💥 "مراتي دخلت عليا المطبخ وبكل ثقة أعلنت إن عيلتها كلها—خمسة وعشرين فريد—حيقضوا أسبوع العيد كله في بيتي، وكانت مستنية مني أطبخ، وأنظف، وأخدمهم، وأنا مبتسمة زي الشغالة. بصيت لها بكل برود وقلت: "تمام.
مراتي دخلت عليا المطبخ وبكل ثقة أعلنت إن عيلتها كلهاخمسة وعشرين فريدحيقضوا أسبوع العيد كله في بيتي، وكانت مستنية مني أطبخ، وأنظف، وأخدمهم، وأنا مبتسمة زي الشغالة. بصيت لها بكل برود وقلت تمام.. أنا مسافرة أصيف.
الضحكة ماتت على وشها قبل ما كوباية الشاي تلمس الطبق.
بقالها خمس سنين بتعامل بيتي كأنه فندق، وبتعاملني أنا كأني شغالة من غير أجر. بس المرة دي، أنا كنت مجهزة شنطتي ومقفلّاها خلاص.
وفوق في أوضتي، تحت المرتبة، كان فيه دوسيه أزرق.. دوسيه فيه تمن حريتي، وحاجة تقدر تهد كل كدبة هي بنتها في حياة ابني.
أنا اسمي كامليا شديد. عندي ستة وستين سنة. عايشة في بيت العيلة القديم في مصر الجديدة، البيت اللي أنا وجوزي المرحوم دفعنا تمنه قرش فوق قرش، وتحويشة عمر وشقى سنين، طويل قبل ما ابني رامي يتجوز بسنت.
بعد الجوازة دي، بيتي مابقاش شبهي، ومابقتش حاسة إنه بتاعي.
في الأول، بسنت كانت بتطلب بحنية ودلع
ماما.. ممكن تعملي شاي؟
ماما.. ممكن تجهزي السفرة؟
ماما.. صحابي جايين يتعشوا معايا، اعملي أي حاجة خفيفة كدة.
بعدين، بطلت تطلب أصلاً.
بقت تدخل عليا المطبخ بفساتينها الشيك ومجوهراتها الذهب، ترمي في إيدي لستة الطلبات وتمشي.
وأنا أطبخ.. وأغسل المواعين.. وأقف على رجلي بالساعات.
وهي تتصور جنب السفرة وتنزّل صور على إنستجرام وتكتب كومنتات عن لمة العيلة ودفا بيت حماتي.
كل عيد، كل عيد ميلاد، كل مناسبة صغيرة كانت نفس القصة.
إيديا بقت دايماً ريحتها بصل، وتوم، ومسحوق مواعين، وتعب.. وصفحتها على إنستجرام ريحتها ورد وبرستيج.
رامي ابني كان شايف كل ده، ومبيتكلمش. سكت تماماً.
في يوم الثلاثاء ده، قبل العيد بأيام، بسنت دخلت عليا المطبخ من غير ما تخبط. كانت لابسة فستان سواريه، وكعب عالي صوته بيخبط في أرضية
قعدت على الكرسي بتاعي وقالت ماما.. عيلتي كلها جاية تقضي العيد هنا.
رفعت عيني من العجين وقلت لها كام واحد؟
ردت ببرود خمسة وعشرين بس.
بس!
كأن خمسة وعشرين بطن ده رقم قليل!
كأن خمسة وعشرين طبق حيغسلوا نفسهم!
كأن ركبي مابتوجعنيش وورمة من وقت ما رجعت من العمرة!
كملت وهي مبتسمة بابا، وماما، وإخواتي الاتنين بمراتاتهم وعيالهم، وعمامي اللي جايين من دبي، وخالاتي بتوع الإسكندرية. هما خلاص حجزوا و جايين. فإحنا محتاجين بقى مخبوزات، وعشاء، وفطار، وتجهيز السراير بالفرش الأبيض النظيف، وطبعاً حنطلع أطقم الفضة والصواني الكبيرة عشان العزومة. وعايزة البيت يبقى يبرق عشان حنتصور.
إحنا..
كانت بتعشق الكلمة دي، وبسنت دايماً لما بتقول إحنا، بيبقى قصادها أنا اللي حعمل.
مسحت الدقيق من إيدي وبصيت في وشها كويس. حاجة جوايا سكنت وهديت.. مش زعل، ولا قهر.. أنا كنت خلاص جبت آخري.
قلت لها تمام.
ابتسمت أوي وافتكرت إنها كسبت، لكن كملت كلامي أنا مسافرة أصيف. أنتِ اللي حتطبخي وتنظفي. أنا مش خدامة عندك.
لأول مرة من يوم ما دخلت البيت، بسنت معرفتش تنطق. وشها جاب ألوان، والكوباية في إيدها كانت بتهتز. بعدين اتقلبت بوش غضب
أنتِ مش من حقك تعملي كدة!
لأ، من حقي.
رامي يبقى ابنك!
آه، ابني.
وده بيته هو كمان!
قلت لها بصوت واطي ومسموع لأ.. ده بيتي أنا.
نظرة عينيها اتقلبت، والوش الكيوت الناعم اختفى. اللي واقفة قدامي دي مابقتش زوجة ابن غلبانة، دي ست اتكشفت نيتها بدري.
وقالت بصوت فحيح وواطي على العموم.. البيت ده حيبقى بتاعنا في الآخر كدة كدة.
بتاعنا..
مش بتاعي أنا.. مش بتاع الست اللي سددت أقساطه، وخرجت جوزها جنازة من بابه، وفضلت منورة اللمبة فيه في عز
بتاعنا.. كأني مجرد قفل صدى قديم واقف بينها وبين الميراث.
بالليل لما رامي رجع من الشغل، موقفش معايا. وقف في الصالة وبسنت عمالة تعيط و تتمسكن وتقول له إن أمه هانت أهلها وجرحتهم.
رامي بصلي بنظرة تعب وزهق وقال يا ماما.. أرجوكي خليكي عاقلة.
عاقلة.. الكلمة دي ياما سمعتها، وكان معناها دايماً اتنازلي.. ابلعي الإهانة.. اطبخي لقمة كمان، وعدي الليلة ومستحليش تاخدي حقك.
رامي كمل بسنت مابتفهمش في طبخ العزومات الكبيرة دي، ومتعرفش تعمل أكل لخمسة وعشرين بني آدم.
بصيت في وش ابني.. الطفل اللي سهرت بيه في تعبه.. الراجل اللي بعت شقى عمري عشان يدخل كلية هندسة.. الزوج اللي بيبصلي دلوقتي كأني عقبة في جدول مواعيد مراته.
قلت له وعشان هي متعرفش.. يبقى ده عقابي أنا؟
دور وشه الناحية التانية.
دي كانت اللحظة اللي بطلت استنى فيها إن ابني يختارني أو ينصفني.
العشاء جهز، وهما عمالين يتوشوشوا في الصالة، دخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح. طلعت الدوسيه الأزرق من تحت المرتبة. مكنش دوسيه صغير؛ كان جواه كشوفات حساب بنكية، إيميلات مطبوعة، إنذارات كروت ائتمان، وورق قانوني، واسم بسنت طالع في كل ورقة زي البقعة اللي مابتطلعش بغسيل.
ديون وقروض رامي ميعرفش عنها حاجة.. مشتريات وحاجات براندات غالية بعشرات الآلاف .. شات بينها وبين حد بتقول له شغل رامي وخليه ملهي لحد ما نخلص حكاية العيد.
وجملة واحدة خلت دم في عروقي يتجمد أول ما قريتها
أول ما ورق البيت يتنقل.. كل المشاكل دي حتحل...
قعدت على السرير وقت طويل، وبصيت لسقف الأوضة. وأخيراً فهمت.
لمة العيد دي مكنتش صلة رحم وعيلة.. دي كانت مسرحية.
الضيوف كانوا جايين عشان يكونوا شهود.
الصور حتبقى إثبات رسمي.
وأنا كان مطلوب مني أقف في المطبخ، وأبتسم في الصور، عشان هي تستغل
قبل الفجر، عملت كل اللي كان المفروض أعمله من شهور
نقلت فلوس شهاداتي وحساباتي لفرع تاني.
كلمت المحامي بتاعي.
قَفلت دولاب الفضة وخدت المفاتيح.
شلت كل وراقي المهمة وعقود البيت في خزنة البنك.
وغيرت الباسورد بتاع كل حساب بنكي رامي كان ساعدني أعمله زمان.
بعدين كتبت ورقة صغيرة وسبتها على ترابيزة المطبخ. ورقة مش عاطفية، كلمتين وبس
الأكل في السوبر ماركت. المفاتيح معايا. ورق البيت مع المحامي بتاعي. محدش يكلمني إلا لو حد بيموت.
الساعة 615 الصبح، خرجت بجر شنطتي، ومعايا أدوية الضغط والسكري، وسبحتي، وجوايا هدوء وسكوت غريب لدرجة الخوف.
قلت لهم إنني مسافرة الغردقة.. بس أنا مروحتش هناك.
أنا حجزت في لوكاندة صغيرة على البحر في العين السخنة، يدوبك ساعتين سفر.
لأول مرة من سنين، محدش صرخ وقال يا ماما! من أوضة تانية.
محدش سألني فين الملاحة وفين السمنة.
محدش كسر طبق واستناني ألمه.
الساعة 1047 الصبح، رامي اتصل.
وبعدها بربع ساعة اتصل تاني.. وتاني.
سيبت التليفون يرن.
على الضهر، الرسايل بدأت تهل
بسنت مش لاقية الرز فين.
بسنت مش عارفة مفتاح الصواني فين.
بسنت مش لاقية المرتب الزيادة.
ورامي كاتب أهل بسنت جايين بعد بكرة وأنتِ كدة بتخربي كل حاجة.
قعدت في البلكونة، بشرب كوباية قهوة تركي بوش، وببص للبحر والموج وهو بيخبط في الصخر كأنه بيكسر قيود قديمة.
لأول مرة، محستش بذنب.. حسيت إنني فوقت.
بس كنت عارفة إن الانفجار الحقيقي لسه مبدأش.. ومكنش حيبدأ من مطبخي.. حيبدأ لما عيلة بسنت تكتشف إن العيد المثالي اللي وعدتهم بيه كان مبني على طبخي، وفلوسي، وسكوتي.. والسر اللي في الدوسيه الأزرق.
على المغرب، التليفون اتهز تاني. المرة دي مكنش رامي.
دي كانت رسالة من عم بسنت،
مسألش عن الأكل، ولا الزينة.. كتب سطر واحد
يا حاجّة