محاكمة بنتى الرضيعة
الراجل اللي ساكن فوقينا، عم صبري، قال إن بنتي هي اللي بوّظت ترابيزة القهوة المصنوعة من خشب الورد عنده، واللي تمنها حوالي مليون و ألف جنيه.
فتحت التقويم وبصيت على التاريخ اللي هو بيتكلم عنه.
في اليوم ده تحديدًا...
بنتي كانت لسه مكمّلة أربع شهور!
لما استدعاء المحكمة وصل لحد باب البيت، أمي افتكرته في الأول عملية نصب.
وفضلنا مقتنعين بكده لحد ما موظف التنفيذ جه بنفسه وأكد لنا إن الورق حقيقي، ورقم القضية مطبوع وواضح قدامنا.
ساعتها بس استوعبنا إن الموضوع مش هزار.
وفي يوم، عم صبري وقفني في طرقة العمارة، وشاور بإيده على عربية بنتي وقال
بطلي تمثيل بقى... الكاميرا مصورة كل حاجة بوضوح.
ويوم جلسة المحكمة...
حضّرت اللبن للمتهمة قبل ما ننزل.
القاضي بص ناحية كرسي المتهم، وسكت حوالي تلات ثواني كاملة.
وبعدين سأل بجدية
هي المتهمة... بتعرف تقعد لوحدها أصلًا؟
بنتي ردت عليه بطريقتها.
طلعت تكريعة صغيرة...
وبعدين بصت لإيدها اللي كانت كلها ريالة.
01
اليوم اللي استلمت فيه استدعاء المحكمة، كنت قاعدة في الصالة وبطبطب على ضهر بنتي ليلى عشان تتكرع بعد الرضعة.
كانت لسه شربت نص اللبن تقريبًا، لما جرس الباب رن.
حطيتها بهدوء في سريرها الصغير، وروحت فتحت.
لقيت شاب لابس زي رسمي واقف قدامي، وكان واضح جدًا على وشه إنه محرج.
سألني
حضرتك مدام نهى سالم؟
قلت
أيوه، أنا.
مد لي ورقة وقال
ده إخطار رسمي بحضور دعوى قضائية، محتاج توقيع حضرتك بالاستلام لو سمحتي.
خدت الورقة بإيد واحدة، وبصيت عليها بسرعة.
المدعي صبري عبد الفتاح.
المدعى عليها ليلى سالم.
سبب الدعوى المطالبة بتعويض عن إتلاف ممتلكات.
قيمة التعويض المطلوبة مليون و ألف جنيه تقريبًا.
فضلت باصة للورقة ثانيتين من غير ما أفهم.
ليلى سالم... دي بنتي.
بنتي اللي عندها أربع شهور وتلات أيام.
البنت أصلًا لسه مش عارفة تتقلب على بطنها لوحدها!
بصيت للاستدعاء مرة تانية.
راجعت الاسم.
راجعت رقم القضية.
راجعت الختم.
كنت متأكدة إني مش بتخيل.
الشاب اللي سلّمني الورق كان مشي خلاص.
قفلت الباب، وقعدت على الأرض عند المدخل...
وانفجرت من الضحك.
عم صبري هو جارنا اللي ساكن في الدور اللي فوقينا.
راجل في أواخر الخمسينات، عنده معرض كبير لمواد البناء، ومن النوع اللي كل ما يقابل حد لازم يحكيله عن فلوسه.
وجملته المفضلة كانت
إنتوا عارفين طقم خشب الورد اللي عندي ده كلّفني كام؟
من حوالي شهر، جزء من ترابيزة القهوة اللي عنده اتكسر.
ركن صغير منها اتشرخ واتفتت.
ولسبب لا يعلمه إلا ربنا...
الراجل قرر إن بنتي الرضيعة هي اللي عملت كده.
وقال إن ليلى رمت لعبة من الشباك، واللعبة خبطت في الترابيزة وكسرتها.
طفلة عمرها أربع شهور.
رمت لعبة.
من الشباك.
وكسرت ترابيزة خشب ورد!
لما قال الكلام ده أول مرة، كنت فاكرة إنه بيهزر.
لكن الظاهر إن الراجل كان بيتكلم جد.
أمي خرجت من المطبخ وهي بتنشف إيديها في فوطة، وسألتني
مين كان على الباب؟
قلت
واحد من المحكمة.
وش أمي اتخطف.
محكمة؟! إنتِ عملتي إيه يا نهى؟
قلت
مش أنا... ليلى.
بصتلي أمي باستغراب.
ليلى؟!
وبصت ناحية سرير البيبي.
ليلى كانت نايمة جواه وبتاكل قبضة إيدها بمنتهى السعادة.
أمي قالت
إنتِ بتهزري معايا؟
قلت
والله ما بهزر.
ومديتلها الورقة.
عم صبري رافع قضية على ليلى. بيقول إنها كسرت ترابيزة القهوة بتاعته.
أمي فضلت تقرأ الورقة فترة طويلة.
وبعدين قعدت مرة واحدة على الكنبة وقالت
هو الراجل ده مخه جراله حاجة؟!
بصراحة...
أنا كمان كان عندي نفس السؤال.
لكن المشكلة إن الاستدعاء حقيقي.
ورقم القضية حقيقي.
وميعاد الجلسة مكتوب بوضوح
الأربع الجاي، الساعة تسعة الصبح.
صورت الاستدعاء وبعته لزميلي القديم في الجامعة، كريم منصور.
كريم شغال محامي بقاله ست سنين.
بعد تلات ثواني من إرسال الصورة، بعتلي علامة استفهام كبيرة.
وبعد عشر ثواني بالظبط، الموبايل رن.
أول ما فتحت قال
نهى... قوليلي بجد، الصورة دي فوتوشوب، صح؟
قلت
يا أستاذ، ختم المحكمة الأحمر قدامك أهو.
قال بعدم تصديق
المدعى عليها عندها أربع شهور؟!
قلت
أربع شهور وتلات أيام، لو الدقة تفرق معاك.
سكت كريم حوالي خمس ثواني.
وبعدين قال
إزاي أصلًا المحكمة قبلت الدعوى؟
قلت
والله ده السؤال اللي نفسي أعرف إجابته.
قال
بصي... الموضوع غريب جدًا، بس من الناحية الإجرائية ممكن يحصل. المحكمة في مرحلة قيد الدعوى بتراجع الشكل والمستندات الأساسية، فلو الأوراق مستوفاة الشروط المطلوبة ممكن القضية تتسجل فعلًا.
سألته
يعني بنتي فعلًا لازم تحضر المحكمة؟
سكت شوية.
نظريًا... آه.
قلت
يا كريم، دي رقبتها بالعافية شايلة دماغها!
قال
عارف.
وكان واضح جدًا من صوته إنه بيحاول ما يضحكش.
وبعدين سألني
محتاجة محامي؟
قلت
هتيجي؟
قال فورًا
القضية دي أنا هاخدها ببلاش.
وسكت لحظة قبل ما يكمل
أنا بقالي ست سنين بشتغل محامي، وأقسم بالله ما شوفت قضية بالعبط ده في حياتي.
قلت
اتفقنا.
قفلت معاه.
وبعدين رجعت فتحت صحيفة الدعوى المرفقة بالاستدعاء.
الكلام اللي عم صبري كاتبه كان تقريبًا كالتالي
في حوالي الساعة الثالثة عصرًا، يوم 12 أكتوبر 2024، قامت المدعى عليها ليلى سالم، أثناء وجودها في منزل والدتها نهى سالم، بإلقاء لعبة من نافذة المنزل، فاصطدمت اللعبة بطاولة مصنوعة من خشب الورد موضوعة في شرفة منزل المدعي، مما أدى إلى كسر سطح الطاولة وإحداث خسائر مادية تُقدّر بحوالي مليون و ألف جنيه.
قفلت الورق.
وخدت نفس طويل.
يوم 12 أكتوبر...
ليلى مكانش عندها حتى أربع شهور.
كانت لسه تلات شهور!
بيتنا في الدور الرابع.
وعم صبري ساكن في الخامس.
شباك شقتي ناحية الجنوب.
وبلكونة شقته ناحية الشمال.
يعني حتى الاتجاهات نفسها مش راكبة على بعض!
حتى لو افترضنا إن في حاجة خرجت من شباكي فعلًا...
هتوصل لبلكونته إزاي؟!
وفوق كل ده...
طفلة عندها تلات شهور، مش عارفة تقعد لوحدها...
هترمي لعبة من الشباك إزاي؟
إلا بقى لو بنتي كانت بتتدرب سرًا وإحنا مش واخدين بالنا.
بصيت ناحية ليلى.
كانت جوه سريرها، ومركزة جدًا في مهمة شديدة الأهمية...
كانت بتحاول تاكل رجلها.
تمد جسمها...
وتقرب رجلها من بقها...
ومتعرفش توصل.
فضلت تحاول كذا مرة، لحد ما بدأت تتنرفز وتطلع أصوات
آااه... إيييه...
قربتلها رجلها من بقها.
عضتها.
وهدت فورًا.
بصيت عليها وقلت لنفسي
بالمدى الحركي ده...
دي لو حاولت ترمي الشخشيخة بره الشباك هتحتاج ونش.
طب عم صبري عايز إيه؟
الراجل ده أكيد مش مجنون.
بالليل، حوالي الساعة تسعة، كنت خلصت تنويم ليلى ونزلت أرمي الزبالة.
أول ما باب الأسانسير اتفتح...
لقيت عم صبري قدامي.
كان لابس روب شتوي تقيل، وماسك براد شاي صغير في إيده.
أول ما شافني، عمل صوت استهجان وقال
وصلك الاستدعاء؟
ابتسمتله.
وصل.
وبعدين سألته
عم صبري... حضرتك بجد ناوي تكمل في الموضوع ده؟
قال بمنتهى البرود
ترابيزتي تمنها أكتر من مليون ونص، واتكسر منها حتة. طبعًا هكمل.
قلت
بس حضرتك كاتب في الدعوى مليون و ألف تقريبًا.
رد
ده السعر بعد حساب الاستهلاك.
وبصلي من فوق لتحت.
ولو مش معاكي تدفعي، اركعي قدامي واطلبي مني السماح، وساعتها ممكن أفكر أسحب القضية.
فضلت باصة له ثانيتين.
وقلت
عم صبري... بنتي عندها أربع شهور.
رد
دي مشكلتك.
ومد إيده يدوس على زر الأسانسير.
مين قالك متعرفيش تربي بنتك؟
قلت
البنت لسه مش عارفة تتقلب لوحدها.
قال
الكاميرا صورتها.
وقفت.
كاميرا إيه؟
قال
كاميرا البلكونة عندي. مصورة جسم طاير من شباك شقتكم، خبط في الترابيزة.
ضيقت عيني.
جسم؟
كررتهاله ببطء.
يعني الكاميرا مصورتش بنتي وهي بترميه؟
اتغيرت ملامح عم صبري للحظة.
وبعد عينه عني وقال
الحاجة خرجت من شباك شقتك. لو مش بنتك اللي رمتها، يبقى مين؟
وصل الأسانسير.
دخل.
وداس زرار قفل الباب.
وقبل ما الباب يقفل، بصلي وقال
أشوفك في المحكمة يا نهى. ومتقوليش إني محذرتكيش... المحامي بتاعي بياخد الساعة بأكتر من ألفين جنيه.
باب الأسانسير اتقفل.
فضلت واقفة مكاني وأنا قابضة على كيس الزبالة.
الراجل العجوز ده...
أكيد مخبي حاجة.
رجعت الشقة وحكيت لأمي كل اللي حصل.
أمي ضربت كف على الترابيزة وقالت
ما ده ابتزاز يا بنتي!
قلت
بيقول عنده تسجيل كاميرا.
قالت
كاميرا إيه اللي هتصور طفلة أربع شهور بترمي حاجة من الشباك؟!
قلت
هو مقالش إن الكاميرا صورت ليلى. قال صورت حاجة خارجة من شباك شقتنا.
أمي سكتت فجأة.
وبعدين سألت
قال يوم 12 أكتوبر؟
قلت
أيوه.
قالت
اليوم ده أنا كنت عندك هنا.
افتكرت.
صح. إنتِ كنتِ قاعدة مع ليلى وأنا كنت رايحة للدكتور أعمل متابعة بعد الولادة.
قالت أمي
وأنا اليوم ده قعدت طول العصر في الصالة بتفرج على التلفزيون. أنا أصلًا ما فتحتش الشباك.
سألتها
متأكدة؟
قالت بمنتهى الثقة
طبعًا متأكدة! الجو كان برد وأنا كنت خايفة الهوا ييجي على ليلى، فقفلت الشبابيك كلها كويس.
هزيت راسي.
كده...
مستحيل أصلًا تكون أي حاجة خرجت من شباك شقتنا.
عم صبري بيكدب.
لكن ليه؟
ليه راجل في أواخر الخمسينات، وعنده شغل وفلوس، يخترع قصة سخيفة بالشكل ده ويرفع قضية على طفلة رضيعة؟
مليون و ألف جنيه تقريبًا.
المبلغ مش صغير.
وراجل أعمال زي عم صبري مستحيل يدخل قضية بالشكل ده من غير سبب.
هو عايز إيه؟
فضلت أفكر طول الليل.
وموصلتش لإجابة.
تاني يوم، كريم جه عندي عشان يعاين المكان بنفسه.
وقف عند الشباك.
وبص لفوق ناحية بلكونة الدور الخامس.
وبعدين قال
مستحيل.
قلت
إيه؟
شاور بإيده.
الاتجاه غلط تمامًا. شباكك ناحية