عاملة النظافة ورجل المافيا
الجزء التاني
استنوا!
الكلمة خرجت من بُق سلمى حسن قبل حتى ما تقرر إنها عايزة تقولها.
وفجأة...
كل اللي في الأوضة لفوا وبصوا ناحيتها.
كانت نظراتهم غريبة، كأن قطعة أثاث موجودة في المكتبة من شهور نطقت فجأة واتكلمت.
الدكتور نادر رشدي رفع ضهره وبصلها، وظهر على وشه ضيق واضح.
نعم؟ بتقولي إيه؟
سلمى أشارت بعينيها ناحية كتف آدم.
صوتها، على عكس اللي كانت متوقعاه، خرج ثابت.
الغرزة.
الدكتور عقد حواجبه.
سلمى كملت
الخيط الأسود اللي فوق عند طرف الجرح... ده مش خيط جراحي.
في اللحظة دي، عيون مراد توفيق اتحولت ناحيتها.
نظرة حادة.
فاحصة.
خلت معدتها تنقبض من التوتر.
نعم؟
سلمى بلعت ريقها وقالت تاني
بقول إن ده مش خيط جراحي.
ملامح الدكتور نادر اتغيرت.
الضيق اللي كان ظاهر عليه اتحول لنظرة فيها استهانة واضحة.
وقال
أنا مقدّر اهتمامك، لكن أنا بقالي تلاتة وعشرين سنة بعمل عمليات. أعتقد إني أقدر أعرف خيط الجراحة لما أشوفه.
سلمى ما رجعتش في كلامها.
أنا ما قلتش إن حضرتك ما تعرفش خيوط الجراحة.
وسكتت لحظة قبل ما تضيف
أنا بقول إن الشخص اللي حط الغرزة دي بالتحديد ما استخدمش خيط جراحي أصلًا.
الصمت وقع على الأوضة.
صمت تقيل لدرجة إن سلمى تقريبًا حسته على صدرها.
مراد بدأ يمشي ناحيتها.
وكل خطوة كان بياخدها كانت بتخليها تحس أكتر بضخامة جسمه مقارنة بيها.
وقف قدامها وسأل
إنتِ مين؟
سلمى حسن. أنا بنضف الجناح الغربي.
مراد كرر كلامها ببرود
بتنضفي الجناح الغربي؟
بصلها من فوق لتحت.
وإنتِ دلوقتي بتقولي لجرّاح متخصص ومعتمد إنه غلطان في نوع الخيط؟
سلمى هزت راسها.
أنا مش بقول إنه غلطان في الجراحة. أنا بتكلم عن الخيط.
وبعدين أخدت نفس وقالت
أمي كانت خياطة أكتر من تلاتين سنة. كانت بتصلح مشمع صناعي، ومعدات بحرية، وأقمشة ومفروشات طبية لمستشفيات. وأنا اتربيت وسط الشغل ده. كنت بعرف أفرز أنواع الخيوط قبل حتى ما أعرف أقرا كويس.
الدكتور نادر ومراد بصوا لبعض.
النظرة اللي اتبادلت بينهم كانت من النوع اللي الكبار بيبصوه لبعض لما طفل يقول حاجة هما شايفينها سخيفة.
الدكتور نادر قال
ده جرح رصاصة، مش مشروع خياطة.
سلمى ردت فورًا
أنا عارفة.
وقربت بعينيها ناحية الخيط.
بس بصوا للونه.
الدكتور سكت.
وبصوا لملمسه وشكله. خيط الجراحة الحقيقي، حتى الأنواع السميكة اللي بتستخدم في الأنسجة العميقة، بيكون ليه لمعة معينة. بيكون ناعم ومتجانس ومصنّع للاستخدام الطبي.
وأشارت ناحية طرف الجرح من غير ما تلمسه.
لكن الخيط اللي ظاهر فوق ده مطفي... مفيهوش اللمعة دي. وطرفه اللي باين فيه تنسيل بسيط.
الدكتور نادر بدأ يبص ناحية الجرح مرة تانية.
سلمى كملت
ده مش خيط طبي أحادي الشعيرة. ده أقرب لحبل أو خيط صناعي... وممكن يكون متشمع أو متعالج بمادة معينة عشان يبقى أصلب.
لأول مرة، نبرة الدكتور نادر اتغيرت.
الاستهانة ما اختفتش بالكامل...
لكن دخل مكانها جزء صغير من الشك.
وسأل
وليه حد أصلًا يستخدم خيط صناعي عشان يقفل جرح رصاصة؟
سلمى ردت بصراحة
معرفش.
وسكتت لحظة.
لكن لو الخيط ده متغطي بطبقة كيميائية... بعض الشموع والمواد اللي بتستخدم في معالجة الخيوط الصناعية فيها مركبات مينفعش تدخل جسم إنسان أصلًا.
الدكتور نادر بقى ساكت تمامًا.
سلمى كملت
وده ممكن يفسر ليه الالتهاب مش بيستجيب لأي مضاد حيوي جربتوه.
مراد سأل
إزاي؟
سلمى بصت له.
لأن جسمه يمكن أصلًا مش بيحارب بكتيريا بس.
وبعدين بصت ناحية آدم.
ممكن جسمه يكون بيتفاعل مع مادة كيميائية غريبة موجودة جواه... مادة الجسم مش قادر يتعامل معاها.
على السرير...
عيني آدم اتفتحت من جديد.
المرة دي كان مركز بالكامل على سلمى.
نظرة قوية لدرجة إنها للحظة حست إنها عايزة تبعد عينيها عنه.
لكن حاجة جواها منعتها.
صوت آدم خرج ضعيف ومبحوح
قولي الكلام ده تاني.
سلمى اتوترت.
يا فندم، أنا مش متأكدة...
آدم قاطعها.
قولي... تاني.
سلمى بلعت ريقها.
وبعدين قالت ببطء
أنا أعتقد إن الشخص اللي قفل أعمق طبقة في الجرح ما استخدمش خيط جراحي حقيقي.
آدم ما شالش عينه من عليها.
كملي.
وأعتقد إن الخيط ممكن يكون عليه مادة معينة... والمادة دي بقالها تلات أسابيع بتسمم أو بتدمر الأنسجة اللي حواليها واحدة واحدة.
الدكتور نادر بص لها.
وسلمى كملت
وعشان كده كل اللي الدكاترة عملوه ما نفعش. لأن المضاد الحيوي مش هيقدر يعالج تفاعل كيميائي.
ملامح مراد اتشدت فجأة.
لف ناحية الدكتور نادر وسأله
مين عمل أول عملية؟
الدكتور اتردد.
وبعدين قال
الدكتور اللي استقبل الحالة ليلة إطلاق النار. هو اللي عمل التدخل الأول قبل ما ننقل الأستاذ آدم هنا حفاظًا على الخصوصية.
مراد سأله فورًا
وهو فين دلوقتي؟
الدكتور نادر سكت ثانية.
قدّم تقريره النهائي... وسافر بره البلد من حوالي أسبوعين.
مراد عينه ضاقت.
سافر فين؟
حسب مكتبه، كان مسافر في مهمة طبية خارج البلد.
الأوضة كلها سكتت.
المعلومة البسيطة دي فجأة ما بقتش بسيطة خالص.
مراد كرر بهدوء
من أسبوعين؟
الدكتور نادر بص له.
مراد كمل
تقريبًا في نفس الوقت اللي حالة آدم بدأت تبطل تستجيب للعلاج.
ولا حد رد.
تنفس آدم بقى أضعف وأقصر.
لكن عينيه فضلت ثابتة على سلمى.
وسألها
إنتِ متأكدة من الخيط؟
سلمى هزت راسها ببطء.
مقدرش أقول مية في المية من غير ما يتعمل له تحليل.
وبعدين قالت بثقة أكبر
لكن أنا قضيت عمري كله تقريبًا وسط الخيوط والأقمشة. والخيط ده...
بصت ناحية كتفه.
مالوش مكان جوه جسم بني آدم.
الدكتور نادر رجع يبص للجرح.
لكن المرة دي...
كان بيبص له بطريقة مختلفة تمامًا.
كأن كلام سلمى خلاه يشوف تفصيلة كانت قدام عينيه طول الوقت ومخدش باله منها.
قرب أكتر.
درس الخيط.
وبعدين قال ببطء
لو كلامها صح...
مراد بص له.
الدكتور كمل
إزالة مادة الخيط دي ممكن تكون الفرق بين إننا ننقذ دراعه وبين إننا نضطر نبتره.
سكت ثانية.
ثم أضاف
وممكن تكون الفرق بين إننا ننقذ حياته... أو نفقده.
مراد قال من غير تردد
يبقى شيله.
الدكتور نادر لف له فورًا.
الموضوع مش بالسهولة دي.
ليه؟
لو الخيط موجود جواه بقاله تلات أسابيع، وإحنا حاولنا نشيله بطريقة غلط، ممكن نسبب نزيف شديد.
مراد سكت.
الدكتور كمل
والأسوأ، لو فعلًا فيه مادة كيميائية متجمعة حوالين الخيط، التعامل الغلط معاه ممكن يحرر كمية منها مباشرة في مجرى الدم.
للحظة...
كل العيون الموجودة في الأوضة رجعت لسلمى.
الممرضات.
الدكتور.
مراد.
حتى آدم نفسه.
ولأول مرة من يوم ما دخلت القصر من ست شهور...
سلمى فهمت إن المرحلة اللي كانت فيها البنت اللي محدش بياخد باله منها انتهت.
من اللحظة دي...
هي بقت في قلب الموضوع.
قالت
محتاجة أشوف الخيط من قريب.
الدكتور نادر عقد حواجبه.
سلمى وضحت بسرعة
مش هلمسه. بس أبص عليه.
وسكتت لحظة.
لو شوفته كويس وشميت ريحته من قريب، ممكن أعرف بالظبط المادة اللي متغطي بيها.
الدكتور نادر اتردد.
وبص ناحية مراد.
مراد اداله إشارة واحدة قصيرة براسه.
الدكتور قال
خمس ثواني.
وأشار ناحية السرير.
وممنوع تلمسي أي حاجة.
سلمى حركت راسها بالموافقة.
وبدأت تقرب.
خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
لحد ما بقت أقرب لآدم الشناوي من أي مرة من يوم ما اشتغلت في البيت.
قربت وشها بحذر من كتفه.
عينيها ثبتت على طرف الخيط الأسود الصغير المدفون وسط الأنسجة المتضررة.
ثانية واحدة...
والريحة ضربت أنفها من جديد.
لكن المرة دي كانت أقوى.
أوضح.
أقرب.
وفجأة...
ملامح سلمى اتغيرت.
معدتها وقعت.
وعينيها وسعت وهي بتبص للخيط.
لأن الذاكرة اللي كانت بتحاول تمسك فيها من شوية...
رجعت كاملة.
ريحة الورشة.
إيدين أمها المحمرين.
المشمع المستورد.
الخيط الأسود.
والمادة اللي كانت أمها بتحذرها طول الوقت إنها ما تلمسهاش بإيديها العارية.
سلمى