مفاجأة عيد ميلاد حماتى
المحتويات
حماتي ظهر الرضا فورًا.
بصت لباقي العيلة بنظرة فيها انتصار، وكأنها بتقول
شوفتوا؟ مهما كانت مش عاجبها، في الآخر مش هتقدر تقول حاجة.
لكن في اللحظة اللي بعدها...
عمر قام من مكانه.
ابتسم بهدوء، وصب لحماتي كوباية شاي.
وقال
ماما، ندى عندها حق.
الفلوس فلوسك، وإنتِ حرة تديها لأختي.
حماتي ارتاحت، وملامحها هديت.
لكن عمر مد إيده وطلع الشنطة اللي كانت ورا الكرسي.
فتحها.
وطلع منها ملف سميك جدًا.
حطه قدام مي.
وعلى غلافه كانت مكتوبة جملة كبيرة وواضحة
قائمة تسليم العادات الطبية ومهام الرعاية اليومية للسيدة شيماء.
ابتسامة مي...
اختفت تمامًا.
عمر حط الملف قدامها وقال
يا أختي، بما إن ماما واثقة فيكي أكتر واحدة، وائتمتك حتى على فلوس شيخوختها كلها، يبقى من الطبيعي إن مسؤولية رعايتها الأساسية تبقى عليكي من النهارده.
مي بصت له بعدم استيعاب.
وقالت
يعني إيه؟
رد عمر بمنتهى الهدوء
يعني اللي مكتوب.
وبدأ يكمل
ماما عايشة معانا بقالها سنين، وندى كانت بتخدمها بكل طاقتها.
لكن دلوقتي، بما إن ماما ادتكِ كل فلوس شيخوختها، لو إحنا فضلنا مخليينها عندنا وفضلنا إحنا اللي بنرعاها، الناس هتقول إننا بنحرمك من فرصة بر أمك.
وممكن كمان يقولوا إنك أخدتي الفلوس وسيبتي لنا التعب.
مي اتوترت بسرعة.
وقالت
أنا ماعملتش كده!
هز عمر رأسه وقال
أنا عارف.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة جدًا.
وعشان كده إحنا مش عايزين حد يفهمك غلط.
فتح الملف وبدأ يقلب في الصفحات.
وقال
الساعة ستة وعشر دقايق الصبح كل يوم، ماما بتصحى.
أول حاجة لازم تشرب مية دافية بعسل، ودرجة حرارتها لازم تكون 45 درجة بالضبط.
لا أعلى من كده...
ولا أقل.
مي بدأت تبص للملف بقلق.
لكن عمر كمل
الفطار لازم يتعمل طازة.
والشوربة أو العصيدة لازم تتسوى لحد ما حبات الرز تفتح وتبقى طرية تمامًا.
مينفعش تكون تقيلة زيادة، ومينفعش تكون خفيفة زيادة.
الناس بدأت تسكت أكتر.
أما عمر، فكان بيقلب الصفحات بمنتهى الهدوء، كأنه بيقدم تقرير رسمي في شركة.
وقال
يوم الاتنين والأربعاء والجمعة الصبح، ماما لازم تتمشى في الحديقة لمدة 40 دقيقة.
مش أكتر من 40 دقيقة...
ومش أقل من 40 دقيقة.
مي بلعت ريقها.
لكن عمر قلب الصفحة التالية...
والقائمة لسه طويلة.
الجزء الثاني
عمر قلب الصفحة التالية، وقال بنفس الهدوء
بعد المشي، ماما لازم ترتاح نص ساعة بالضبط. وبعدها تاخد دوا الضغط.
مي بصت له باستغراب.
إنت حافظ كل التفاصيل دي؟
ابتسم عمر.
لا، أنا مش حافظها.
وأشار للملف.
ندى هي اللي كتبتها.
كل العيون اتوجهت ناحيتي.
ابتسمت وقلت
عشر سنين يا أختي، طبيعي أكون عارفة روتين ماما أكتر من أي حد.
حماتي بدأت تتوتر.
واضح إنها لأول مرة حست إن اللي كانت بتعتبره أمرًا مسلمًا به، ممكن يتحول لمسؤولية على شخص تاني.
عمر كمل
الساعة عشرة ونص، ماما بتشرب شاي أعشاب معين. لو نوع معين مش موجود، بتفضل متضايقة طول اليوم.
قلب صفحة.
الساعة اتناشر ونص الغدا.
صفحة.
الأكل لازم يكون طازة، وممنوع فيه فلفل حار.
صفحة.
بعد الغدا، لازم تاخد دوا المعدة وتنام ساعة.
صفحة.
الساعة أربعة العصر لازم تاكل فاكهة، لكن ممنوع العنب عشان السكر.
مي رفعت إيدها بسرعة.
استنى بس!
عمر وقف عن القراءة.
قالت
هو إنتوا ناويين فعلًا تخلوا ماما تيجي تعيش معايا؟
رد عليها بمنتهى البرود
مش إحنا اللي هنقرر.
وبص لحماتي.
ماما هي اللي اختارت.
حماتي فتحت بقها عشان تتكلم، لكن ماعرفتش تقول حاجة.
فهي بنفسها كانت قد أعلنت أمام الجميع أنها أعطت فلوسها لابنتها لأنها تثق فيها أكثر.
لو تراجعت الآن، هتظهر كأنها ندمت.
وأخت زوجي بدأت تتحرك في كرسيها بتوتر.
بس أنا عندي شغلي وبيتي...
قاطعتها
وإحنا كان عندنا شغل وبيت برضه.
ساد الصمت.
عمر لم يرفع صوته، لكنه قالها بطريقة جعلت مي تسكت فورًا.
ثم دفع الملف ناحيتها.
خدي الملف، واقريه براحتك. فيه كمان مواعيد الدكتور، أسماء الأدوية، أرقام المستشفيات، الأكلات اللي ماما بتحبها واللي بتكرهها، وحتى طريقة ترتيب هدومها.
مي فتحت الملف.
كانت الصفحات كثيرة بشكل مبالغ فيه.
قائمة أدوية.
مواعيد.
تحاليل.
أسماء أطباء.
مواعيد متابعة.
نظام غذائي.
عادات النوم.
حتى الأشياء الصغيرة جدًا كانت مكتوبة.
ماما ما بتحبش النور القوي في الصبح.
بتنام على مخدة عالية.
بتصحى لو سمعت صوت باب بيتقفل.
بتحب الشاي دافي مش سخن.
لو اتأخرت وجبة الغدا أكتر من نص ساعة، مزاجها بيتقلب.
مي قلبت الصفحات، وكل ما كانت تقرأ، كان وشها بيزداد شحوبًا.
أما أنا، فكنت قاعدة ساكتة.
ولأول مرة منذ عشر سنوات...
شعرت براحة غريبة.
مش شماتة.
لكن إحساس بالتحرر.
لأنني أدركت أنني لم أكن أبالغ طوال السنوات الماضية.
رعاية شخص بهذه التفاصيل كانت وظيفة كاملة.
حماتي أخيرًا تكلمت
عمر، مش لازم تعملوا الموضوع كأنه صفقة.
بص لها وقال
ماما، إحنا مش بنعمل صفقة.
ثم أشار للملف.
إحنا بس بنسلم المسؤولية لصاحبتها.
مي بدأت تتلعثم
بس... ماما ممكن تفضل هنا، وأنا هاجي أزورها كل يوم.
ضحكت بهدوء.
زي ما كنتِ بتعملي طول العشر سنين اللي فاتوا؟
مي سكتت.
لأن الحقيقة كانت واضحة أمام الجميع.
طوال السنوات العشر، كانت تزور أمها مرة أو مرتين في الشهر.
وفي الأعياد والمناسبات كانت تأتي ومعها فاكهة أو هدية، ثم تجلس ساعتين وتعود إلى بيتها.
أما أنا...
فكنت أعيش داخل هذه الدوامة كل يوم.
حماتي قالت بانفعال
أنا ما قلتش إني هسيب بيتي!
عمر رد فورًا
وأنا ما قلتش إنك هتسيبيه.
ثم ابتسم.
إنتِ بس هتروحي تعيشي مع بنتك فترة.
فترة؟ قد إيه؟
على حسب ما تتفقوا.
مي بصت له برعب.
يعني إيه؟
قال
إحنا كنا بنعتني بماما عشر سنين.
مش معقول بعد ما بقت فلوسها كلها معاكي، تفضلي تاخدي الفلوس وتسيبي المسؤولية علينا.
ثم وقف.
بكرة الصبح هنوصل ماما لبيتك.
حماتي اتصدمت.
بكرة؟!
أيوه.
رد بهدوء.
إحنا هنكون جهزنا حاجتها.
ثم بص لي.
ندى، خلصتي شنط ماما؟
ابتسمت.
خلصتها من امبارح.
مي شهقت
من امبارح؟!
قلت
أيوه.
وأشرت ناحية حقيبة صغيرة كانت موجودة بجانب كرسيي.
كنت حاسة إن اليوم ده هييجي.
حماتي بصت لي بحدة.
إنتِ كنتِ مخططة لكل ده؟
هزيت رأسي.
لا يا ماما.
ثم ابتسمت.
أنا بس كنت مستنية اليوم اللي تختاري فيه بنفسك مين يكون مسؤول عنك.
في طريق العودة إلى البيت، كنت ساكتة.
عمر كان سايق، وأنا جنبه.
بعد عشر دقائق، مد إيده وأمسك إيدي.
قال
مبسوطة؟
ضحكت.
مش عارفة.
قال
إنتِ أخيرًا مش هتضطري تصحي الساعة ستة عشان تنزلي السوق.
بصيت له.
بجد؟
بجد.
ثم قال
ومش هتضطري تصحي نص الليل تدوري على ريموت.
ضحكت لأول مرة من قلبي.
دي أكتر حاجة هتوحشني.
ضحك عمر.
ولا هتوحشك حماتي؟
بصيت له.
بصراحة؟
قولي.
ولا ذرة.
ضحكنا معًا.
لكن فرحتنا لم تستمر طويلًا.
لأن في نفس الليلة...
وصلت لنا رسالة من مي.
ماما مش هتروح عندي.
عمر قرأ الرسالة، ثم أعطاها لي.
بعدها وصلت رسالة ثانية
أنا مش موافقة على الموضوع ده.
ثم ثالثة
الفلوس حاجة، ورعاية ماما حاجة تانية.
نظرت لعمر.
قال
ردي عليها.
أقول إيه؟
ابتسم.
قولي لها الحقيقة.
كتبت
أنتِ عندك حق. الفلوس حاجة، ورعاية ماما حاجة تانية.
ثم أضفت
وعشان كده، كل واحدة فيهم هتبقى عند الشخص اللي اختارته ماما.
وضغطت إرسال.
بعد أقل من دقيقة...
رن هاتف عمر.
كانت أمه.
رد عليها.
جاء صوتها غاضبًا
عمر! إنت ابني، إزاي تعمل فيا كده؟!
عمر سكت لحظات.
ثم قال
ماما، أنا ما عملتش فيكي حاجة.
أمال إيه اللي بتعملوه؟!
إحنا بس احترمنا اختيارك.
اختيار إيه؟!
إنتِ اخترتي مي.
ساد الصمت على الطرف الآخر.
ثم قالت حماتي
أنا... أنا كنت أقصد الفلوس!
رد عمر
وأنا فاهم.
ثم أضاف بهدوء
بس إحنا فهمنا إن ثقتك فيها مش بس في الفلوس.
وسكت قليلًا.
لو مي تستحق خمسة ملايين جنيه لأنها بنتك، فهي تستحق برضه فرصة تعتني بيكي.
وقفل المكالمة.
بصيت له وأنا مصدومة.
قلت
عمر، إنت بقيت جامد أوي.
ضحك.
عشر سنين مع أمي، أكيد اتعلمت.
تاني يوم الصبح، وقفنا قدام بيت مي.
كانت مي واقفة عند الباب، ووشها مليان غضب.
وراءها زوجها وأولادها.
حماتي نزلت من العربية وهي متضايقة.
عمر فتح الشنطة وبدأ يطلع حاجاتها.
مي قالت
إنتوا فعلًا هتسيبوها وتمشوا؟
قلت
إحنا مش سايبينها.
ثم سلمتها الملف.
إحنا بس بنسلمها لك.
مي أخذت الملف بيد مرتعشة.
وقالت
ولو حصل لها حاجة؟
ابتسمت.
كل أرقام الدكاترة والمستشفيات موجودة.
ولو احتاجت دواء؟
مكتوب في الصفحة السابعة.
ولو ما نامتش؟
الصفحة التاسعة.
ولو...
قاطعتها بهدوء
مي.
رفعت عينيها لي.
قلت
ماتقلقيش.
ثم ابتسمت.
إنتِ معاكي خمسة
متابعة القراءة