عملت نفسى خدامة
لبست مريلة بيضا ودخلت بيت أهل خطيبة ابني على إني شغالة، كنت عايزة أشوف وشهم الحقيقي.. بس الصدمة مش إن العروسة ضربتني بالقلم، الصدمة إن ابني وقف قدامي وبص في عيني.. وما عرفنيش!
حصرى لموقع لمحة.
يا شغالة يا حقيرة! إياكِ تلمسي حاجة عمرك ما هتقدري تدفعي تمنها في حياتك!
صوت القلم كان ناشف وقوي لدرجة إن المعالق الصغيرة بتاعة طقم الشاي اتهزت ورنت فوق الصينية. مفيش حد اتمرح لثانية، ولا حد اتنفس. الست اللي كانت لابسة المريلة البيضا فضلت واقفة وحاطة إيدها على خدها، وعينها مثبتة في الأرض الرخام. وقدامها، كانت كاميليا عبد العزيز واقفة بفستانها العاجي اللي مصمم مخصوص ليها، وتمنه يعدي مرتب 6 شهور لأي موظف في البيت ده كله.. كانت مبتسمة بنصر وكأنها لسه كسبانة معركة عمرها.
مكانتش تعرف إنها في اللحظة دي بالذات.. خسرت كل حاجة.
اسم نادية الألفي كان ليه وزن وهيبة مرعبة في مصر، بس من غير دوشة. مكانتش من نوع الستات اللي بيجروا ورا مجلات المجتمع عشان صورهم تنزل كل أسبوع، ولا اللي بتتصور وهي بتبتسم جنب المحافظين والوزراء في حفلات الخير. نادية مكانتش بتتصور عشان تدعم القضايا.. هي كانت بتصرف عليها وتمولها. مكانتش بتتباهى بمعارفها وعلاقتها.. هي كانت بالفعل مسنودة على شبكة علاقات تحرك بلد. ولما كان أي رجل أعمال، أو عضو مجلس شعب، أو رئيس بنك ينطق اسم عيلتها، كان لازم يوطي صوته أوتوماتيك احتراماً وهيبة.
بق الها 40 سنة، من يوم ما جوزها اتوفى، وهي شايلة لوحدها مجموعة شركات الألفي فنادق، استثمارات زراعية، شركات تطوير عقاري، ومؤسسات تعليمية وخيرية في نص محافظات الجمهورية. عملت كل ده من غير فضيحة واحدة، من غير حوارات صحفية مالهاش لزمة، ومن غير ما تسمح لمخلوق إنه يخلط بين ذوقها وهدوئها.. وبين الضعف.
ابنها الوحيد، سيف، عنده 29 سنة. طويل، وشخصيته تجذب أي حد، وكريم لدرجة تقرب من الخطر. ورث من أبيه الضحكة الصافية اللي بتدخل القلب، وورث من نادية عينها الحادة والواعية، بس كان لسه م اتعلمش يبص مرتين ورا الوشوش اللي بتنافق وتمدح بزيادة. كان بيصدق في طيبة الناس حتى لو كانت الحقيقة بتصرخ قدامه بعكس كده.
وعشان كده، كاميليا عبد العزيز دخلت حياته زي العاصفة اللي متنكرة في شكل نسمة صيف.
اتعرفوا على بعض في معرض فن تشكيلي خاص في الزمالك. كاميليا مكانتش مهتمة لا باللوحات ولا بالفنانين؛ هي كانت واقفة في المكان الصح بالظبط، بالفستان المظبوط بالشعرة، والضحكة المتفصلة بمقاس، والنظرة المحسوبة بالمللي. سيف لقطها بعينه في أقل من دقيقة. وعلى نص الليل كان معاه رقمها، وبعد شهر واحد كان بيلغي اجتماعات شغل مهمة عشان يشوفها، وعلى الشهر الرابع، كان بيدخل في خناقات مع صحابه اللي اتجرأوا وحذروه إن كاميليا ضحكتها بتوسع وبتبان في عينها لمعة غريبة أول ما السيرة بتيجي ناحية الفلوس.
ولما نادية حاولت تفتح معاه الموضوع وهي بتتعشى معاه في بيتهم في جاردن سيتي، سيف ساب الشوكة والسكينة من إيده على الطبق
إنتِ دايماً بتعملي كده يا أمي.. بتشوفي عيب واحد في الشخص وبتقرري إن هو ده كل بني آدم.
ردت نادية بهدوء
ده مش عيب.. دي نظرة عين. كاميليا بتبص لك وكأنها بتقيم قطعة أرض وعايزة تشتريها.
بس هي بتسعدني يا أمي.
وده كان آخر كلام قاله قبل ما يقوم من على التربيزة ويمشي.
من وقتها، المكالمات بين الأم وابنها بقت قصيرة.. رسمية.. وجافة بشكل يوجع القلب.
بعد أسبوعين، وصلت البيت دعوة مطبوعة على ورق غالي وتخين، بلون كريمي وحروف مدهبة. بهيرة هانم، والدة كاميليا، كانت بتطلب شرف حضور السيدة نادية الألفي في فيلتهم الكبيرة في جراند هايتس في الشيخ زايد، عشان يعلنوا خطوبة ولادهم رسمياً.
في نفس اليوم، سيف بعت لأمه رسالة على الموبايل
أمي، الموضوع ده معناه كتير قوي بالنسبالي.. أرجوكي تعالي وأنتِ نيتك تفتحي قلبك ليهم وتحبيهم.
نادية قرت الرسالة مرتين. وبصت للجنينة بتاعة بيتها، حيث كانت الشمس بتغيب ولونها رمادي على ورد البوجينفيليا الطبيعي اللي مالي الجنينة، مش الورد الصناعي اللي بيتحط ديكور على الواجهات عشان المنظرة.
هي كانت عارفة الأوض والدهاليز المستخبية كويس.. وعارفة إن الأماكن الأكثر خطراً مش دايماً بتكون ضلمة؛ ساعات بتكون مليانة ورد فريش، كاسات كريستال، ووشوش مبتسمة بزيادة.
الليلة دي، أخدت قرار بسيط جداً. مش هتاخد معاها محاميين، مش هتاخد حراسة باينة، مش ه تلبس مجوهرات، ولا حتى ساعتها الألماظ.
تاني يوم، نادية وصلت فيلا عيلة عبد العزيز من باب الخدم والعمال.
كانت لابس فستان قطن غامق وبسيط، جزمة واطية من غير كعب، جاكيت كارديجان رمادي من محل عادي جداً، وإيشارب مخبي شعرها الفضي بالكامل. مفيش في إيدها خاتم ولا ساعة، مفيش أي حاجة تدل على هويتها.
قالت للست اللي فتحت الباب
أنا جاية من مكتب التوريد والعمالة.
المديرة بتاعة البيت بصت لها من فوق لتحت بقرف
اتأخرتي 12 دقيقة كاملة.
أنا أسفة، الأتوبيس..
قاطعتها المديرة بحدة
هنا م بنسمعش أعذار، هنا بنصلح الغلط علطول. اتفضلي ادخلي.
سلموها مريلة طبخ بيضا، وزقوها على المطبخ.
هناك، نادية شافت الحقيقة المرة والقلب الحقيقي للبيت ده شغاليين وعمال بيتحركوا والرعب مالي عينيهم. شافت شاب صغير بياخد تهزيق وشتيمة تهين كرامته لمجرد إنه رص كاسات العصير بشكل مش عاجبهم. وبنت تانية اتقال لها يا جاهلة يا بتاعة العشوائيات عشان طبقت الفوط بطريقة مش عاجبة الهانم. مفيش حد كان بينطق، مفيش حد كان بيرفع عينه من الأرض.
بهيرة هانم كانت بتتمشى في الممرات وكأن مشيها في البيت ده كرم ومنّ منها على البشرية. كانت بتشاور على الغلطات بصابعين وبقرف، وبتعيب في الأكل من قبل ما تدوقه، وبتتكلم عن الشياكة والطبقة المخملية باستماتة وتوتر يوضح إنها ناس قريبة النعمة ومالهاش في العز أصلاً.
بعد كام ساعة، نادية طلعت الدور الثاني عشان توزع الفوط الفريش في الأوض. ومن ورا باب أوضة النوم الرئيسية، سمعت صوت كاميليا.
لا، الوش ده باين فيه التوتر والقلق بزيادة.
نادية زقت الباب بالراحة كام سنتيمتر بس.
كاميليا كانت واقفة قدام مراية طولية كبيرة، وبتدرب على تعابير وشها! وش المفاجأة.. وش الرقة والطيبة.. وش الحنان.. وش القلق والاهتمام. وكان فيه بنت مساعدة واقفة بتصوّرها بالموبايل فيديو عشان كاميليا تنقي بنفسها النظرة والزاوية المثالية اللي هتضحك بيها على سيف.
مكانتش بتجهز وتتزوق عشان هتشوف سيف.. هي كانت بتستعد عشان تمثل عليه الدور.
كاميليا لمحت الباب وهو بيتحرك. في أقل من نص ثانية، وشها الملاكي اتقلب لوش شيطان
سيب الزفت الفوط برة واغربي عن وشي!
نادية نفذت الأمر من غير ولا كلمة.
على الضهر، وهي شايلة صينية شاي وماشية في الطرقة، كاميليا ظهرت فجأة وهي بتلف الدور. من غير قصد، طرف جزمة نادية لمس حرف فستان كاميليا الطويل.
القلم نزل على وشها أسرع من أي اعتذار ممكن يتقال.
كاميليا تفّت الكلام بغل
يا شغالة يا حقيرة! لو الفستان ده جرى له حاجة، هتدفعي تمنه من مرتبك اللي إنتِ أصلاً ما تستحقيهوش!
الصينية اتهزت، والكوباية وقعت على الأرض واتدشدت