لمدة ست سنين، ليلى كانت بتحمى جوزها وتخدمه كأنه جثة هامدة
لمدة ست سنين، ليلى كانت بتحمى جوزها وتخدمه كأنه جثة هامدة. ولمدة ست سنين، كانت حماتها بتناديها يا قاتلة. وفي ليلة، وجنب جسمه المشلول، ليلى لقت كباية مستخدمة، وريحة برفيوم رجالي غالي، وحاجة مفيش راجل طريح فراش ممكن يملكها أبدًا. وقتها ابتسمت وقالت أنا مسافرة القاهرة بكرة. وقبل شروق الشمس، رجعت وعرفت الحقيقة كلها
يا مدام، جوزك مش نايم عشان مريض.. هو نايم عشان ده مريح ليه.
ليلى سمعت الجملة دي قدام صيدلية صغيرة في شارع جانبي، وهي بتدفع حساب حفاضات كبار السن، ولفافات قطن، ومطهر، وكيس الاكل اللى كان عشاها.
الست اللي همست بالكلمتين دول كانت طنط شادية، جارتهم من الشارع اللي ورا في الكومباوند الهادي اللي ساكنين فيه.
طنط شادية كانت بتعشق القيل والقال.
بس اليوم ده، صوتها مكنش فيه حب استطلاع.
صوتها كان مرعوب.
متقوليش كدة يا طنط، ليلى قالت وهي بتضم الشنطة البلاستيك لصدرها. جوزي بقاله ست سنين مبيتحركش من السرير.
أحمد مهدي بقى فاقد للاستجابة العصبية بعد حادثة طريق بشعة على طريق إسكندرية الصحراوي.
ده اللي التقارير قالته.
ده اللي الدكاترة قالوه.
وده اللي كانت حماتها، الحاجة صفية، بتصرخ بيه كل ما ليلى تتنفس بصوت عالي.
ابني بقى حالته كدة بسبك، صفية كانت بتزعق في وشها بمرارة. أنتِ اللي كنتِ بتجريه ورا بيزنس المحلات بتاعك، والصفقات، وأراضي الاستثمار. دلوقتي اخدميه.. ده عقابك.
وفعلاً، ليلى خدمت.
كانت بتستحميه.
تحلق له دقنه.
تغير له الحفاضة.
تقلب جسمه كل كام ساعة عشان جلده ميعفنش من القرح.
باعت غوايشها الذهب، ومحل الأدوات الصحية الصغير بتاع أبوها، وحتى حتة أرض ورثتها في الريف، وكمان العربية بتاعتها.
دكاترة
التمريض المنزلي كان غالي.
بس الأمل كان أغلى حاجة فيهم كلهم.
كل ليلة، ليلى كانت تقعد جنب أحمد، تمسك إيده المرخية، وتحكي له حاجات صغيرة.
اللبان غشني تاني النهاردة.
مامتك رمت الشاي بتاعي في الحوض.
شجرة الياسمين اللي قدام البيت طرحت ورد.
جزء ساذج جواها كان مصدق إنه سامعها.
لحد ما في ليلة، وهي بتغير ملاية السرير، شمت الريحة.
مش ريحة دوا.
مش ريحة ديتول.
ولا ريحة عرق.
ريحة برفيوم رجالي قوي وغالي، مخلوطة بريحة سجاير.
أحمد مكنش بيدخن أبدًا.
ومن بعد الحادثة، مكنش حط نقطة برفيوم واحدة.
ليلى اتجمدت في مكانها.
إيدها اتحركت تحت المخدة.
حاجة ناعمة لمست صوابعها.
بوكسر ماركة براند عالمي، لونه رمادي.
مطبق بسرعة.
ومستخبي بغباء.
معدتها اتقلبت من الخوف.
الهدوم دي مكنتش قديمة.
ولا عليها تراب.
ومستحيل تكون تخص الجثة اللي كانت بتمسح جسمها بقالها ست سنين.
دورت في الحمام.
في الدولاب.
في البلكونة.
ملقتش حاجة.
بس ريحة البرفيوم كانت لسه مالية الحيطان كأنها بتضحك عليها.
تاني يوم الصبح، ليلى اشتريت كاميرا صغيرة من محل تصليح موبايلات، وثبتتها جوه ساعة ديجيتال جنب سرير أحمد.
مقلتش لأي حد.
ولا ل صباح الشغالة.
ولا للحاجة صفية.
ولا حتى للدكتورة نيرة، دكتورة الأعصاب الشيك اللي كانت بتزور أحمد بقالها سنين بصوتها الناعم، وسلاسلها الذهب، ولبسها الفورمال المثالي.
لمدة تلات ليالي، محصلش حاجة.
صباح بتنضف مكانه.
صفية بتدخل تدعي عليها وتخرج.
والدكتورة نيرة تقيس نبضه وتمشي.
أحمد كان بيفضل نايم، بوقه مفتوح سنة بسيطة، وعينيه مقفولة زي أولياء الله الصالحين.
في الليلة الرابعة، الكاميرا شاشتها اسودت
لما الإشارة رجعت، كان فيه 48 دقيقة اختفوا من التسجيل.
المخدة كانت اتحركت من مكانها.
الملاية كان فيها كسرة جديدة.
وعلى الكومودينو، كان فيه كباية مياه ستانلس ليلى عمرها ما حطتها هناك.
ليلى مصوتتش.
مواجهتش حد.
بالعكس، بقت ألطف معاهم.
وعلى العشا، والحاجة صفية بتشتكي إن الطبيخ مالح، ليلى قالت بهدوء أنا لازم أسافر القاهرة يومين، فيه مشتري عايز يتكلم في بيعة أرض الصحراوي.
عيني صفية لمعت بتركيز.
أرض الصحراوي؟
أيوه، ليلى قالت. يمكن أخيراً أعرف أبيعها وأرتاح.
الدكتورة نيرة، اللي كانت جاية تكشف على أحمد كالعادة، ابتسمت بسرعة مريبة.
متشغليش بالك يا ليلى.. أنا هعدي بالليل كمان أطمن على أحمد.
الابتسامة دي هي اللي أكدت لليلى كل حاجة.
يومها بالليل، ليلى خرجت بشنطة سفرها.
ركبت تاكسي للمحطة.
وبعدين نزلت بعدها بشارعين، غطت وشها بطرحتها، ورجعت بعد نص الليل من ورا الكومباوند.
أمن البوابة كان نايم والراديو شغال جنبه.
كلاب الشوارع هوهوت مرة، وبعدين عرفتها فسكتت.
ليلى اتسلقت بلكونة الجنب، إيديها اتجرحت وركبها كانت بتخبط في بعض.
ومن فتحة الستارة، بصت لجوه.
أحمد كان واقف على رجليه.
مش بيترعش.
مش بيجر رجله.
واقف مفرود.
بيفرد دراعاته زي واحد لسه صاحي من نومة العصر ومتمطع.
النفس اتقطع في صدر ليلى.
وفجأة باب الحمام اتفتح.
الدكتورة نيرة خرجت وهي لابسة روب ستان لونه بيج.
إيدها كانت ساندة على بطنها اللي بدأت تدور من الحمل.
مش قادرة أخبي أكتر من كدة، همست نيرة. ابننا هيتولد كمان ٥ شهور يا أحمد.. وأنت لسه بتمثل دور الميت قدام مراتك. لحد امتى هتفضل مخبيين جوازنا..
أحمد ضحك بهدوء وسحبها لحضنه.
خلاص هانت.
ومامتك؟
أمي عارفة اللي يكفيها عشان تفضل ساكتة.
ضوافر ليلى غرست في حديد البلكونة.
جوه الأوضة، أحمد مشي لحد الدولاب.
زق الظهر الخشب بتاع الدولاب.
الحيطة اتحركت!
ظهر ممر ضيق بيوصل للفيلا اللي جنبهم، اللي الكل كان فاكر إنها مهجورة بقالها سنين.
بس مكنتش مهجورة.
كان فيه إضاءة دافية باينة من الممر.
إزايز مشروبات.
هدوم رجالي متعلقة.
وسرير بيبي جديد.
وصورة كبيرة ل أحمد ونيرة مبروزة ومتعلق عليها ورد، كأنهم عريس وعروسة.
ليلى كتمت بوقها قبل ما الصرخة تطلع منها.
ست سنين وهي بتأكل جثة مزيفة.
ست سنين وهو عايش حياته من ورا الحيطة مع عشيقته.
وفجأة، من جوه الأوضة المستخبية دي، طلع صوت الحاجة صفية وهي بتقول جملة واحدة خلت ليلى تقع من طولها والشنطة تقع من إيدها
خلصونا بقى من الغبية اللي بره دي.. السم اللي بحطهولها في الشاي مبيجبش نتيجة ليه؟ أنا عايزة أشوف حفيدي في النور قبل ما أموت!
الشنطة وقعت من إيد ليلى.
خبطت في أرضية البلكونة وطلعت صوت مكتوم. جوه الأوضة المستخبية، كل الأصوات سكتت فجأة. لثانية واحدة، حتى السكون بتاع الليل حبس نفسه.
وبعدين أحمد لف وشه.
ظاهر من الفتحة اللي ورا الدولاب.. وشه مكنش دبلان، ولا فاقد الوعي، ولا محبوس جوه جسم مشلول.. كان فايق، حي، ومرعوب.
أنتِ سمعتي ده؟ نيرة همست وهي بتترعش.
ليلى مأدتش لنفسها فرصة تفكر.. جريت.
إيديها كانت بتنزف من تسلق البلكونة، وطرف عبايتها اتعلق في السور، وفردة صندلها وقعت وسط الزرع، بس فضلت تجري كأن سنين السكوت الستة لقت رجلين أخيراً تهرب بيهم.
من وراها، سمعت رزع ضهر
أحمد صرخ بصوت عالي ليلى!
دي كانت أول مرة ينطق اسمها بصوته كأنه جوزها الطبيعي من ست سنين.. الصرخة