اختفى أبويا من 11 سنة…

لمحة نيوز

الجزء التاني: الشيء اللي كان عايش فوق راسنا

خرجت من تحت السرير وأنا حاسس إن عقلي فصل عن الواقع.

بصيت لأبويا وصرخت:
“إنت اختفيت 11 سنة كاملة!”

كان واقف قدامي مرهق جدًا…
شعره بقى أبيض أكتر.
ووشه مليان تعب وخوف قديم.

لكن قبل ما يرد…

صوت جرّ ثقيل اتحرك فوقنا في العلّية.

صوت مش طبيعي.

كأنه حاجة ضخمة بتزحف فوق الخشب ببطء.

أبويا مسك دراعي بسرعة:
“مش هنا… تعالى المطبخ.”

نفضت إيده بغضب:
“لا! هتفهمني حالًا!”

لكن فجأة…

صوت خبط قوي هز اللمبة اللي فوقنا.

فسكتنا الاتنين.

في المطبخ، أبويا فضل باصص للسقف كأنه مستني حاجة تنزل علينا.

وقال بهدوء:
“أنا كنت برجع البيت كل يوم بعد ما تخرج للشغل.”

شهقت:
“إيه؟!”

“كنت بتأكد إن الحاجة اللي فوق… لسه محبوسة.”

ضحكت بعصبية:
“إنت اختفيت سنين… ورجعت تقولي إن في حاجة عايشة في العلّية؟!”

ما ردش.

وبعدين قال الجملة اللي كسرتني:
“أمك كانت عارفة إني حي.”

سكت مكاني.

“إيه؟”

“هي اللي طلبت مني أختفي.”

الغضب ضربني دفعة واحدة.

“خلتني أدفنك؟! خلتني أعيش وأنا فاكر إنك ميت؟!”

قال بصوت مكسور:
“كانت بتحاول تحميك.”

وقبل ما أتكلم…

الصوت فوقنا اتحرك تاني.

أبطأ.

أثقل.

وبعدين…

البيت نفسه اتكلم.

“مااااركوس…”

الصوت كان خارج من السقف.

صوت مش بشري.

كأنه كذا صوت متلخبطين في بعض.

رجعت لورا مرعوب.

أما أبويا ففتح الدرج بسرعة وطلع مفاتيح وكيس ملح.

صرخ:
“هات الملح!”

بصيتله بذهول:
“إنت مجنون؟!”

صرخ تاني:
“دلوقتي!”

وفوقنا مباشرة…

بدأ الخشب يطقطق.

كأن في وزن ضخم فوقه.

أبويا وقف تحت باب العلّية مباشرة وهمس:
“لو الألواح اتكسرت… إحنا انتهينا.”

بدأ يفك الأقفال النحاسية اللي كانت أمي مركباها على باب العلّية.

كل قفل كان بيتفك…
والصوت فوقنا بيقرب أكتر.

وأول ما الباب اتفتح…

ريحة باردة طلعت من فوق.

ريحة قديمة جدًا…
مش عفن.
مش موت.

حاجة أقدم.

طلعت وراه وأنا ماسك

الكشاف وإيدي بتترعش.

العلّية كانت أوسع بكتير مما فاكر.

أثاث متغطي بقماش.
صناديق قديمة.
وتراب في كل مكان.

وفي آخر العلّية…

شفتها.

في الأول افتكرتها ضل.

لكنها اتحركت.

الحاجة دي ماكانتش إنسان.

جسمها طويل بشكل غلط.
وأطرافها طالعة بزوايا مستحيلة.

وكان عندها…

ابتسامة.

أسنان بيضا كتير جدًا.

أكتر من الطبيعي.

بكتير.

همست بصوت هادي:
“ليونارد…”

أبويا اتجمد مكانه.

وبعدين…

الحاجة دي اتكلمت بصوت أمي.

“إنت وعدتني…”

إيدي بردت بالكامل.

همس أبويا:
“هي بتقلد الأصوات.”

الحاجة قربت خطوة.

الخشب صرخ تحت وزنها.

أبويا رماني كيس صغير وقال:
“ارمي اللي جواه جوّه فتحة المدخنة.”

فتحت الكيس…
كان فيه قطع خشب سوداء وصفيحة نحاس محروقة.

سألته وأنا مرعوب:
“دي إيه؟!”

قال:
“بقايا الدولاب القديم… أصل اللعنة.”

وفجأة…

المخلوق اندفع ناحيتنا بسرعة مرعبة.

أبويا زقني بعيد قبل ما يضرب الأرض بمخالب طويلة شقت الخشب.

الأصوات انفجرت حوالينا.

صوت أمي.
صوتي وأنا طفل.
ناس بتصرخ.
عيّاط.

جريت ناحية المدخنة ورميت أول قطعة خشب.

صرخة طلعت…

مش من مخلوق واحد.

من عشرات الأصوات مع بعض.

المخلوق اتلوى بعنف.

وفي لحظة…

شفت جواه.

مافيش لحم.
مافيش جسم حقيقي.

بس ضلمة…
ومسامير وخشب وحاجات متكسرة كأنها متجمعة من سنين حزن وخوف.

رميت باقي القطع بسرعة.

أبويا لف سلسلة حديد حوالين واحد من أطرافه وصرخ:
“الصفيحة!”

رميت صفيحة النحاس جوّه الفتحة.

وفجأة…

كل حاجة وقفت.

الهواء اتجمد.

الصناديق اترفعت من الأرض.

والمخلوق بدأ يتسحب ناحية المدخنة بالعافية.

كان بيصرخ بأصوات ناس كتير.

وأخر حاجة اختفت كانت ابتسامته.

وبعدين…

اختفى.

سقطنا إحنا الاتنين على الأرض.

والعلّية…
بقت هادية لأول مرة.

لكن وأنا باخد نفسي…

لمحت حاجة معدنية جوّه فتحة المدخنة.

مديت إيدي وطلعتها.

مفتاح نحاس قديم.

متنقوش عليه كلمة واحدة:

“القبو.”

بصيت

لأبويا.

وشه شحب بالكامل.

وهمس:
“مستحيل…”

سألته:
“في قبو تحت البيت؟”

رد ببطء مرعوب:

“المفروض… لا.”

الجزء الأخير: الغرفة اللي تحت البيت

فضلت ماسك المفتاح النحاسي وإيدي بتترعش.

الكلمة المحفورة عليه كانت واضحة:

“القبو.”

بصيت لأبويا وقلت:
“بيتنا عمره ما كان فيه قبو.”

لكنه ما ردش فورًا.

قعد ببطء على صندوق قديم في العلّية، وكأنه فجأة كبر عشر سنين زيادة.

ولأول مرة من ساعة شوفته…
الخوف اللي في عينه كان أعمق من خوفه من المخلوق نفسه.

همست:
“إيه اللي تحت البيت؟”

بلع ريقه بصعوبة وقال:
“جدك… بنى أوضة محدش يعرف عنها.”

نزلنا تحت بعد ساعات وإحنا شبه منهارين.

البيت كان هادي بشكل غريب.

هادئ زيادة عن اللزوم.

ولما كنا بندور على أي مدخل للقبو، خبط على الباب.

مدام هالفورسن.

كانت شايلة صينية ليمون كيك كعادتها…
لكن أول ما شافت أبويا واقف في المطبخ، الصينية كادت تقع من إيديها.

همست:
“ليونارد…”

أبويا بص بعيد.

أما هي فقعدت من غير استئذان وقالت:
“أخيرًا رجعت.”

بصيتلها بصدمة:
“إنتِ كنتِ عارفة؟!”

تنهدت وقالت:
“مش كل الحقيقة… بس كنت عارفة إن أمك كانت بتحاول تمنع حاجة من إنها تطلع.”

وفجأة قالت جملة جمدت الدم في عروقي:

“أهم قاعدة كانت… ماحدش ينزل تحت الفرن.”

لفّيت ناحيتها فورًا:
“تحت الفرن؟!”

السكوت اللي حصل بعدها أكد كل حاجة.

الفرن القديم كان تحت أرضية البانتري جنب المطبخ.

طول عمري فاكره مجرد مكان تخزين.

أبويا زق الرفوف بعيد بإيده.

وتحت الخشب…

ظهر باب حديد صغير مخفي.

قلبي بدأ يدق بعنف.

ركعت على الأرض ودخلت المفتاح.

ركب فورًا.

وصوت “تك” خفيف فتح القفل.

ريحة برد طلعت من تحت.

برد مش طبيعي.

كأن الهوا ده ما شافش شمس من عشرات السنين.

فتحنا الباب ببطء.

سلم حديد نازل للضلمة.

أبويا مد إيده للكشاف وقال:
“أنا هنزل الأول.”

لكنني مسكته.

“لا… المرة دي أنا.”

نزلت السلم وإيدي بتترعش.

ولما

وصلت آخر درجة…

فهمت ليه أمي كانت مرعوبة طول عمرها.

المكان ماكانش قبو.

كان غرفة حجرية ضخمة.

شموع قديمة.
رفوف مليانة برطمانات مغبرة.
ورموز محفورة على الحيطان بخط جدي.

وفي نص الغرفة…

كان واقف دولاب خشب ضخم.

سليم بالكامل.

شهقت:
“إنت قلت إن جدي حرقه!”

أبويا همس:
“كنت فاكر كده…”

باب الدولاب كان مفتوح سنة صغيرة.

ومن جوّه…

ماكانش فيه غير ظلام.

لكن اللي خلاني أتجمد…
الصور.

صور ليا وأنا طفل.
صور لأمي.
صور لأبويا.

صور من سنين مختلفة.

كأن حد كان بيراقبنا طول الوقت.

أبويا قرب ببطء.

والدولاب أصدر صوت صرير طويل.

وبعدين…

طلع صوت أمي من جواه.

“ليونارد…”

أبويا وقف مكانه.

عينيه اتمَلوا دموع فورًا.

لأول مرة فهمت الحقيقة.

الحاجة دي ماكنتش عايزة البيت.

كانت عايزة الناس اللي جوا البيت.

عايشة على الحزن.
على الذنب.
على الفقد.

همست بسرعة:
“دي مش أمي.”

لكن الصوت رجع تاني:
“تعالى البيت يا ليونارد…”

أبويا أخد خطوة.

مسكت دراعه فورًا:
“أمي ماتت.”

الجملة كسرتنا إحنا الاتنين.

وفجأة…

باب الدولاب اتفتح بالكامل.

والضلمة اللي جواه اتحركت.

مش نفس المخلوق اللي فوق.

ده كان أسوأ.

أكبر.

أقدم.

كأنه أصل كل الرعب اللي في البيت.

الكشاف وقع من إيد أبويا.

والنور لف على الأرض وكشف جملة محفورة على كرسي قديم:

“خليه يبصلك.”

الغرفة كلها اتهزت بعنف.

والظلام اندفع خارج الدولاب.

أبويا زقني بعيد وصرخ:
“اجري!”

صرخت:
“مش هسيبك!”

لكن الشيء اندفع ناحيته هو.

طبعًا.

لأنه عاش 11 سنة كاملة وهو بيطعمه خوف وذنب ووحدة.

أبويا مسك الكرسي وحدفه جوّه الدولاب بعنف.

الغرفة انفجرت أصوات.

صرخات.
خبط.
أصوات ناس ميتة.

وبعدين بصلي آخر مرة.

وقال بصوت مكسور:
“أمك غلطت… كان لازم تعرف الحقيقة.”

دموعي نزلت فورًا.

وفجأة…

دخل جوّه الدولاب بنفسه.

ومسك البابين.

وقفلهم من الداخل.

الصوت اللي طلع بعدها ماكانش بشري.

الدولاب

كان بيتهز بعنف.

الحوائط نفسها بدأت تتشقق.

طلعت السلم وأنا بعيط ومش حاسس بنفسي.

أول ما وصلت فوق…

باب القبو اتقفل لوحده.

والبيت كله سكت.

سكون حقيقي.

بعد ساعات، الشرطة وصلت.

وبعدين مهندسين.

وفتشوا البيت كله.

مافيش قبو.

مافيش باب.

الأرضية كلها خرسانة صلبة.

كأن الغرفة عمرها ما كانت موجودة.

بعد 3 شهور…

بعت البيت.

مش لأني بكرهه.

لكن لأول مرة في حياتي…
حسيته فاضي فعلًا.

وفي آخر يوم قبل ما أمشي…

فتحت صندوق البريد.

لقيت مفتاح نحاس قديم جواه.

بارد.

زي التلج.

ومتنقوش عليه كلمة واحدة:

“العلّية.”

ووقتها…

عرفت إني عمري ما هرجع البيت ده تاني

تم نسخ الرابط