جوزى اخدنى اكبر حفلة فى البلد
جوزي خدني معاه أهم حفلة في مستقبله الوظيفي ولما وصلنا، بص لفستاني باحتقار وخبّاني جنب المطبخ عشان محدش يعرف إني مراته.
ولما رئيس الشركة طلب يقابلني، جوزي قدّمني قدامه كأني واحدة من العاملين في الحفلة، وبعدها شدني من دراعي وهمس بين سنانه
ارجعي عند المطبخ إنتِ مكسوفاني الليلة دي.
طلعت موبايلي في نفس اللحظة، وبعت للمحامية رسالة من كلمتين
عايزة أطلق.
كنت فاكرة إن دي أكبر صدمة هتحصل الليلة دي
لكن رئيس الشركة ماكانش باصص لجوزي أصلًا.
كان باصص للسلسلة القديمة اللي في رقبتي.
فجأة أخته وقعت الكوباية من إيدها، ووش الراجل شحب وهو بيقرب مني ويسأل
السلسلة دي معاكي منين؟
قلتله
الحاجة الوحيدة اللي كانت معايا لما أمي لقتني بعد حريق وأنا عندي سنة.
ساعتها بص لأخته في رعب، ورجع بصلي وقال اسم عيلة عمري ما سمعته
وبعدين قال جملة قلبت حياتي كلها
مستحيل إحنا دفناكي من 30 سنة..
الجزء الأول
الليلة اللي قرر فيها أدهم المنشاوي إنه يتظاهر قدام الناس إن مراته واحدة من العاملين في خدمة الحفلة، فهمت ليلى حسن أخيرًا إن جوازها كان بيموت من سنين... وهي بس اللي كانت رافضة تعترف بالحقيقة.
الحكاية حصلت في واحد من أفخم القصور التاريخية في القاهرة، أثناء حفل ضخم بمناسبة مرور 40 سنة على تأسيس مجموعة السيوفي، واحدة من أكبر الشركات العاملة في مجال البنية التحتية والطاقة في مصر.
أدهم كان بقاله شهور بيتكلم عن الليلة دي.
كل يوم تقريبًا كان بيرجع البيت وهو بيتكلم عن أعضاء مجلس الإدارة، وعن الناس المهمة اللي هتحضر، وعن الفرصة اللي ممكن تغير حياته كلها.
لو قدر يلفت نظر مجلس الإدارة ويثبت نفسه قدامهم، كان متوقع يتم تعيينه مديرًا لقطاع التوسع الدولي.
منصب كان بيحلم بيه من سنين.
وليلى وافقت تروح معاه رغم كل المشاكل اللي كانت بينهم.
مش لأنها بتحب الحفلات الكبيرة.
ولا لأنها كانت مهتمة بالمناصب والألقاب.
لكن لأنها، رغم كل حاجة، كانت لسه عايزة تصدق إن جزء من أدهم القديم، الراجل اللي اتجوزته وحبته في يوم من الأيام، لسه موجود جواه.
عشان المناسبة، اختارت فستان أخضر غامق بسيط وأنيق، بأكمام قصيرة وقصة كلاسيكية.
الفستان ماكانش من مصمم مشهور، ولا تمنه عشرات الآلاف.
كانت اشترته من حوالي 6 سنين من محل صغير في مصر الجديدة، وفي نفس عصر يوم الحفلة لاحظت إن فيه خيط مفكوك من عند الطرف، فقعدت وخيطته بإيديها.
بالنسبة لها، الفستان كان شيك ومحترم ومناسب.
لكن أول ما نزلت من العربية قدام القصر، أدهم بص لها من فوق لتحت وقطب حواجبه.
وقال
ماكانش عندك حاجة تانية تلبسيها؟
ليلى افتكرت في الأول إنه بيهزر.
ضحكت وقالت
إنت قلتلي ألبس شيك، ماقولتليش آخد قرض عشان أشتري فستان.
لكن أدهم ما ضحكش.
بالعكس، ملامحه فضلت متجهمة.
وقال لها
إنتِ عارفة مين هيبقى موجود جوه؟ وزرا، مستثمرين، رجال أعمال، عيلة السيوفي كلها... والفستان ده شكله كأنك جايباه من تصفية آخر الموسم.
الابتسامة اختفت من وش ليلى.
ومن غير ما ترد، رفعت إيدها ولمست السلسلة الفضية الصغيرة اللي كانت لابساها حوالين رقبتها.
في آخر السلسلة كان فيه تعليقة غريبة.
نص شمس.
قطعة فضة قديمة، أطرافها غير منتظمة، ولونها باهت من السنين.
كانت الحاجة الوحيدة اللي فضلت معاها من طفولتها.
الست اللي ربتها، الحاجة زينب حسن، كانت طول عمرها صاحبة مطعم أكل بيتي صغير في شبرا.
ست بسيطة، لكن قلبها كان كبير.
هي اللي ربت ليلى، وعلمتها، ووقفت جنبها لحد ما كبرت واتجوزت.
وماتت قبل 4 سنين بعد مرض سريع.
لكن قبل وفاتها بفترة قصيرة، قالت لليلى سرًا قلب حياتها كلها.
الحاجة زينب...
ماكانتش أمها الحقيقية.
ليلى وقتها افتكرت إنها بتهذي بسبب المرض.
لكن زينب حكت لها كل حاجة.
قالت إنها لقتها وهي طفلة عمرها تقريبًا سنة واحدة، بعد حريق ضخم حصل في عزبة كبيرة بالقرب من طريق القاهرةالإسماعيلية.
الطفلة كانت ملفوفة في بطانية، ومرمية تقريبًا جنب طريق جانبي، وبتعيط لوحدها.
كان تحت عظمة الترقوة عندها أثر حرق صغير.
وفي قبضة إيدها...
كانت ماسكة نص الشمس الفضي ده.
زينب قالت إنها حاولت تطلب مساعدة.
لكن المنطقة وقتها كانت فوضى.
عربيات إسعاف.
مطافي.
شرطة.
ناس بتجري.
ودخان مغطي المكان.
وكان فيه كلام بيتردد إن الحريق ماكانش حادث عادي.
حد كان متعمد يولع في المكان.
زينب خافت.
ومع مرور الساعات، ولما محدش ظهر بيدور على الطفلة قدامها، أخدتها معاها.
وبعد كده ربتها كأنها بنتها بالضبط.
ومن يومها، وعلى مدار 30 سنة كاملة، فضلت السلسلة دي هي الباب الوحيد اللي ممكن يوصل ليلى للماضي اللي ما تعرفش عنه أي حاجة.
مين أبوها؟
مين أمها؟
إيه اللي حصل ليلة الحريق؟
وليه كانت طفلة عمرها سنة مرمية لوحدها جنب الطريق؟
أسئلة كتير فضلت من غير إجابة.
وأدهم عمره ما اهتم.
بالعكس، كان بيكره السلسلة.
وكان دايمًا يقول لها
الحاجة دي شكلها رخيصة... زي الإكسسوارات اللي بتتباع على الرصيف.
وأكتر من مرة طلب منها ترميها.
لكن ليلى كانت دايمًا ترفض.
وفي الليلة دي بالتحديد، رغم اعتراضه على كل حاجة في شكلها، رفضت تشيل السلسلة.
دخلوا القاعة الرئيسية.
وفي اللحظة اللي أدهم دخل فيها...
اتغير.
كأن شخصيته الحقيقية اختفت فجأة.
ابتسامة مثالية ظهرت على وشه.
ضهره اتفرد.
صوته بقى واثق.
وإيده بقت جاهزة تسلم على كل شخص مهم يعدي من قدامه.
في أقل من 10 دقايق، كان سلم على 3 من أعضاء مجلس الإدارة، واتكلم مع نائبين في البرلمان، واتعرف على مدير صندوق استثمار أجنبي.
وليلى كانت ماشية وراه بهدوء.
لحد ما فجأة قرب منها وقال بصوت واطي
ماتفضليش لازقة فيا كده.
ليلى بصت له باستغراب.
لازقة فيك؟ أنا مراتك يا أدهم.
رد بسرعة
عشان كده بالذات.
يعني إيه؟
بص حواليه عشان يتأكد إن محدش سامعهم.
وبعدين قال
مش عايز أسئلة محرجة عن أهلك، ولا عن شبرا، ولا عن المطعم اللي اتربيتي فيه.
الكلام نزل عليها كأنه ضربة في صدرها.
فضلت باصة له ثواني.
وبعدين سألته
إنت مكسوف من أصلي؟
أدهم ما ردش فورًا.
بص حواليه مرة تانية، وكأن أهم حاجة عنده إن محدش يشوف المشهد.
وبعدين قال
أنا مكسوف إنك مش بتفهمي إمتى المفروض تختفي.
وأشار ناحية منطقة قريبة من أبواب الخدمة والمطبخ.
اقفي هناك شوية.
ليلى بصت في الاتجاه اللي بيشاور عليه.
جنب المطبخ؟
أيوه.
وليه؟
لو حد سألك، قولي إنك بتساعدي في تنظيم الحفل.
ليلى بصت له.
والمرة دي ما جادلتش.
مش لأنها أطاعته.
ولا لأنها اقتنعت بكلامه.
لكن لأن في اللحظة دي تحديدًا...
حاجة جواها بردت تمامًا.
حاجة كانت بتحاول تحافظ عليها سنين ماتت في ثواني.
مشت ناحية المكان اللي قال لها عليه.
وقفت جنب أبواب الخدمة، وفضلت تتفرج من بعيد على جوزها وهو بيتنقل وسط الناس، بيضحك وبيصافح وبيقدم نفسه باعتباره راجل ناجح ومثالي.
الساعة 914 مساءً، واحد من الجرسونات افتكر إنها فعلًا من العاملين، وقرب منها وقال
لو سمحتي، ممكن تساعديني نشيل الكاسات دي؟
ليلى بصت له وابتسمت ابتسامة حزينة.
آسفة... أنا مش شغالة هنا.
الراجل اعتذر ومشي.
الساعة 920، أدهم عدى على بعد أقل من 3 أمتار منها.
ولا حتى بص لها.
كأنها فعلًا مش مراته.
وكأنها مش موجودة.
وفي اللحظة دي، ليلى طلعت موبايلها.
فتحت رقم محامية كانت تعرفها من زمان، اسمها نهى فؤاد.
وبعتت لها رسالة قصيرة
محتاجة أقابلك بكرة الصبح. الموضوع طلاق. وعايزة أعرف حقوقي كاملة قبل ما أرجع آخد حاجتي من البيت.
قفلت الموبايل.
ولأول مرة من سنين، ماحستش بخوف.
الساعة 927 مساءً...
القاعة كلها اتحركت فجأة.
رئيس المجموعة وصل.
الحاج جلال السيوفي، 74 سنة.
دخل القاعة ومعاه أخته مديحة السيوفي.
وفي ثواني، طريقة وقوف الناس نفسها اتغيرت.
أعضاء مجلس الإدارة قربوا.
رجال الأعمال اتحركوا ناحيته.
والموظفين الكبار وقفوا يسلموا عليه.
أما أدهم...
فكأنه كان مستني اللحظة دي من شهور.
اتحرك بسرعة عشان يستقبله.
صافحه بحرارة، وبدأ يتكلم معاه.
وبعد دقايق قليلة، جلال سأله سؤالًا بسيطًا
مراتك جت معاك النهارده؟
أدهم سكت لحظة.
لحظة واحدة بس.
لكن ليلى، اللي كانت واقفة على مسافة قريبة، لاحظتها.
وسمعته وهو بيقول
موجودة هنا طبعًا... بس هي هادية شوية. مش بتعرف تتأقلم قوي مع الأجواء دي.
جلال ابتسم وقال
طب ما تعرفنا عليها.
ملامح أدهم اتغيرت للحظة.
ماكانش عنده مفر.
لف ناحية ليلى وناداها.
ليلى... تعالي.
ليلى مشيت ناحيتهم بهدوء.
ولما وصلت، أدهم قال
دي ليلى... هي بتساعد شوية في تنظيم الحفل النهارده.
ليلى بصت له مباشرة.
هو فعلًا عملها.
قدام رئيس الشركة.
بدل ما يقول دي مراتي...
قدمها كأنها واحدة من العاملين.
وبعدين لاحظ إن جلال بيبص ناحية فستانها.
فاتوتر أكتر، وقال بسرعة
حضرتك عارف بقى... هي عمرها ما كانت بتفهم قوي في البروتوكولات والحاجات دي.
ليلى تجاهلت كلامه.
مدت إيدها لجلال وقالت
تشرفت بحضرتك.
لكن جلال ما مدش إيده.
فضل ثابت مكانه.
وعينيه مش على وشها.
كان بيبص ناحية رقبتها.
بالتحديد...
للسلسلة.
ليلى لاحظت إن لون وشه اتغير.
أما مديحة، أخته، فأول ما شافت التعليقة...
إيدها ارتعشت.
الكوباية اللي كانت ماسكاها وقعت منها.
واتكسرت على الأرض.
صوت الزجاج خلّى اللي حواليهم يلفوا ناحيتهم.
مديحة كانت باصة لليلى كأنها شافت شبح.
وهمست
جلال...
أدهم ضحك بتوتر، محاولًا يعدي الموقف.
وقال
ماتقلقوش... دي مجرد سلسلة قديمة. بقالي سنين بقول لها ماتلبسهاش. شكلها رخيص أصلًا.
وبعدين مد إيده ومسك ليلى من دراعها.
ضغط على دراعها وهو بيهمس من بين سنانه
ارجعي عند المطبخ.
ليلى حاولت تسحب إيدها.
لكنه شدها أكتر.
وقرب منها وهمس
إنتِ مكسوفاني الليلة دي.
وفجأة...
جلال السيوفي رفع عينيه من السلسلة.
كل الهدوء اللي كان على وشه اختفى.
وبص لأدهم.
وصوته خرج عالي وحاد لدرجة إن الكلام اللي في المنطقة اللي حواليهم سكت.
وقال
شيل إيدك عن الست دي فورًا.
أدهم اتجمد.
وساب دراع ليلى.
يا فندم، أنا بس...
لكن جلال ماكانش بيسمعه أصلًا.
كان بيبص للسلسلة.
قرب خطوة من ليلى.
وصوته اتهز لأول مرة.
السلسلة دي... جتلك منين؟
ليلى لمست نص الشمس.
كانت معايا وأنا طفلة.
مديحة حطت إيدها على بوقها.
جلال سأل
مين أهلك يا بنتي؟
ليلى سكتت لحظة.
ثم قالت
معرفش.
ملامح جلال انهارت.
وبص لأخته.
مديحة كانت دموعها بدأت تنزل.
ثم رجع جلال بعينيه لليلى وسألها
عندك كام سنة؟
واحد وتلاتين.
اتولدتي فين؟
معرفش.
واللي ربتك... قالتلك إنها لقتك فين؟
ليلى بدأت تحس إن قلبها بيدق بسرعة.
بعد حريق... في عزبة على طريق القاهرةالإسماعيلية.
مديحة شهقت.
لكن جلال كان عنده سؤال أخير.
عندك علامة حرق صغيرة... تحت عظمة الترقوة؟
ليلى اتجمدت.
أدهم بص لها.
هو حضرتك عرفت منين؟
لكن جلال تجاهله تمامًا.
مد إيده المرتعشة ناحية نص الشمس، من غير ما يلمسه.
وبعدين نطق اسمًا...
اسم عيلة ليلى عمرها ما سمعته في حياتها.
اسم اختفى من الصحف والسجلات من حوالي 30 سنة بعد الحريق الغامض.
وقال بصوت مخنوق
البدراوي...
ليلى همست
مين البدراوي؟
مديحة بدأت تعيط.
أما جلال، فبص لها كأنه أخيرًا لقى شخصًا قضى عمره كله بيدور عليه.
وقال
لو السلسلة دي أصلية...
وسكت لحظة.
ثم أكمل
يبقى إنتِ مش ليلى حسن وبس... وإحنا بقالنا 30 سنة فاكرين إن آخر بنت من عيلة البدراوي ماتت في الحريق.
الجزء الثاني
الجملة وقعت على القاعة كأن حد فصل عنها الصوت.
مستحيل إحنا دفناكي من 30 سنة.
بصيت لجلال السيوفي وأنا مش فاهمة إذا كان بيتكلم معايا فعلًا، ولا مع شبح شايفه مكاني.
أدهم كان أول واحد استعاد صوته.
ضحك ضحكة متوترة وقال
يا جماعة أكيد فيه سوء تفاهم ليلى أصلًا اتربت في شبرا، ووالدتها كانت عندها مطعم صغير و
جلال لف له ببطء.
أنا ما سألتكش.
أدهم سكت فورًا.
أما مديحة، فكانت عينيها معلقة بالسلسلة.
قربت مني خطوة وقالت
ممكن أشوفها؟
مسكت نص الشمس بإيدي بتلقائية.
طول عمري كنت بحس إن القطعة دي آخر حاجة بتربطني بالحاجة زينب وبالماضي اللي ماعرفوش.
قلت
من غير ما أشيلها.
هزت مديحة راسها.
قربت وبصت للقطعة، وبعدين قلبتها بإصبع مرتعش.
على ظهرها كان فيه نقش صغير جدًا.
3 حروف متآكلة من الزمن
ن. ب. ر
مديحة شهقت.
نادية بدران الراوي.
بصيت لها.
مين دي؟
لكن جلال هو اللي رد
أمك.
حسيت الأرض بتتحرك تحتي.
إيه؟
اسم أمك كان نادية بدران الراوي.
قلت بسرعة
حضرتك ماتعرفنيش.
عارف السلسلة.
ممكن يبقى فيه واحدة شبهها.
مفيش.
قالها بثقة غريبة.
وبعدين مد إيده