تعوض السنين اللي راحت. لكن رغم الدفا اللي دخل حياتنا، كان فيه خوف مستخبي تحت كل لحظة حلوة. كل مرة عربية غريبة تعدي جنب البيت، ماريسول تتوتر وتسكت. كل مرة التليفون يرن، تبصلي بسرعة كأن قلبها هيقف. وفي ليلة ممطرة بعد حوالي أسبوعين من رجوعها، كنت قاعدة أنا وهي في البلكونة الصغيرة نشرب قهوة، ولوسي نايمة جوه، لما قالتلي فجأة لو جرالي حاجة المرة دي أوعي تسمحي للطفلة تعيش خايفة زيي. اتعصبت وزعقت فيها لأول مرة من يوم رجعت، قلتلها كفاية خوف وإن الحياة مش هتفضل تطاردها طول العمر، لكنها بصتلي بابتسامة حزينة وقالت في ناس يا ماما عمرهم ما بينسوا. وبعدها بأيام حصل اللي خلاني أفهم إنها كانت عايشة سنينها كلها مستعدة للهروب في أي لحظة. صحينا على عربية واقفة بعيد عن البيت من الفجر، عربية سودا ما بتتحركش، والراجل اللي فيها قاعد يبص ناحية البيت بالساعات. ماريسول شحب وشها أول ما شافته، ولمّت حاجتها بسرعة وقالت إنها لازم تمشي. اتجننت، مسكت فيها وقلت إنها مش هتختفي تاني، لكن لأول مرة شفتها ضعيفة فعلًا، عينيها مليانة رعب حقيقي. قالتلي
إن وجودها معانا بقى خطر، وإنها لازم تخلص الموضوع بنفسها علشان لوسي تعيش طبيعية. لوسي صحيت وقتها وفضلت تعيط وتتعلق فيها، وماريسول حضنتها جامد وهي بتحاول تبتسم، لكن دموعها كانت بتنزل من غير ما تحس. قبل ما تمشي ادتني ظرف مقفول وقالتلي ما افتحوش إلا لو اتأخرت. وبعدها خرجت من الباب وسط المطر وأنا قلبي بيتقطع وأنا شايفاها ماشية بعيد. اليوم الأول عدى والتاني والتالت، وماريسول ما رجعتش. كنت بموت من القلق، ولوسي كل ليلة تسألني إمتى ماما هتيجي، وأنا أكذب وأقول قريب. بعد أسبوع فتحت الظرف وأنا برتعش. كان فيه ورق كتير ورسالة بخط إيدها. كتبت إنها تعبت من الهروب، وإنها قررت تواجه كل حاجة علشان تحمينا للأبد، وإنها لو ما رجعتش يبقى على الأقل لوسي هتعيش من غير خوف. لكن أكتر جملة كسرتني كانت أكتر حاجة وجعتني في حياتي إني حرمت نفسي من حضنك عشر سنين. فضلت أعيط بالساعات وأنا ضامة الورقة على صدري. وبعد يومين بالليل، وإحنا قاعدين أنا ولوسي في الصالة، سمعنا عربية وقفت قدام البيت. قلبي وقع. فتحت الستارة بإيد مرتعشة، وشفت ماريسول نازلة من
العربية. جريت ناحية الباب قبل حتى ما تخبط. أول ما دخلت حضنتني بقوة وهي بتضحك وبتعيط في نفس الوقت، وقالت خلص كل شيء. ما فهمتش وقتها كل التفاصيل، ولا سألت. كان كفاية عندي إنها رجعت. ومن بعدها الحياة بدأت تتغير فعلًا. ماريسول اشترت بيت صغير قريب من بيتي، ولوسي دخلت المدرسة، وبقينا نتعشى سوا كل ليلة. البيت اللي كان مليان صمت بقى مليان صوت ضحك وأكل وريحة كيك. حتى الفراخ اللي كنت بكلمهم من الوحدة بقى عندي ناس أكلمهم غيرهم. وفي يوم من الأيام، لوسي دخلت عليا وهي ماسكة كشكول قديم وقالتلي إنها لقت أغاني أمها. قعدت تغني بصوتها الصغير، وماريسول كانت واقفة تسمعها ودموعها بتنزل بهدوء. وقتها بس فهمت إن الروح ممكن تتكسر سنين طويلة، لكن الحب الحقيقي يعرف يرجعها للحياة. وبعد شهور، في عيد ميلاد لوسي العاشر، البيت كان مليان ناس لأول مرة من سنين، جيران وضحك وتورتة وشموع، وماريسول كانت واقفة تبص للمشهد كله كأنها بتحاول تحفظه جوا قلبها. قربت مني وقالتلي فاكرة لما كنتي كل يوم تغيريلي كوباية المية قدام الصورة؟ هزيت راسي وأنا مبتسمة. قالت
أنا كنت حاسة بيكي حتى وأنا بعيدة. وقتها ما قدرتش أتكلم، بس، وحسيت إن السنين اللي اتسرقت مننا أخيرًا بدأت تتعوض. وفي آخر الليل، بعد ما الكل مشي، خرجت أنا وهي نقعد قدام البيت تحت السما. النجوم كانت واضحة والهوا دافي بشكل غريب. قالتلي بهدوء عارفة أكتر حاجة اتعلمتها بعد كل اللي حصل؟ سألتها إيه، فابتسمت وقالت إن الإنسان ممكن يعيش سنين مستخبي من الدنيا كلها لكنه ما يقدرش يعيش يوم واحد بعيد عن اللي بيحبه بجد. بصيتلها وأنا حاسة إن قلبي أخيرًا ارتاح بعد عشر سنين من الحزن. ولأول مرة من يوم ما اختفت، طفيت الشمعة اللي قدام صورتها مش علشان نسيتها، لكن علشان ما بقاش عندي صورة أتكلم معاها. بقيت عندي بنت رجعتلي من الضياع، وحفيدة رجعت الضحك للبيت، وحياة كنت فاكرة إنها انتهت لكنها بدأت من جديد. وفي الليلة دي، قبل ما أنام، سمعت صوت ماريسول وهي بتضحك جوه الأوضة مع بنتها، فابتسمت وسط الضلمة وغمضت عيني وأنا حاسة إن ربنا أخيرًا ردلي العمر اللي اتسرق مني وزي ما الموت خطفها مني مرة، الحب رجعها لي من جديد، أقوى، وأحن، وأقرب من أي وقت فات.