.. مش انتقاماً، بس عشان أرتاح من ذكرياته.
بالفلوس اللي رجعتلي، فتحت شركة أبويا للمقاولات تاني بس باسم جديد يحيى ووالده للتعمير.
مش عشان أمسح الماضي، بس عشان أبني فوقه حاجة نظيفة.
وعملت حاجة تانية أبويا طلبها في رسالته.. عملت صندوق صغير لمساعدة الناس اللي دخلوا السجن ظلم ومحتاجين يبدأوا حياتهم من جديد.
اتعلمت إن فيه ناس مش بس بتسرق فلوسك.. دي بتسرق سنينك، وعلاقاتك، وثقتك في الدنيا. والطريقة
الوحيدة عشان تكسب، مش إنك تتفرج عليهم وهما بيقعوا.. الطريقة الوحيدة إنك تعلى وتنجح من غير ما تبقى شبههم.
ساعات لسه بفتكر وش ليلى وهي بتقفل الباب وبتحرق دمي.. وساعات بحس بوجع الليالي اللي قضيتها لوحدي وأبويا مش جنبي. بس لما بروح أزوره تحت الشجرة، مبحسش إني ضحية.
بحس إني ابن قدر أخيراً يسمع اللي أبوه معرفش يقوله إلا وهو بيموت أنا منسيتكش.
ودلوقتي، الحقيقة مش مدفونة في مقبرة.. الحقيقة صاحية، في كل مرة بصحى فيها حر، وفي كل مرة بمضي فيها اسمي من غير كسوف، وفي كل مرة ببني فيها حاجة بجد
ده هو الإرث الحقيقي اللي مفيش حد يقدر يسرقه.