اخت جوزى على طول مقلبة فلوسى
القهوة اللي هدم البيت ده وصغر حجمه.. اللي هدمه وضيع الأمان هو قرار استخدام العنف والتشويه لفرض الطاعة والإذلال والسرقة.
شريف وطى راسه في الأرض وعينه في الأرض من الخزي. وبسمة انفجرت في العياط والصويت، بس مكانش عياط ندم أو أسف على اللي عملته في منار.. دي عيطت لما سمعت الحكم بإنها ملزمة قانوناً بترجيع كل المليمات والمبالغ اللي اتسحبت من الحساب فوراً مع دفع تعويض مالي كبير، وإلا الحبس. والحاجة ربيعة قعدت تبرطم وتدعي وتقول إن منار خربت بيت بنتها وابنها ودمرت العيلة.
منار سمعت كلام الأم وهي خارجة من المحكمة على السلم.. وقفت على الرصيف برة في الشمس، فالست الكبيرة قربت منها وقالتلها بغل وحسرة
يارب تكوني ارتحتي وبليتي شرباتك.. سيبتي ابني في الشارع وضيعتي بنتي وخليتيها مجرمة ومحكوم عليها!
منار بصتلها بكل هدوء، عيونها مكانش فيها غل ولا شماتة، كان فيها راحة تامة
لاء يا حاجة.. أنا مبليتش شرباتي، أنا بس مسمحتش لأهلك وبيتك إنهم يضيعوني ويخربوا حياتي أنا.. كل واحد بيشيل شيلته.
الحاجة ربيعة معرفتش تنطق بكلمة ووقفت مكانها مذهولة.. وشريف بصلها لثانية واحدة وهي بتركب العربية مع صاحبتها. زمان، النظرة دي كانت هتخليها تتهز وتشك في نفسها وتحس بالذنب.. إنما النهاردة، مش حاسة غير بمسافة بعد ملايين السنين الضوئية عنه وعن أي حاجة تفكرها بيه.
الطلاق اتم وبشكل رسمي وحُكم لمنار بكل حقوقها ومفيش مليم واحد لشريف في الشقة ولا في أي حاجة تخصها، وفضلت إجراءات النيابة شغال في قضية السرقة والتزوير البنكي لبسمة وشريف. لما كل الدوشة دي خلصت، منار محستش بفرحة وزغاريد قد ما حست بهدوء.. هدوء غريب وواسع وعميق، كأن فيه دوشة وزيطة وموتور كان شغال جوة نفوخها بقاله سنين وفجأة اتطفى بلمسة واحدة وارتاحت.
بعد كم أسبوع، نزلت مع مروة واشترت ترابيزة مدورة خشب من سوق في وسط البلد.. مكانتش غالية ولا فخمة، بس مكانش فيها زوايا حادة ولا تفكرها بالقديمة. حطتها في المطبخ في نفس البارت والمكان اللي كانت فيه الترابيزة المربعة القديمة.
وفي يوم سبت مشمس ولطيف، عزمت مروة، وبنت عمها أمنية، واثنين من زميلاتها المقربين في الشغل. عملوا فطور مصري أصيل على الترابيزة؛ فول بالزيت الحار، وطعمية سخنة، وباتيه، وعصير برتقال فرش وفطير مشلتت. محدش في القعدة كلها جاب سيرة شريف ولا فتح السيرة.. ومحدش طلب تبريرات أو مبررات للي حصل.. ضحكوا من قلبهم وبأعلى صوت، زي الناس اللي بقالها كتير مش عارفة تطلع صوتها من غير خوف أو حسابات.
واحدة من زميلاتها رفعت كوباية الشاي وبسمة صافية وقالت
في نخب البيوت اللي بترجع لصحابها الحقيقيين.. البيوت اللي بتصون اللي بيصونها.
منار حطت صوابعها ولمست العلامة الباهتة اللي في خدها.. مبقتش توجعها ولا تاكلها زي الأول. ساعات بياكلها الوجع مع الشمس الحر، آه.. بس بقت تفكرها باليوم اللي بطلت فيه تاخد إذن أو رخصة من حد عشان تنقذ نفسها وتنقذ حياتها.
بالليل، بعد ما كل المعازيم مشيوا والشقة رجعت هادية، فتحت كرتونة كانت شارياها وركناها مقفولة بقالها شهور في الدولاب.. جواه مكنة قهوة جديدة تماماً وشيك. بصتلها شوية بتأمل.. وبعدين طلعتها وحطتها على الرخامة.. مش عشان نسيت اللي حصل أو تهاونت، بس عشان مكانتش ناوية تسيب لشريف حتى ريحة القهوة ويحرمها منها ومن متعتها طول العمر وتفضل تخاف منها.
عملت فنجان قهوة صغير ومظبوط.. وقعدت جنب الشباك بتبص على الشارع من فوق. برة كان صوت كلاكيس العربيات، وبياع بيمر، وكلب بيهوهو بعيد، وست بتنادي على ابنها من الرصيف.. الحياة برة ماشية وبتتحرك وبتدور.
منار أخدت رشفة وشربت ببطء.. القهوة كانت سخنة وريحتها قالية المكان.. بس مبقتش تحرق. وساعتها فهمت إن البيت مش بيرجع لصحبه بس لما تغير الكوالين والترابيز؛ البيت بيرجع لما الست ترجع تسمع صوتها الداخلي وتكتشف إن كلمة لاء مش بتخليها زوجة وحشة، ولا زوجة ابن عاقة، ولا قاطعة صلة رحم وأصول.. كلمة لاء بتخليها حرة وصاحبة قرارها.