حماتى طردت امى

لمحة نيوز

واحدة فقيرة زيك جاية تقعد على السفرة الرئيسية كمان؟! انزلي المطبخ حالًا وكلي مع البواقي!
دوّى صوت حماتي، الحاجة سناء، في قاعة الاحتفالات بالدور الثاني من فندق قصر النيل، واحد من أفخم الفنادق في مدينة القاهرة.
سكتت القاعة كلها لثانية واحدة.
لكن بعدها مباشرة، انفجرت ضحكات ساخرة من أفراد عيلة جوزي، وكأن إهانة أمي كانت بالنسبة لهم مشهدًا مسليًا.
أمي، الحاجة فاطمة، كانت واقفة وهي حضنة علبة هدايا خشبية صغيرة، كانت هي بنفسها نحتتها بإيديها عشان تقدمها لحفيدها في عيد ميلاده.
وشها الأسمر اللي حفر فيه التعب سنين طويلة من الشغل والكفاح، شحب فجأة.
إيديها الرفيعة، اللي كانت مليانة تجاعيد وآثار سنين التعب، بدأت ترتعش بشدة، لدرجة إن علبة الهدية كادت تقع منها.
كانت واقفة مرتبكة وسط صفوف الترابيزات، وكل ترابيزة عليها مفرش أحمر فاخر، وحواليها عيون مليانة احتقار وسخرية من قرايب جوزي.
واحدة من قرايب جوزي بصت لأمي من فوق لتحت وقالت باستهزاء
الحاجة سناء عندها حق... بصوا بس على هدومها! قماش بلدي ومش شيك خالص. دي كمان هتبوّظ شكل الكرسي الفخم!
واحدة تانية ضحكت وقالت
أصل بنتها اتجوزت ابن عيلة كبيرة، شكلها فاكرة إن الجواز ده هيخلّيهم كلهم أغنيا!
ورد عليها واحد من رجالة العيلة وهو بيضحك
مش كفاية إنها بقت بتدخل بيوت الناس الكبار؟ دلوقتي أمها كمان عايزة تقعد مع الكبار؟
الكلام كان بينزل على أمي زي السكاكين.
أما جوزي، أحمد، فكان قاعد جنب أمه بكل برود.
كان ماسك ساعته الجديدة وبيتفرج عليها، وكأنه مش سامع أي كلمة.
ولا حتى حاول يمنع أمه.
ولا حاول يدافع عن حماته.
ولا حتى رفع عينه يبص لأمي.
ابني الصغير، يوسف، اللي كان عنده خمس سنين، كان واقف مش فاهم حاجة.
بص حوالين نفسه باستغراب، وبعدها جري على جدته وحضن رجلها بقوة.
أما أنا، فكنت واقفة في آخر القاعة.
إيدي كانت قابضة على طرف فستاني لدرجة إن أطراف صوابعي ابيضّت.
أنا اللي دفعت تمن الحفلة كلها.
أنا اللي حوشت من مصاريف البيت وشغلي لمدة شهور عشان أعمل لابني عيد ميلاد يليق بيه.
أنا اللي اخترت الأكل بنفسي.
المأكولات البحرية الغالية.
اللحوم.
الحلويات.
العصاير.
حتى زجاجات المشروبات الغالية اللي كانت متحطوطة على الترابيزات، كل ده كان من فلوسي.
كنت عايزة أعمل عيد ميلاد مميز ليوسف.
لكن كان عندي سبب تاني أهم.
كنت عايزة أفرّح أمي.
بعد تلات سنين كاملة ما شافتش فيها حفيدها غير على فترات متقطعة، أخيرًا قدرت أقنعها تيجي القاهرة وتقضي معانا كام يوم.
أمي كانت جاية من بلد صغيرة في الصعيد.
ست بسيطة.
ملهاش في المظاهر.
ولا بتحب الفلوس.
ولا عمرها حاولت تستغل جوازي من أحمد عشان تاخد حاجة.
على العكس.
طول الست سنين اللي فاتوا، كانت دايمًا تقولي
خلي بالك من بيتك يا بنتي... ومتدخليش في مشاكل مع أهل جوزك.
كانت بتتحمل الإهانة عشان خاطري.
وتسكت عشان جوازي.
لكن اللي حصل النهارده كان أكتر من قدرتها على التحمل.
لأن حماتي، الحاجة سناء، ما اكتفتش إنها أهملت دعوة أمي.
دي كمان كانت عاملة خطة كاملة.
من غير ما تقول لي، راحت اتصلت بكل قرايب جوزي.
عمام.
أخوال.
أبناء عمومة.
قرايب بعيدين محدش فيهم كان أصلًا مدعو للحفلة.
وجابتهم كلهم.
وخلتهم يحتلوا الترابيزات الرئيسية.
أما أمي، فحطتها في مكان بعيد جنب باب القاعة.
ولما أمي حاولت تقعد على واحدة من الترابيزات، حماتي وقفت قدامها.
عينيها كانت مليانة احتقار.
وأشارت بإصبعها في وش أمي.
إنتِ لسه واقفة هنا ليه؟
أمي اتلخبطت وقالت بهدوء
أنا... أنا كنت فاكرة إن بنتي قالت لي أقعد هنا.
حماتي ضحكت باستهزاء.
تقعدي هنا؟!
وبعدين رفعت صوتها أكتر
إنتِ مش شايفة نفسك ولا إيه؟ ده مائدة العيلة الرئيسية! إنتِ مين عشان تقعدي وسط أهلنا؟
أمي حاولت تبتسم ابتسامة ضعيفة.
أنا أم مريم...
حماتي قاطعتها بعنف
أم مريم ولا أم مين مش فارقة!
وبصت على هدومها.
واحدة فقيرة بالشكل ده، جاية تقعد على السفرة الرئيسية؟!
وبصوت أعلى قالت
انزلي المطبخ فورًا! لو عايزة تاكلي، كلي هناك مع الخدم والبواقي، ومتفضحيناش قدام أهلنا!
القاعة كلها سكتت.
وبعدين بدأت الضحكات.
ضحكات عالية.
ساخرة.
مؤذية.
أمي بصت لي.
كانت عينيها مليانة دموع.
لكنها حاولت تبتسم.
وبصوت منخفض قالت
مريم... معلش يا بنتي.
أنا قربت منها.
لكنها كملت
أنا هنزل المطبخ آكل هناك، متخليش اليوم يبوظ على يوسف.
الجملة دي كسرت حاجة جوايا.
لأن أمي حتى وهي بتتذل، كانت خايفة على يوم عيد ميلاد حفيدها.
كانت خايفة إن مشاكلها تفسد فرحتي.
ساعتها حسيت إن كل السنين اللي قضتها وهي بتسكت عشان خاطري رجعت قدام عيني مرة واحدة.
كل مرة اتعاملوا معاها بتكبر.
كل مرة قللوا منها.
كل مرة كانت بتقول لي
معلش يا بنتي... استحملي عشان بيتك.
لكن النهارده...
مش هسكت.
أخدت نفس عميق.
ومسحت الدموع اللي كانت بدأت تتجمع في عيني.
الغضب اختفى.
وحل مكانه هدوء غريب.
بارد.
مخيف.
اتحركت ناحية أمي بهدوء.
مسكت إيدها.
كانت إيدها بتترعش.
وقلت لها
تعالي يا أمي.
وبدون ما أبص لأي حد، أخدتها وقعدتها على الكرسي الموجود في منتصف السفرة الرئيسية.
حماتي فتحت عينيها على آخرها.
إنتِ بتعملي إيه يا مريم؟!
ما رديتش.
قعدت أمي في مكاني أنا.
وبعدها وقفت جنبها.
حماتي قربت مني وهي بتصرخ
إنتِ اتجننتي؟!
وأشارت للكرسي.
مين سمح للست دي تقعد هنا؟!
وبصت على أمي
دي ترابيزة كبير العيلة! مكانها مش هنا!
وبعدين بصت لي
إنتِ عايزة تفضحينا قدام أهل جوزك؟
بصيت لها بهدوء.
وبعدين بصيت ناحية جوزي.
أحمد.
كان لسه قاعد.
ولا كأنه شايف أو سامع.
قلت له
أحمد.
رفع عينه لي بضيق.
نعم؟
أنت مش شايف اللي بيحصل؟
تنهد.
مريم، بلاش تعملي مشكلة في عيد ميلاد يوسف.
بصيت له بعدم تصديق.
مشكلة؟
قال بضيق
أمي قالت كام كلمة وخلاص.
ضحكت ضحكة قصيرة، من غير أي فرحة.
كام كلمة؟
بصيت لأمي.
وبعدين رجعت بصيت له.
دي أمك كانت بتطرد أمي من عيد ميلاد ابنها!
أحمد هز راسه بضيق.
هي مش قاصدة.
حماتي تدخلت فورًا
أيوه، أنا مش قاصدة حاجة. أنا بس بحافظ على شكل عيلتنا!
وبعدين قالت
إنتِ اللي مش فاهمة مقامك يا مريم.
سكت لحظات.
وبعدين طلعت موبايلي من شنطتي.
كل اللي في القاعة بصوا لي.
حماتي ضحكت
هتعملي إيه بالموبايل يعني؟
ما رديتش.
فتحت جهات الاتصال.
ودورت على اسم معين.
مروان.
مدير مكتبي.
والشخص الوحيد اللي كان عارف حقيقتي كاملة.
ضغطت اتصال.
رن الهاتف مرتين.
وجالي صوته فورًا
أيوه يا مدام مريم.
قلت بهدوء
مروان.
أفندم؟
نفّذ الخطة ب.
سكت ثانية.
وبعدين قال
حالًا؟
حالًا.
سأل
كل الشركات؟
قلت
كلها.
ثم أضفت
أوقف كل التعاقدات مع مجموعة أحمد عزام القابضة.
كانت عيون الموجودين كلها متعلقة بيا.
كملت
واسحبوا حق استخدام قاعة فندق قصر النيل بالكامل.
مروان سكت لحظة.
وبعدين قال بصوت رسمي
حاضر يا رئيسة مجلس الإدارة.
قفلت المكالمة.
القاعة كلها كانت ساكتة.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وبعدين حماتي انفجرت في الضحك.
ضحكت بصوت عالي جدًا.
رئيسة مجلس الإدارة؟!
وبصت للناس حواليها.
سمعتوا؟!
وبعدين بصت لي
البنت اتجننت!
ضحكات بدأت تنتشر في القاعة.
واحد من قرايب جوزي قال
واضح إنها بتتفرج على أفلام كتير.
وواحدة قالت
يمكن فاكرة نفسها من رجال الأعمال.
حماتي كملت
إنتِ فاكرة نفسك مين يا مريم؟
أنا ما جاوبتش.
أما أحمد، فقام من مكانه أخيرًا.
قرب مني.
كان واضح عليه الإحراج.
وقال
مريم، كفاية بقى.
بصيت له.
كفاية إيه؟
قال
بلاش تفضحيني قدام أهلي.
قلت
وأمي؟
سكت.
قلت
أمي ملهاش كرامة؟
رد ببرود
هي ست بسيطة، يا مريم. مش لازم تكبري الموضوع.
اتجمدت مكاني.
ست بسيطة؟
هز كتفه.
أيوه.
وبعدين قال الجملة اللي عمرها ما هتطلع من دماغي
هي أصلًا فلاحة. يعني عايزة إيه أكتر من كده؟
بصيت له فترة طويلة.
الرجل اللي عشت معاه ست سنين.
الرجل اللي كنت فاكرة إنه سندي.
الرجل اللي كنت بحارب الدنيا عشانه.
في لحظة واحدة، وقع من عيني.
ما بقاش فيه حاجة اسمها حب.
ولا عشرة.
ولا عشرة سنين.
ولا حتى أب لابني.
بقى مجرد شخص غريب واقف قدامي.
رجعت بصيت في ساعتي.
العقرب كان بيتحرك.
دقيقة.
دقيقتين.
والكل كان لسه بيضحك.
حماتي قالت بسخرية
فين بقى الشركة اللي هتقف؟
ضحكوا.
فين الفندق اللي هتطردينا منه؟
ضحكات أعلى.
ثم...
مرّت بالضبط ثلاث دقائق.
رن تليفون أحمد.
رِن... رِن... رِن...
بص للشاشة.
وكان واضح إن الرقم من الشركة.
رد وهو لسه متضايق
ألو؟

تم نسخ الرابط