محاكمة بنتى الرضيعة
المحتويات
محتاجة تغيير حفاضة.
ضحك.
دي أول مرة أشوف متهم يوقف جلسة عشان حفاضة.
طلعت الحفاضات من الشنطة، وغيرت لها في مكان مخصص قريب من القاعة.
كريم كان واقف جنبي بيبص في موبايله.
بعد شوية قال
بالمناسبة، عرفت مين المحامي اللي عم صبري جابه.
قلت وأنا بقفل الحفاضة الجديدة
مين؟
قال
اسمه حاتم السيد.
تعرفه؟
أعرف عنه.
حط موبايله في جيبه وقال
النوع ده من المحامين متخصص في قضايا التعويض اللي بالشكل ده.
قلت
يعني إيه؟
قال
أتعابه قليلة نسبيًا، لكن بيعتمد على عدد قضايا كبير. الزبون يدفع، وهو يقدم الدعوى.
قلت
حتى لو القضية عبيطة؟
هز كتفه.
طالما العميل بيدفع.
سكت شوية وبعدين سألته
بس إزاي محدش لاحظ إن ليلى عندها أربع شهور؟
قال
لأنهم تعمدوا يصيغوا صحيفة الدعوى بطريقة تتجنب التركيز على السن.
بصيتله.
يعني؟
كتبوا الاسم المدعى عليها ليلى سالم، وبياناتها الأساسية، لكن عمرها ما كانش محور الصحيفة.
قلت
والمحكمة؟
قال
في مرحلة تسجيل الدعوى بيكون التركيز الأساسي على استيفاء المستندات والشروط الشكلية. مش كل دعوى بتتعمل فيها من البداية محاكمة مصغرة عشان نعرف مين صح ومين غلط.
ابتسم.
لكن أول ما المتهمة حضرت بنفسها...
بص ناحية ليلى.
كانت بتحاول تمسك طرف البطانية.
خلاص. مفيش ورق في الدنيا يقدر يخبي إنها رضيعة.
ضحكت.
لفيت الحفاضة القديمة ورميتها في السلة.
وبعدين سألت كريم
طب الحجر جه منين؟
تغيرت ملامحه.
آه... دي بقى المفاجأة.
وقفت مكاني.
عرفت حاجة؟
قال
امبارح خليت حد يسأل في إدارة العمارة.
وبعدين؟
شقة عم صبري في الدور الخامس، صح؟
صح.
وهي آخر دور.
أيوه.
رفع حاجبه.
يعني فوقه مباشرة السطح.
بدأت أفهم.
قال كريم
إدارة العمارة قالت إن الشهر اللي فات كان في عمال شغالين على السطح في أعمال عزل للمياه.
قلت
وبعدين؟
فضل بعد الشغل بواقي مواد بناء فوق السطح.
زي إيه؟
قال
قطع أسمنت... وحجارة.
سكتُّ.
بصيتله.
يعني الحجر ممكن يكون وقع من السطح؟
ده الاحتمال الأقرب جدًا.
طيب ليه عم صبري ما اشتكاش الإدارة؟
كريم ضحك بسخرية.
لأن مقاضاة الإدارة أو شركة المقاولات محتاجة تقرير فني، ومعاينة، وإثبات مين المسؤول عن المواد، ومين كان شغال في اليوم ده، وهل حصل إهمال ولا لأ.
وأشار ناحيتي.
إنما إنتِ أسهل.
حسيت الدم بدأ يسخن في عروقي.
كريم كمل
ست عندها طفلة رضيعة، ولسه خارجة من ولادة من كام شهر. غالبًا افتكر إنك مش ناقصة مشاكل.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
يخوفك بورقة محكمة، يقول لك ادفعي كام عشر ألف ونخلص.
بصيت ناحية باب القاعة.
عم صبري كان واقف في الناحية التانية، بيتكلم بعصبية مع محاميه.
قلت
اختار الشخص الغلط.
كريم ابتسم.
واضح.
بعد انتهاء الاستراحة رجعنا القاعة.
القاضي دخل.
وقفنا.
وبعد ما قعد، بدأ يتكلم.
بعد فحص المستندات، ومشاهدة التسجيل، والاستماع إلى أقوال الطرفين ومناقشة الأدلة المقدمة، ترى المحكمة أن وقائع الدعوى أصبحت واضحة بصورة كافية.
مسكت ليلى كويس في حضني.
عم صبري كان ثابت في مكانه.
القاضي كمل
يدعي المدعي أن المدعى عليها، ليلى سالم، قامت بإلقاء جسم تسبب في إتلاف طاولة القهوة الخاصة به.
ثم توقف لحظة.
إلا أنه بالنظر إلى عمر المدعى عليها وقت الواقعة، ومستوى نموها وقدراتها الجسدية، بالإضافة إلى طبيعة المبنى واتجاه النوافذ والشرفات، فإن هذا الادعاء يفتقر إلى الأساس الواقعي.
عم صبري بلع ريقه.
القاضي قال
كما أن تسجيل كاميرا المراقبة الذي قدمه المدعي لا يثبت سوى سقوط حجر من نقطة أعلى من الشرفة.
بعدين رفع عينه ناحية عم صبري.
ولا يثبت بأي صورة أن الحجر خرج من شقة المدعى عليها، فضلًا عن أن يكون طفلة عمرها ثلاثة أشهر هي من قامت بإلقائه.
سمعت حد ورايا يكتم ضحكته.
المرة دي عم صبري ما بصش وراه.
القاضي أكمل
وبالتالي، لا توجد علاقة سببية مثبتة بين المدعى عليها والضرر الذي وقع لطاولة المدعي.
شعرت براحة غريبة.
مش لأني كنت خايفة نخسر.
من البداية كل حاجة كانت مضحكة.
لكن سماع الكلام ده رسميًا، جوه قاعة المحكمة، كان له طعم تاني.
القاضي قلب صفحة من الملف.
وقال
وعليه، تقضي المحكمة برفض طلبات المدعي المتعلقة بالتعويض عن قيمة الطاولة لعدم قيام الدليل.
وش عم صبري وقع.
محاميه غمض عينه للحظة.
أما أنا...
فنزلت بصيت لليلى.
كانت نامت.
آه والله.
البنت اللي متهمة بتكسير ترابيزة قيمتها مليون جنيه تقريبًا...
نامت وهي بتسمع الحكم بالبراءة!
بس القاضي مكانش خلص.
رفع الورقة اللي قدامه وقال
أما فيما يتعلق بالطلبات المقدمة من جانب المدعى عليها بشأن إساءة استعمال حق التقاضي والتعويض...
عم صبري رفع راسه بسرعة.
وأنا كمان بصيت للقاضي.
كريم عدل جلسته.
القاضي كمل
فستقوم المحكمة بالنظر فيها وفقًا للإجراءات القانونية وما قُدم بشأنها من أدلة ومستندات.
وش عم صبري اللي كان لسه بدأ يرتاح...
اتشد من جديد.
لأن القضية اللي دخل المحكمة وهو فاكر إنه هيطلع منها بفلوس...
انتهت وهو مش بس خسران دعواه.
لأ.
دلوقتي بقى هو نفسه معرض يدفع تعويض.
والأهم...
إننا عرفنا إن الحجر على الأغلب جاي من فوق السطح.
وده معناه إن فيه طرف تالت في الحكاية.
طرف لو بدأ يتكلم...
ممكن يكشف إن عم صبري كان عارف من البداية إن الحجر مستحيل يكون خرج من شقتي.
الجزء الأخير
خرجنا من المحكمة وأنا شايلة ليلى على كتفي، وكريم ماشي جنبي.
كنت متوقعة إن عم صبري يتجنبني بعد اللي حصل.
لكن لأ.
أول ما وصلنا عند باب المحكمة سمعت صوته ورايا
نهى!
وقفت.
لفيت ناحيته.
كان جاي بسرعة، ومحاميه بيحاول يلحقه.
وقف قدامي وقال من بين سنانه
مبسوطة؟
قلت
من إيه؟
من المنظر اللي عملتيه جوا؟
بصيتله باستغراب.
أنا؟
ضحكت.
عم صبري، حضرتك اللي رفعت قضية على طفلة عندها أربع شهور.
قرب مني وقال بصوت واطي
اسمعي نصيحتي... اقفلي الموضوع هنا.
كريم وقف بيني وبينه.
لو عندك كلام قانوني، اتفضل عن طريقي.
عم صبري بصله بغضب.
وبعدين رجع بصلي.
هتندمي يا نهى.
ابتسمت.
دي جملة تهديد؟
ملامحه اتغيرت فورًا.
خصوصًا لما كريم طلع موبايله وقال
ممكن تكررها؟
عم صبري لف ومشي.
لكن قبل ما يبعد، قلتله
على فكرة...
وقف.
قلت
لسه عايزني أركع عشان تسحب القضية؟
ما ردش.
بس كتفه اتهز من العصبية.
ومشي.
ركبت العربية وأنا حاسة إن الموضوع انتهى.
لكن كريم، أول ما قفل باب العربية، قال
متفرحيش أوي.
بصيتله.
ليه؟
لأن في حاجة مش داخلة دماغي.
إيه؟
قال
عم صبري مش غبي.
سكت.
كمل
هو تاجر وعنده شركة، وبيتعامل مع عقود ومحامين وفواتير. يعني مستحيل يشوف فيديو لحجر نازل من فوق ويقتنع إن طفلة ساكنة تحته هي اللي رمته.
قلت
يمكن كان عايز يضايقني وخلاص.
ممكن.
هز راسه.
بس مبلغ التعويض كبير جدًا. ليه 328 ألف يوان تحديدًا؟
بصيتله.
فعلًا.
ليه الرقم ده بالذات؟
قلت
قال دي قيمة الترابيزة بعد الاستهلاك.
كريم ضحك.
وإنتِ صدقتيه؟
طبعًا لأ.
قال
عشان كده هنكمل.
بعد يومين، كريم كلمني الساعة عشرة الصبح.
أول ما رديت قال
البسي وانزلي.
على فين؟
إدارة العمارة.
ليه؟
قال جملة واحدة
لقينا العامل.
قلبي دق.
عامل إيه؟
العامل اللي كان شغال فوق السطح يوم ما الترابيزة اتكسرت.
بعد نص ساعة كنت في مكتب إدارة العمارة.
لقيت كريم مستنيني ومعاه راجل في أواخر التلاتينات، لابس هدوم شغل.
كان متوتر.
كريم عرفني عليه.
ده عماد. كان ضمن فريق العزل اللي اشتغل على السطح.
سلمت عليه.
وقعدنا.
كريم قال
احكيلها اللي حكيتهولي.
عماد بصلي.
حضرتك ساكنة تحت الأستاذ صبري؟
أيوه.
سكت لحظة.
أنا آسف.
استغربت.
على إيه؟
قال
الحجر اللي كسر الترابيزة... وقع من عندنا.
ثبتُّ عيني عليه.
إنت متأكد؟
مية في المية.
وبدأ يحكي.
في اليوم اللي اتكسرت فيه الترابيزة، العمال كانوا بيشيلوا بواقي الأسمنت والحجارة من فوق السطح.
واحد منهم كان بيحرك كومة مخلفات قريبة من الحافة.
قطعة حجر اتدحرجت.
عدت من فتحة صغيرة عند الحاجز...
ووقعت لتحت.
سمعوا صوت خبطة قوية.
عماد نزل يشوف.
ولقى الحجر واقع في بلكونة عم صبري، وركن الترابيزة مكسور.
قلت
وعم صبري كان موجود؟
عماد ضحك بمرارة.
ده طلع لنا السطح بنفسه.
حسيت جسمي كله شد.
يعني كان عارف؟
عارف إيه؟ ده كان بيتخانق معانا!
بصيت لكريم.
هو ما اتكلمش.
ساب الراجل يكمل.
عماد قال
فضل يزعق ويقول الترابيزة دي غالية جدًا، وإن الشركة لازم تعوضه.
قلت بسرعة
وبعدين؟
مديرنا جه بعدها بيومين. قال له هنبعت حد يعاين التلف، ولو ثبت إن الخطأ من العمال التأمين يتولى الموضوع.
تمام.
عماد سكت.
بعدين قال
بس الأستاذ صبري رفض.
رفض ليه؟
لأنه كان عايز فلوس الترابيزة كاملة.
بدأت أفهم.
عماد كمل
الشركة طلبت فاتورة الشراء الأصلية.
سألته
ومكانتش معاه؟
بصلي نظرة غريبة.
هو جاب فاتورة.
أمال؟
قال
الفاتورة كانت ب ألف يوان.
سكتُّ.
كام؟
68 ألف.
افتكرت فورًا الرقم المكتوب في القضية.
328 ألف.
قلت
بس هو طالب مننا 328 ألف!
عماد هز راسه.
عشان كده الشركة رفضت المبلغ اللي طلبه.
كريم دخل في الكلام
ودي أول مفاجأة.
بصيتله.
قال
لسه في واحدة أكبر.
طلع ملف من شنطته.
وحط قدامي صورة فاتورة.
اسم المتجر.
نوع الترابيزة.
تاريخ الشراء.
والسعر
68000 يوان.
قلت
جبتها منين؟
شركة المقاولات احتفظت بصورة منها ضمن ملف المطالبة.
قلّبت الورقة.
يعني هو كان عارف إن الحجر من السطح، وعارف إن الترابيزة تمنها 68 ألف...
ورفع قضية علينا
متابعة القراءة