محاكمة بنتى الرضيعة

لمحة نيوز

الجنوب، والبلكونة بتاعته ناحية الشمال. حتى لو رميتي حاجة من هنا بقوة، مش هتدخل عنده بالطريقة اللي هو بيقول عليها.
قلت
أمال الكاميرا بتاعته صورت إيه؟
ابتسم كريم.
في المحكمة هنطلب منه يقدم التسجيل كامل.
وبعدين ضحك وقال
متقلقيش. القضية دي موقفنا فيها قوي جدًا. أنا بس متشوق أشوف وش القاضي لما يعرف سن المدعى عليها.
ضحكت.
أنا كمان كنت متشوقة.
بس قبل ده كله...
كان عندي مشكلة عملية أهم.
مين هيقعد مع بنتي يوم المحكمة؟
ما هي المدعى عليها لازم تحضر، صح؟
ومدعى عليها عندها أربع شهور!
بصيت لليلى.
كانت نايمة قدامي وبتعمل فقاقيع صغيرة من اللبن ببقها.
قربت منها وقلت
يا ليلى... دي أول قضية في حياتك يا حبيبتي.
فتحت عينيها وبصتلي.
وبعدين ابتسمت.
والريالة نزلت على دقنها.
قلت
شدي حيلك بقى.
02
يوم المحكمة صحيت من بدري جدًا.
حمّمت ليلى.
ولبستها سلوبت نظيف لونه وردي، عليه رسمة أرنب صغيرة عند الصدر.
أمي كانت واقفة جنبي، رايحة جاية من التوتر.
وقالت
ما تكلمي المحكمة وتقولي لهم إن البنت صغيرة ومش هتعرف تيجي؟
قلت
مينفعش يا ماما. لو المدعى عليها ما حضرتش، ممكن المحكمة تنظر القضية في غيابها، وإحنا مش عايزين نخاطر بأي حاجة.
أمي قالت بعصبية
قوانين إيه دي اللي تجيب رضيعة المحكمة؟!
قلت وأنا بجهز شنطة ليلى
القانون قانون.
حطيت جوا الشنطة
اللبن البودرة.
الببرونة.
الحفاضات.
اللهاية.
بطانية صغيرة.
وهدوم زيادة.
قفلت الشنطة وقلت
تمام، كده كل حاجة موجودة.
أمي بصتلي من فوق لتحت وقالت
إنتِ رايحة المحكمة ولا خارجة بيها فسحة؟
قلت
الاتنين.
كريم جه بالعربية ياخدنا.
أول ما شافني شايلة ليلى بإيد والشنطة بالإيد التانية، وشه اتغير.
وقال
هاتي المتهمة.
ومد إيده خد ليلى مني.
أول ما ليلى راحت في حضنه...
مسكت الكرافتة بتاعته بكل قوتها.
كريم اتخض.
لأ لأ لأ! سيبي دي! الكرافتة دي بتلات تلاف جنيه!
فضل يحاول يفك صوابعها الصغيرة من عليها بحذر.
ليلى اتضايقت.
زمّت بوقها.
وشها احمر.
وكان فاضل ثانية وتعيط.
طلعت اللهاية بسرعة وحطيتها في بقها.
سكتت فورًا.
كريم بصلي.
وبعدين بص لها.
وقال
واضح إن المتهمة عنيفة فعلًا.
وصلنا المحكمة.
وعند التفتيش الأمني، الموظف أخد الاستدعاء مني.
بص فيه.
وبعدين بص لليلى اللي في حضني.
رجع بص للورقة.
وبعدين بص لليلى تاني.
وشه كان حكاية لوحده.
سألني بتردد
هي دي... المدعى عليها؟
قلت
أيوه.
فتح بقه كأنه هيقول حاجة.
وبعدين غير رأيه.
وشاور لنا ندخل.
دخلنا قاعة المحكمة.
عم صبري كان وصل قبلنا.
لابس بدلة سودا وكرافتة، وقاعد بكل ثقة.
جنبه محاميه، راجل أصلع في منتصف الأربعينات تقريبًا، وحاطط قدامه ملف كبير مليان أوراق.
أول ما عم صبري شافني داخلة وليلى في حضني...
اتصدم للحظة.
وبعدين وشه اتقلب.
وقال
نهى! إنتِ بتعملي إيه؟!
بصيتله باستغراب مصطنع.
قلت
إيه؟
شاور على ليلى.
جايبة البنت هنا ليه؟!
قلت بهدوء
المدعى عليها حضرت.
ومشيت ناحية مكاننا.
قعدت على كرسي المدعى عليه...
وحطيت ليلى على رجلي.
في اللحظة دي، باب جانبي في القاعة اتفتح.
الكل وقف.
القاضي دخل.
قعد في مكانه، فتح الملف، وبص في الأوراق قدامه.
قال اسم عم صبري.
وبعدين قال
المدعى عليها... ليلى سالم؟
قلت
حاضرة يا سيادة القاضي.
رفع القاضي عينه.
بص ناحيتي.
وبعدين نزل بعينه على ليلى اللي قاعدة فوق رجلي.
وسكت.
ثانية...
ثانيتين...
تلاتة.
بص في الملف تاني.
وبعدين رجع بص لليلى.
وأخيرًا سأل
المدعى عليها... بتعرف تقعد لوحدها أصلًا؟
القاعة كلها سكتت.
أما ليلى...
فبصت للقاضي بمنتهى البراءة.
وبعدين طلعت تكريعة صغيرة.
وبصت لإيدها.
كانت مليانة ريالة.
وأنا في اللحظة دي...
كنت لسه معرفش إن السؤال الساخر ده هيكون أول خيط يكشف السبب الحقيقي وراء القضية كلها...
وإن ترابيزة خشب الورد المكسورة...
مكنتش هي الحاجة الوحيدة اللي عم صبري كان بيحاول يخبي حقيقتها.
في اللحظة دي فهمت كل حاجة.
عم صبري أصلًا ما كانش فارق معاه يكسب القضية ولا يخسرها.
هو كان عايز يتعبني.
يضايقني.
ويحسسني إن وجودي في العمارة هيبقى جحيم طول ما أنا واقفة له ومش سايباه يعمل اللي هو عايزه.
من سنة تقريبًا، أول ما نقلت الشقة دي، حصل بيني وبينه أكتر من مشكلة.
مرة كان بيعمل تشطيبات في شقته، والعمال كانوا بيسحبوا الأثاث ويخبطوا في الأرض لحد نص الليل.
استحملت يوم.
واتنين.
وتلاتة.
وفي الآخر كلمت إدارة العمارة وقدمت شكوى رسمية.
عم صبري يومها اتجنن.
شاف إن إزاي واحدة أصغر منه تشتكيه!
وبعدها بفترة حصلت مشكلة تانية.
سقف شقتي بدأ ينقط مياه.
في الأول كانت نقطة صغيرة في ركن الصالة.
وبعدين البقعة كبرت.
وبعد كام يوم الدهان بدأ يقع.
طلعت له وقلت
عم صبري، في تسريب جاي من عند حضرتك.
رفض حتى يدخل يشوف.
وقال بمنتهى الثقة
المشكلة عندك إنتِ. أكيد المواسير عندك بايظة والمياه راجعة.
قلت
المياه راجعة لفوق يعني؟
قال
أنا مالي؟ هاتي حد يكشف.
جبت شركة متخصصة.
والفنيين كشفوا على كل حاجة.
وفي الآخر النتيجة طلعت واضحة جدًا.
المشكلة من شقته هو.
ماسورة من مواسير التدفئة الأرضية عنده كانت مكسورة، والمياه بتتسرب منها وتنزل عندي.
الموضوع كله كلف حوالي عشرين ألف يوان وقتها ما بين إصلاحات وتعويض عن التلفيات.
وطبعًا...
اضطر يدفع.
من اليوم ده، عم صبري بقى شايل مني.
كل ما يشوفني في مدخل العمارة يعمل نفسه مش شايفني.
ولو حد من السكان اتكلم معاه عني، يقول
دي ست وجع دماغ.
ومرة سمعت إنه وصفني قدام الناس وقال
نهى دي شوكة في الزور... واحدة صعبة جدًا في التعامل.
مع إن كل اللي عملته إني رفضت أدفع تمن أخطاء غيري.
ودلوقتي...
ترابيزة عنده اتكسرت بسبب حجر هو نفسه مش عارف جه منين.
فأول حد فكر يرمي عليه التهمة كان أنا.
ولما حب يضغط عليّ أكتر...
ما رفعش القضية عليّ أنا.
لأ.
رفعها على بنتي الرضيعة.
لأنه غالبًا افتكر إن ست لوحدها معاها طفلة صغيرة، هتخاف من المحاكم والمحامين والكلام ده كله.
هتقول لنفسها
وجع الدماغ ده كله ليه؟
وتدفعله كام ألف وخلاص.
خصوصًا لما وقفني عند الأسانسير وقال لي
لو مش معاكي تدفعي، اركعي قدامي واطلبي مني أسحب القضية.
دلوقتي بس فهمت ليه قالها.
هو فعلًا كان متأكد إني هخاف.
بصيت ناحية عم صبري.
وشه كان أحمر من العصبية.
إنما الغريب إني أنا كنت هادية جدًا.
هدوء عمري ما توقعت إني أحسه وأنا قاعدة في محكمة وبنتي عندها أربع شهور متهمة بتكسير ترابيزة تمنها أكتر من مليون جنيه.
ليلى اتحركت فوق رجلي.
وضمت صوابعها الصغيرة لبعض.
وبعدين رفعت راسها ناحية لمبات السقف.
كانت فاتحة بقها على شكل حرف O، وباصّة للنور بفضول، كأن كل اللي حواليها ده رحلة جديدة ومسلية.
ابتسمت من غير ما أحس.
يا بنت المجانين...
إنتِ مش فاهمة إنك متهمة في قضية!
في اللحظة دي القاضي قال
دفاع المدعى عليها، هل لديكم طلبات أخرى؟
كريم وقف.
فتح الملف اللي قدامه وقال
نعم يا سيادة القاضي.
عم صبري بصله بتوتر.
كريم قال بوضوح
نتقدم بطلب مقابل.
محامي عم صبري رفع راسه بسرعة.
أما عم صبري نفسه فقال
طلب إيه؟
القاضي بصله.
من فضلك التزم الهدوء.
كريم بدأ يقرأ
يتمسك دفاع المدعى عليها بأن المدعي، السيد صبري عبد الفتاح، كان يعلم علمًا كاملًا أن المدعى عليها، ليلى سالم، طفلة رضيعة لا تملك أي أهلية قانونية أو قدرة جسدية يمكن معها ارتكاب الفعل المنسوب إليها.
عم صبري بدأ يتحرك في كرسيه.
كريم كمل
وعلى الرغم من ذلك، تعمد إقامة الدعوى ضدها بصورة مباشرة، بهدف ممارسة الضغط على ممثلتها القانونية ووالدتها، السيدة نهى سالم، وإجبارها على دفع مبالغ مالية لا تستند إلى أي أساس.
وش عم صبري بدأ يتغير.
أما كريم فكان بيقرأ بمنتهى الهدوء
ويرى الدفاع أن ما قام به المدعي يمثل إساءة لاستعمال حق التقاضي، وأدى إلى إلحاق أضرار مادية ومعنوية بوالدة المدعى عليها، بالإضافة إلى تكاليف المحاماة وتعطلها عن أعمالها بسبب حضور الجلسات والإجراءات القضائية.
محامي عم صبري مال ناحيته وهمسله بحاجة.
بس عم صبري مكانش مركز معاه.
كان مركز مع كريم.
القاضي سأل
وما طلباتكم تحديدًا؟
قال كريم
أولًا رفض جميع طلبات المدعي.
ثانيًا إلزام المدعي بكامل المصروفات القضائية.
ثالثًا إلزامه بتعويض الممثلة القانونية للمدعى عليها عن أتعاب المحاماة والدخل الذي فقدته نتيجة هذه الدعوى، بالإضافة إلى التعويض عن الضرر المعنوي.
القاضي سأله
وما قيمة التعويض المطلوب؟
كريم رد
خمسون ألف يوان يا سيادة القاضي.
عم صبري انتفض من مكانه.
خمسين ألف؟!
وبص ناحيتي.
وإنتِ بتطالبيني أنا بتعويض؟!
بصيتله من غير ما أرد.
هو رفع صوته
على أي أساس؟!
كريم حتى ما بصلهوش.
كان بيكلم القاضي فقط.
بالإضافة إلى ذلك، يحتفظ موكلونا بحقهم في تقديم بلاغ للجهات المختصة بشأن شبهة محاولة الحصول على أموال بطريق الضغط والابتزاز.
عم صبري ضرب بإيده على الترابيزة وقام واقف.
ابتزاز؟! أنا اللي بابتزكم؟!
القاضي ضرب بالمطرقة بقوة.
تحذير أخير!
القاعة سكتت تمامًا.
القاضي بص ناحية عم صبري وقال
إذا واصلت تعطيل سير الجلسة، ستتخذ المحكمة الإجراءات القانونية ضدك، وقد يتم إخراجك من القاعة.
محامي عم صبري شده من دراعه.
اقعد يا أستاذ صبري.
قعد بالعافية.
ولأول مرة من ساعة ما عرفته...
شوفت الخوف الحقيقي في عينيه.
كأنه فجأة أدرك إنه شال حجر كبير عشان يضربني بيه...
والحجر ده دلوقتي على وشك يقع فوق دماغه هو.
القاضي أعلن استراحة قصيرة.
خرجنا بره القاعة.
قعدت على كرسي في الممر.
ليلى بدأت تتململ.
بصيتلها.
مالك؟
ريحة صغيرة مألوفة وصلتني.
بصيت لكريم.
قال
إيه؟
قلت
المتهمة
تم نسخ الرابط