الجرسون اللى انقذ حياتى
لما جوزي رفع كوباية العصير وقال قدام الكل إنتِ أهم ست في حياتي... كنت خلاص هاشرب العصير اللي كل الموجودين كانوا مستنيينني أشربه. لكن في اللحظة الأخيرة، جرسون عمل نفسه اتكعبل، وبعدني عن القاعة، ووراني تسجيل خلاني أكتشف إن العشا العائلي ده ماكانش احتفال... كان فخ بيتجهزلي من شهور.
الجزء الأول
شركة قيمتها 15 مليار جنيه ماينفعش مستقبلها يفضل متعلق بمزاج ست مرهقة ومش قادرة تركز.
قالت الحاجة سعاد الجملة وهي بترفع كوبايتها قدام الكل، كأنها بتعلن حقيقة مقدسة محدش من حقه يعترض عليها.
مريم فؤاد حست إن الكلام خبطها في صدرها أقوى من القلم.
كانوا قاعدين في قاعة خاصة جوه واحد من أفخم المطاعم في القاهرة، بإطلالة رائعة على النيل وأنوار المدينة، والسفرة قدامهم مليانة بأغلى أنواع الأكل استاكوزا، فيليه بصوص فاخر، ريزوتو، وأطباق متزينة بعناية، وكاسات لامعة بتعكس ابتسامات شكلها مهذب... لكن وراها حاجة مش مريحة.
العشا كان معمول علشان يحتفلوا بفوز مجموعة فؤاد للتطوير بمشروع ضخم لتطوير واجهة سياحية جديدة، مشروع قيمته حوالي 15 مليار جنيه.
المشروع ده تحديدًا كان حلم أبو مريم، الحاج محمود فؤاد، اللي فضل يسعى وراه لحد آخر يوم في حياته.
ومريم، باعتبارها بنته الوحيدة ورئيسة مجلس إدارة المجموعة بعد وفاته، كانت هي اللي وقّعت العرض النهائي.
هي اللي تفاوضت مع البنوك.
وهي اللي قعدت ليالي كاملة تراجع الرسومات والمخططات والأرقام لحد الفجر.
وهي اللي وقفت قدام اللجنة ودافعت عن كل رقم وكل بند لحد ما الشركة كسبت المشروع.
لكن الغريب...
إن الليلة دي محدش تقريبًا كان بيحتفل بيها هي.
كل العيون كانت متوجهة ناحية جوزها، أحمد رياض، وكأنه هو اللي أسس الشركة من الصفر وبناها بإيده.
أحمد قام من مكانه وهو لابس بدلته الرمادي المكوية بعناية.
ابتسم بنفس الابتسامة الهادية اللي مريم طول سنين جوازهم كانت فاكرة إنها معناها الأمان والحماية.
رفع كوباية، وبعدها مسك كوباية عصير جزر بالبرتقال وحطها بنفسه قدام مريم.
وقال
أنا عايز أشرب نخب مراتي.
بص لها بابتسامة وكمل
من غير مريم، أنا ماكنتش هوصل للمكان اللي أنا فيه النهارده. مريم هي أهم ست في حياتي.
التصفيق ملأ القاعة.
مريم مسكت كوباية العصير...
لكنها ما شربتش.
كان فيه حاجة غريبة في التصفيق.
حاجة خلت جسمها يتوتر من غير ما تعرف السبب.
التصفيق ماكانش فيه دفء.
ماكانش فيه حب.
كان صوته في ودنها عامل زي صوت مسامير بتتدق واحدة ورا التانية في لوح خشب.
محمود، أخو أحمد الأصغر، خبط أخوه على ضهره وهو بيضحك وقال
بصراحة لازم نعترف بالحق. مريم ذكية جدًا، ومحدش يقدر ينكر ده... لكن مواقع البناء والمقاولين والموردين والنقابات والمسؤولين... الحاجات دي محتاجة راجل بإيد تقيلة يعرف يتصرف.
وبص لأحمد بفخر.
ومن ساعة ما أحمد بدأ يمسك صلاحيات أكتر، مجموعة فؤاد أخيرًا بقت شكلها شركة بجد.
مريم حطت كوباية العصير على السفرة بهدوء.
وبصت لمحمود مباشرة.
يعني إيه؟ بابا بنى الشركة دي على مدار 30 سنة بالحظ يا محمود؟
السكوت نزل على السفرة في ثانية.
داليا، أخت أحمد، نزلت الموبايل شوية من قدام وشها.
كانت بتصور كل حاجة تقريبًا.
ومن يوم ما مريم عيّنتها في إدارة التواصل الداخلي بالشركة، النشرات والأخبار الداخلية بدأت تبقى كلها تقريبًا صور لأحمد.
أحمد لابس خوذة في موقع بناء.
أحمد واقف قدام مخططات.
أحمد بيسلم على مستثمرين.
أحمد بيتكلم وسط الموظفين.
أما مريم؟
كانت صورها دايمًا وهي بتوقّع ورق.
أو قاعدة على مكتبها ووشها مرهق من السهر.
أو متصورة من جنب.
كأنها مجرد ظل جوه الشركة اللي أبوها بناها واللي هي نفسها بتديرها.
داليا ابتسمت ابتسامة مصطنعة وقالت
يا مريم، بلاش تبقي حساسة أوي. أنا بس بصور شوية حاجات علشان جروب الشركة الداخلي. الموظفين لازم يشوفوا مين اللي بياخد الشركة للمرحلة الجديدة.
الحاجة سعاد عدلت عقد اللولي اللي حوالين رقبتها وقالت ببرود
الست ممكن تورث كرسي يا مريم... بس مش معنى كده إنها تبقى قادرة تشيل مسؤوليته.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل
المفروض تحمدي ربنا إن ابني ما سابكيش لوحدك.
مريم حست إن الدم طلع لوشها.
لكنها ما ردتش.
بدل كده، بصت ناحية الباب الجانبي للقاعة.
كان واقف هناك شريف، ابن عم أحمد ورئيس الأمن الجديد في الشركة.
كان ماسك موبايله وبيبص فيه، ومن أول العشا تقريبًا ما لمسش الأكل.
من يوم ما شريف استلم منصبه، بدأت حاجات غريبة تحصل.
كاميرات الدور التنفيذي كانت بتعطل بالصدفة في نفس الأوقات تقريبًا اللي الحاج عزت منصور، شريك أبوها القديم، كان بيطلب يقابلها فيها.
وكمان كذا ميعاد بينها وبين مدام عايدة حمدي، المحاسبة اللي اشتغلت مع أبوها أكتر من 25 سنة، اتلغى بشكل غامض.
عايدة نفسها كانت اتفصلت من الشركة قبل كده بسبب اتهامها بتسريب معلومات سرية.
اتهام مريم عمرها ما اقتنعت بيه بالكامل.
أحمد مد إيده وحط قطعة استاكوزا في طبق مراته وقال بصوت حنين
كلي يا حبيبتي.
ابتسم لها.
إنتِ بقالك فترة بتشتغلي أكتر من اللازم. النهارده استمتعي بس وسيبي كل حاجة عليا.
مريم ما ردتش.
بصت لكوباية العصير اللي قدامها.
الغريب إن كل الموجودين تقريبًا كانوا مستنيينها تشرب.
داليا رفعت موبايلها تاني ووجهت الكاميرا ناحيتها.
محمود كان مبتسم، لكن ابتسامته كان فيها نفاد صبر غريب.
الحاجة سعاد مركزة معاها كأنها مستنية من مرات ابنها تنفذ المطلوب.
أما شريف...
فوقف يكتب على موبايله فجأة.
ورفع عينه.
وبص مباشرة ناحية كوباية العصير البرتقالي.
مريم مدت إيدها.
مسكت الكوباية.
ورفعتها ناحية شفايفها.
وفي اللحظة اللي كانت هتشرب فيها...
جرسون شاب كان معدي جنبها اتكعبل فجأة.
وفي ثانية واحدة، كب عليها إبريق كامل من المية الساقعة.
آآه!
مريم قامت من مكانها مفزوعة.
المية غرقت فستانها الأخضر الزمردي بالكامل.
الحاجة سعاد خبطت إيدها على السفرة وصرخت
إنت غبي؟! إحنا قاعدين في مطعم فاخر ولا قهوة على الطريق؟!
محمود قام من مكانه بعصبية.
هاتوا مدير المطعم حالًا! إنتوا عارفين العشا ده مهم قد إيه؟!
داليا نزلت الموبايل بسرعة.
أما شريف...
فتحرك خطوتين من مكانه عند الباب الجانبي.
وأحمد كان أول واحد يقوم من على الكرسي.
لكن في اللحظة دي...
مريم لاحظت حاجة خلت ضهرها كله يسقع.
جوزها ما بصش لفستانها المبلول.
وما بصش للجرسون.
ولا حتى سألها إذا كانت كويسة.
أحمد كان باصص على حاجة واحدة بس.
كوباية العصير.
الكوباية اللي مريم ما شربتش منها.
واللي لسه موجودة زي ما هي فوق السفرة.
الجرسون الشاب وطى راسه بسرعة.
مريم لمحت الاسم المكتوب على البطاقة المثبتة على قميصه.
يوسف.
قال وهو عامل نفسه مرتبك
أنا آسف جدًا يا فندم. من فضلك اسمحيلي أوصلك للحمام علشان نساعد حضرتك في تنظيف الفستان. والمطعم طبعًا هيتحمل المسؤولية كاملة.
أحمد مد إيده بسرعة علشان يمسك دراع مريم.
أنا أروح معاكي.
لكن مريم سحبت إيدها منه.
لأ.
بصت له للحظة.
خليك مع الضيوف. أنا هرجع حالًا.
ولفت ومشيت ورا يوسف.
خرجوا من القاعة ودخلوا الممر الطويل المفروش بالسجاد.
كل خطوة كانت بتبعدها أكتر عن صوت الضحك والمزيكا والكلام اللي جوه.
ولما بقوا بعيد بما يكفي عن باب القاعة...
يوسف وقف فجأة.
وفي اللحظة دي اختفى تمامًا شكل الجرسون الغلبان اللي اتكعبل بالغلط.
وشه كان شاحب.
وإيديه كانوا بيترعشوا.
بص لمريم وقال بصوت واطي جدًا
مدام مريم...
هي عقدت حواجبها.
يوسف بص وراه ناحية القاعة كأنه خايف حد يكون خرج وراهم.
وبعدين قرب منها وهمس
أوعي ترجعي للسفرة دي.
مريم وقفت مكانها.
إنت قلت إيه؟
يوسف بلع ريقه.
الخوف كان واضح في عينيه.
لو حضرتك شربتي العصير اللي قدامك ده...
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي جمدت الدم في عروقها
مش هتخرجي من المطعم ده على رجلك.
مريم فضلت باصة له من غير ما تنطق.
صوت المزيكا اللي جاي من القاعة اختفى من دماغها تمامًا.
وفي اللحظة دي بس...
فهمت.
المية اللي اتكبت على فستانها ماكانتش الحادثة.
يوسف ما اتكعبلش.
وماكانش فيه أي غلطة.
هو كان بيحاول يمنعها من إنها تشرب.
لأن الحادثة الحقيقية...
كانت هتحصل لو كوباية العصير دي وصلت لشفايفها.
لكن مريم لسه ماكنتش تعرف إن الموضوع أكبر بكتير من كوباية عصير.
ولا إن العشا العائلي اللي كانت قاعدة فيه من دقائق...
كان مجرد آخر خطوة في خطة بيتم تجهيزها ضدها من شهور.
وإن الشخص اللي كانت فاكرة إنه أقرب إنسان