اتهموا ابني اللي عنده 11 سنة بسرقة ربع مليون جنيه، بس "الفلاشة" اللي على سفرة العشا كشفت الحرامي الحقيقي!
اللي راح.
أبويا سأله ونبرة صوته تقرف خسرت كام؟ تامر بص في الأرض وقال قريب من المليون جنيه. أمي زادت في العياط وصوتها لعلع، وشيرين كان باين عليها إنها هتموت وترجع من الصدمة والقرف، لدرجة إني صعبت عليا.. صعبت عليا لثانية واحدة بس، وبعدين افتكرت اللي عملته فيا وفي ابني. وهنا أبويا سأل السؤال اللي ما كانش ينفع نطنشه وطب ومروان؟ ذنبه إيه؟ الأوضة رجعت تظلم وتكتئب تاني. تامر ما ردش، فصوت أبويا بقى حاد وزي السكينة إيه نوع الندالة والوساخة اللي تخلي راجل شحط يسيب طفل عنده حداشر سنة يشيل شيلته ويلبس تهمته؟! تامر سكت لكام ثانية، وبعدين رفع عينه وبص لنا وقال كلمة واحدة تلخص كل حاجة عشان ما حدش شك فيه!
الرد ده كان أوقع وأقوى من أي اعتراف؛ عشان ما حدش شك فيه. لأن مروان كان الحيطة المايلة والهدف السهل اللي يتلبس أي مصيبة. عشان أنا أم مطلقة وعايشة بطولها وبتعافر في الدنيا ومحيلتيش حاجة. عشان ابني بيلبس كوتشي قديم وعايشين في شقة إيجار. عشان الشك والظن السيء كان مزروع جوة قلوبهم من ناحيتنا من قبل ما تامر يمد إيده على أول قرش أصلاً! في اللحظة دي، كل شخص كبير قاعد على السفرة دي فهم وفطن ل دوره في الجريمة اللي حصلت؛ تامر هو اللي سرق الفلوس بإيده، دي حقيقة، بس مش هو اللي خلق الضحية.. العيلة هي اللي قدمت له مروان على طبق من فضة لما استهونوا بيه وبيا لمجرد إننا غلابة.
شيرين بدأت تعيط.. عياط بجد، العياط الحقيقي اللي بيطلع من الواحد لما يلبس في حيطة الذنب والندم. لفت وشها ل مروان وقالت بصوت مكسور أنا آسفة يا مروان.. سامحني يا حبيبي. مروان بص لها ونظراته كانت مليانة عتاب، بس ما نطقش. بعدين أمي بدأت تتأسف وتعيط، وبعدها أبويا.. واحد ورا التاني. بس الجروح الغائرة والكسر اللي بيبقى في القلوب مش دايماً الكلمتين الحلوين بيداووه. وفي وسط ما العشا اتقلب لخرابة ومناحة، أبويا وقف وشاور بصابعه على باب الشارع وبص ل تامر وقال له كلمتين اتنين اطلع برة. تامر بص له بذهول، فأبويا زعق برة حالا! وما حدش في البيت فتح بقه يدافع عنه، ولا حتى مراته شيرين.
بعدها بساعة، تامر لم حاجته وأخد عربيته ومشي لوحده في ضلمة الليل. ورغم إن الحرامي الحقيقي اتعرف واتفضح قدام الكل، وأومال ابني رجعت له كرامته.. إلا إني ما كنتش قادرة أشيل من جوايا إحساس إن الشرخ والخراب الحقيقي اللي حصل في عيلتنا دي.. لسه يا دوبك بيبدأ، وإن اللي انكسر عمره ما هيرجع يتصلح تاني.
أما أبويا، فبقى حنين وبيداري علينا بشكل مش طبيعي بعد ما الحقيقة ظهرت. لما برجع بالذاكرة لورا، بحس إنه كان شايل جواه ذنب تقيل هو كمان؛ صحيح هو كان أقل واحد شك في مروان وفكر يثبت براءته، بس عاتب نفسه إنه ما وقفش الظنون دي من أولها وساب الولد يتوجع. في ليلة، عزمني على العشا في مطعم هادي، وبعد ما خلصنا أكل، زق ناحيتي ملف أخضر تقيل على الترابيزة وقال لي افتحيه. فتحته ولقيت جواها عقود ملكية حقيقية، قعدت أبص لها بذهول ومش فاهمة، لحد ما لمحت اسمي مكتوب في خانة المشتري! أبويا اشترى لنا بيت مستقل وصغير، تلات أوض وصالة، ونقل ملكيته باسمي. بص لي وقال أنتِ قعدتِ سنين طافحة الدم عشان توفري ل مروان الأمان والاستقرار.. سيبيني بقى أساعدك وأشيل معاكِ. عيطت ليلتها عياط خلّى الويتر يجيب لنا مناديل زيادة للترابيزة.
نقلتنا للبيت الجديد غيرت حياتنا مية وثمانين درجة. لأول مرة من يوم طلاقي، بقى ل مروان جنينة صغيرة يلعب فيها ورا البيت، وبقى ليه أوضته المستقلة؛ دهن حيطة منها باللون الأزرق الغامق، وقعد ساعات يرص كتبه وجوايز وكؤوس الكورة بتاعته. الضغط المادي والهم اللي كان كابس على أنفاسنا سنين طويلة انزاح وفك. أنا كملت في الشغل الحر ومراجعة الحسابات، والحمد لله الشغل كبر وبقى عندي زباين وعملاء كتير، لدرجة إني وظفت معايا بنتين يساعدوني. ببطء وبمرور الوقت، الحياة بطلت تبقى مجرد عَفرة عشان نعيش، وبقت حياة بجد ليها طعم ومعنى.