واقفة جنب سيدة غريبة وطفلة صغيرة مبتسمة. سألتها مين دي، فسكتت ثواني وقالت دي بنتي. حسيت الدنيا كلها سكتت. ماريسول كان عندها طفلة وأنا ماكنتش أعرف. قالت إنها خبت الموضوع لأنها كانت خايفة، وإن ناس كتير كانوا بيحاولوا يسيطروا على حياتها ومستقبلها. وإنها لما حاولت تهرب ببنتها حصلت مشاكل خلتها تختفي وتحمي الطفلة بعيد عن أي خطر. كنت بعيط وأنا ببص للصورة، نفس عينين ماريسول، نفس الابتسامة. قالتلي اسمها لوسي وهي أمانة عندك دلوقتي. وفي اللحظة دي سمعت عربية بتقف بعيد، وبعدها صوت خطوات أكتر من شخص. ماريسول اتوترت وقالت اسمعيني كويس، هتلاقي عنوان جوه العلبة روحي هناك الصبح، وهتفهمي كل حاجة. سألتها برجاء طب انتي فين؟ عايزة أشوفك. سكتت، وبعدها قالت بصوت كله وجع وحنين أنا قريبة يا ماما أقرب مما تتخيلي. وفجأة الخط بدأ يقطع، وصوتها بقى بعيد. أوعي تثقي في حد بسهولة وخلي بالك من لوسي. وبعدها الخط فصل. وقفت في الضلمة ماسكة السماعة وبعيط، والبرد داخل في عظمي، لكن جوايا لأول مرة من عشر سنين حسيت إن بنتي لسه موجودة في الدنيا. لما النهار طلع، خدت العلبة والعنوان وركبت الأتوبيس لمدينة صغيرة بعيدة. طول الطريق قلبي كان بيدق كأني رايحة
أقابل روح رجعت من الموت. وصلت بيت صغير أبيض حوالينه زرع وورود. خبطت الباب وأنا مش قادرة أتنفس. وبعد لحظات الباب اتفتح، وطلعت بنت صغيرة عندها حوالي تسع سنين، شعرها الغامق مربوط وعيونها واسعة دافية. أول ما بصتلي حسيت إني شايفة ماريسول وهي طفلة. البنت ابتسمت بخجل وقالت حضرتك تبقي تيته إلينا؟ ماقدرتش أرد. دموعي نزلت فورًا. وبعدها ظهرت ست كبيرة في السن وابتسمتلي بهدوء وقالت هي كانت مستنياكي من زمان. دخلت البيت وأنا حاسة إن الزمن رجع يتحرك بعد ما كان واقف عشر سنين. وعلى الترابيزة كانت فيه صورة جديدة لماريسول أكبر سنًا، مرهقة شوية، لكن حية. حية فعلًا. سألتهم عنها، فقالت الست إنها هتيجي قريب، وإنها كانت عايشة طول السنين دي مستخبية لحد ما تضمن إن بنتها تبقى بأمان. قعدت حضنت حفيدتي بالساعات وأنا مش مصدقة إن ربنا رجعلي جزء من بنتي بعد العمر ده كله. وبعد يومين بالليل، وأنا قاعدة في نفس البيت، الباب خبط بهدوء. قلبي وقف للحظة. قمت ناحية الباب، وإيدي بتترعش. ولما فتحته لقيتها واقفة قدامي. أكبر بعشر سنين، ملامحها متعبة، لكن نفس العيون، نفس الروح، نفس البنت اللي كنت بحلم أشوفها كل ليلة. فضلت باصة ليها وأنا مش قادرة أصدق، وهي
ابتسمت وسط دموعها وقالت اتأخرت عليكي يا ماما بس رجعت. وفي اللحظة دي حسيت إن كل سنين الحزن والوحدة والخوف كانوا بينهاروا جوا واحد رجعلي الحياة من جديد.
فضلت واقفة قدام ماريسول وأنا حاسة إن الزمن وقف فعلًا، لا قادرة أتحرك ولا حتى أتنفس، وهي كانت واقفة عند الباب تبصلي بنفس النظرة اللي كانت بتبصهالي وهي صغيرة لما كانت ترجع من المدرسة وتجري تقولي إنها جعانة. عشر سنين من الحزن والخوف والأسئلة ذابوا في اللحظة دي، لكن الغريب إن قلبي رغم فرحته كان حاسس بثقل كبير، كأن كل اللي حصل لسه ما خلصش. ماريسول دخلت البيت بهدوء، وحفيدتي لوسي جريت عليها حضنتها بقوة وهي تضحك، وقتها بس صدقت إن اللي قدامي حقيقي، وإن دي مش روح ولا حلم من أحلام الوحدة اللي كانت بتزورني كل ليلة. قعدنا حوالين الترابيزة الصغيرة في المطبخ، نفس الترابيزة اللي كنت بقعد عليها أبكي سنين، لكن الليلة دي كانت مختلفة، الشاي سخن، ونور المطبخ دافي، وصوت الضحك الخفيف اللي طالع من لوسي كان كأنه بيرجع الروح للحيطان نفسها. فضلت أبص لماريسول بالساعات، أخاف أغمض عيني تختفي تاني. سألتها عن كل حاجة، عن السنين اللي ضاعت، عن سبب اختفائها، عن الراجل اللي كان بيخبط على بابي، وعن
الحادث اللي اتقال إنه قتلها. ماريسول سكتت شوية، وبعدها بدأت تحكي بصوت هادي لكنه مليان تعب، قالت إنها قبل اختفائها بفترة كانت اشتغلت في مكتب صغير تابع لمجموعة ناس أصحاب نفوذ في البلد، وإنها بالصدفة عرفت معلومات كانوا مستعدين يعملوا أي حاجة علشان تفضل مستخبية، ولما حاولت تبعد وتعيش بعيد ببنتها حسّت إنهم بدأوا يراقبوها. قالت إنها في الليلة اللي اختفت فيها فهمت إن فيه حد ناوي يمنعها من السفر، فوافقت على خطة ساعدتها تختفي تمامًا، والكل يصدق إنها ماتت. سألتها وهي بتعيط ليه ما رجعتليش، فقالت إنها حاولت أكتر من مرة لكنها كانت خايفة إن أي ظهور ليها يأذيني أو يوصلهم لوسي. وأنا رغم وجعي كنت شايفة الخوف القديم لسه ساكن جوا عينيها، خوف إن حياتها ممكن تنهار لو حد عرف مكانها. الأيام اللي بعد رجوعها كانت غريبة عليا، كنت كل شوية أصحى من النوم أجري أبص عليها وهي نايمة علشان أتأكد إنها حقيقية، وكانت تضحك وتقولي إني لسه بعاملها كأنها عندها تسع سنين. ولوسي تعلقت بيا بسرعة، بقت تمشي ورايا في كل حتة، تساعدني أعمل الأكل وتسألني عن أمها وهي صغيرة، وأحيانًا كنت ألمح ماريسول وهي واقفة من بعيد تبص علينا بعين مليانة دموع كأنها بتحاول