صمت الأب.. والحقيقة المدفونة

لمحة نيوز

الظرف بإيد بتترعش، وقعت منه ورقة مطوية، وكارت بلاستيك صغير ملزوق عليه مفتاح معدن. على الكارت، وبخط إيد ميتوهش الخط اللي كان بيلصقه على كل علبة عدة في الورشة كانت مكتوبة 3 كلمات
مخزن الغرب وحدة 108.
صدري ضاق من الوجع، وبعدين شفت التاريخ اللي على الرسالة.. كانت مكتوبة قبل خروجي ب شهور. أبويا كتبها وهو عارف إني هخرج قريب، وكتبها وهو عارف إنه مش هيكون حي عشان يشرحلي.
عيني زغللت، عم حامد حمحم وقال اقرأها في حتة هادية، هو مكنش عايز.. جمهور.
مقدرتش أنطق، هزيت راسي بس، لأني لو فتحت بوقي كنت هنهار قدام الشجر ده. مشيت لحد كنبة في آخر المقابر، وقعدت كأن عضمي فجأة مبقاش شايلني. فتحت الورقة.
الرسالة التي غيرت كل شيء
بدأت باسمي.. مش ابني العزيز، ولا إلى من يهمه الأمر.. كانت مجرد
يحيى
دي كانت طريقة أبويا لما يكون فيه موضوع حياة أو موت.
يا يحيى، لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا مت. أنا أسف إنك عرفت بالطريقة دي، مكنتش عايز أول يوم ليك في الحرية يكون سجن تاني. أنا كنت تعبان بقالي فترة طويلة، تعب مفيش منه قومة. مخبيتش عليك عشان أضعفك، خبيت عشان كان لازم تفضل متمسك بالأمل، كان لازم تصدق إن فيه حياة مستنياك بره.
زوري وجعني، وكملت قراءة
ليلى هتقولك إني
اندفنت، وهتقولها كأنها بتقفل باب وراك. سيبها تقول. أنا مش في المقابر لأني مكنتش عايزها تتحكم في اللي هيحصل بعد ما أمشي. هي عندها قدرة غريبة إنها تعيد كتابة القصص يا يحيى، وأنت عارف ده كويس.
بلعت ريقي بصعوبة، والسطور اللي جاية خبطتني في قلبي
أنا مجيتش زرتك، وعارف إن الوجع ده هيفضل كاتم على نفسك زي الحجر. بس لازم تسمع دي مكنش لأني بطلت أحبك. أنا كنت خايف.. كنت مكسوف.. وكنت متراقب في بيتي.
متراقب؟ جسمي قشعر.
فيه حاجات أنت متعرفهاش عن السبب اللي دخلك السجن. حاجات أنا نفسي مفهمتهاش إلا متأخر. حاولت أصلحها في السكت عشان مكنش عندي صحة للحرب، وعشان كنت خايف أخسر الشوية اللي فاضلين لي من سلام نفسي.
وبعدين السطر اللي خلاني أقطع النفس
كل اللي محتاجه الحقيقة، الورق، الدليل موجود في الوحدة 108. روح هناك الأول. إياك تواجه ليلى قبل ما تروح. إياك تحذر أي حد. لو عملت كده، الدليل هيختفي.
فضلت باصص للكلمات لحد ما غابت عن عيني. أبويا كان بيخطط لحاجة، حاجة كبيرة لدرجة إنه مكنش واثق في مراته، وحاجة واصلة لدرجة إنه مؤمن إن حياتي والقضية اللي لبستها متورطة فيها.
في آخر الورقة كتب
أنا أسف إني استنيت. أنا أسف إني شيلتك شيلة مكنتش شيلتك. بحبك يا ابني.
أبوك.
الورقة وقعت من إيدي. فضلت قاعد كتير باصص للمفتاح الملزوق على الكارت كأنه خريطة لعالم مدفون. الدنيا كانت ماشية عادي حواليا، بس جوايا فيه حاجة بدأت تصحى. مش غضب، ولا انتقام.. حاجة أشرس.. اليقين.
الوحدة 108
مخازن الغرب كانت على أطراف البلد، مكان متطرف م تاخدش بالك منه لو مش بتدور عليه. سلك شائك، بوابة بكود، وصفوف من الأبواب الصاج.
ركنت ورحت للمكتب لقيت الموظف في استراحة غداء، مهمنيش. دخلت الرقم وفتشت في الممرات لحد ما لقيته 108.
القفل كان عادي، بس المفتاح مكنش عادي. كان ممسوح من الجناب كأن أبويا مسكه كتير، كأنه كان بيشيله في جيبه ويلمسه عشان يفكر نفسه إن لسه فيه أمل.
إيدي كانت بتترعش لدرجة إني فشلت أدخل المفتاح من أول مرة. في التانية، القفل تك. رفعت الباب الصاج، والعالم اللي أبويا كان مخبيه اتفتح قدامي.
كراتين مرصوصة بنظام، ومكتوب عليها بخط عريض
صور شغل 2016 ل 2019 ورق قانوني حسابات بنكية تقارير طبية هام جداً.
دولاب ملفات حديد كان ورا وعليه قفل صغير. وفوق كرتونة منهم كان فيه ظرف تاني مكتوب عليه كلمة واحدة أولاً.
فتحته، لقيت فلاشة ملزوقة في ورقة صغيرة مكتوب فيها شوف الفيديو قبل ما تقرأ أي حاجة.
طلعت الموبايل القديم اللي استلمته
من الجمعية، كان موبايل تعبان بس بيشغل فيديو. وصلت الفلاشة وظهر ملف واحد بعنوان يحيى الحقيقة.
صوباعي وقف فوق كلمة تشغيل.. وبعدين دوست.
وش أبويا ملى الشاشة. كان أرفع بكتير من آخر مرة شفته فيها. وش شاحب، مش بس شحوب مرض، ده شحوب حد أيامه معدودة. بس عينيه كانت ثابتة.
قال بصوت واطي يحيى.. لو بتشوف ده، يبقى أنت خرجت. سكت وبلع ريقه وكمل أنا فخور بيك.
الجملة دي لوحدها كانت هتكسرني. بس صوته فجأة بقى حاد، مش قسوة، بس جدية لازم تسمعني بتركيز. اللي هقوله هيوجع، بس هو الوجع اللي بيخلي لكل حاجة معنى.
قرب من الكاميرا أكتر الليلة اللي اتقبض عليك فيها، أنت معملتش اللي قالوا إنك عملته.
معدتي قلبت.
أنا مكنتش عارف ده في الأول. صدقت البوليس، وصدقت الورق، وصدقت ليلى لما كانت بتقولي حاجات عنك خلتني أتقبل فكرة إنك عملتها.
أخد نفس مهزوز وبعدين لقيت فواتير ناقصة. لقيت تلاعب في حسابات البنك. ولقيت إقرار ممضي.. من ابن ليلى.
إيدي سقعت.
أبويا وعينيه بتلمع بالدموع قال هو اللي عملها يا يحيى. هو اللي سرق الفلوس، وهو اللي حركها من خلال حسابات الشركة، ولما بدأ التفتيش، كان محتاج حد يشيل الليلة مكانه...
أبويا بلع ريقه في الفيديو وكمل كلامه
وليلى.. ليلى هي اللي ساعدته.

الهواء طار من صدري. حسيت إن الدنيا
تم نسخ الرابط