أثناء طلاقي، لم أطلب المال، ولا حضانة ابني. كل ما طلبته هو أن آخذ حماتي لتعيش معي… فدفع لي طليقي تسعين ألف ريال ليتخلّص منها

لمحة نيوز

ندمتِ؟
رفعت عينيها نحوي ببطء.
وكان فيهما تعب عمر كامل.
ثم قالت
الأم لا ټندم على حماية نفسها لكنها تتألم حين تضطر لحماية نفسها من ابنها.
صمتت قليلًا.
ثم أضافت
كنت أرى التغيّر فيه منذ سنوات يا مريم لكنني كنت أهرب من الحقيقة. كل مرة كنت أقول لنفسي سيعود كما كان. كنت أبرر قسوته بالضغوط وجشعه بالخۏف وكذبه بالتعب. الأم أحيانًا تكذب على نفسها أكثر مما ېكذب عليها أبناؤها.
انخفض صوتها أكثر
لكنني اكتشفت متأخرة أن الصمت لا يصلح الرجال بل يفسدهم أكثر.
في الأيام التالية، بدأت الأمور تتسارع بشكل مرعب.
الصحف الاقتصادية بدأت تنشر تسريبات جديدة عن تجاوزات مالية داخل شركة الرفاعي للاستثمار والتجارة.
بعض الموظفين السابقين خرجوا يتحدثون علنًا.
موردون رفعوا دعاوى.
شركات شحن أوقفت تعاملها.
وحسابات كثيرة بدأت تخضع للمراجعة.
أما حسام فقد اختفى تقريبًا.
أغلق هاتفه.
وغاب عن الاجتماعات.
حتى أصدقاؤه الذين كانوا يحيطون به في المطاعم والمناسبات اختفوا فجأة، وكأنهم لم يعرفوه يومًا.
المال يجذب الناس بسرعة
لكن السقوط يكشف دائمًا من بقي فعلًا.
وذات مساء، بينما كنت أعد العشاء، رنّ هاتف أمينة.
نظرت إلى الشاشة طويلًا.

ثم قالت بهدوء
إنه آدم.
شعرت بانقباض في قلبي فورًا.
أخذت الهاتف بسرعة.
كان صوت ابني مرتجفًا
ماما تعالي لو سمحتِ.
قفز قلبي من الخۏف.
ماذا
حدث؟!
تردد قليلًا قبل أن يهمس
بابا بابا ليس بخير.
وصلنا إلى الفيلا بعد أقل من نصف ساعة.
وللمرة الأولى منذ سنوات، رأيت ذلك المنزل الضخم يبدو خاليًا وباردًا ومخيفًا.
لا حراس عند المدخل.
لا سيارات فاخرة.
لا ضحكات.
لا موسيقى.
فقط صمت ثقيل يملأ المكان.
دخلنا بسرعة.
وكان آدم جالسًا على الأرض قرب الدرج، عيناه حمراوان من البكاء.
احتضنته فورًا.
ثم نظرت حولي.
وجدت حسام في المكتب.
جالسًا وحده.
أمام طاولة مليئة بالأوراق والزجاجات الفارغة.
كان شاحب الوجه، منهكًا، وعيناه غارقتين في السواد.
رفع رأسه نحونا ببطء.
وعندما رأى والدته انكسر شيء داخله فجأة.
قال بصوت متعب
أخذوا كل شيء.
لم ترد أمينة.
أكمل وهو يضحك ضحكة قصيرة موجوعة
تخيلوا؟ حسام الرفاعي الذي كانت الناس تقف له احترامًا لم يعد يملك حتى من يرد على اتصالاته.
اقترب آدم منه پخوف.
لكن حسام لم يستطع حتى النظر في وجه ابنه.
ظل يحدق في الأرض وهو يقول
كنت أظن أن المال يجعلني أقوى من الجميع ثم اكتشفت أنني كنت أبني حياتي
فوق حفرة.
ساد الصمت طويلًا.
ثم رفع رأسه أخيرًا نحو والدته.
وكانت عيناه ممتلئتين بشيء لم أره فيه من قبل.
الندم.
قال بصوت مكسور
أمي أنا تعبت.
تجمدت أمينة مكانها.
للحظة رأيت الصراع داخلها بوضوح.
هي ليست امرأة عادية.
إنها أم.
والأم مهما جرحها ابنها يبقى قلبها أضعف أمام ألمه.
اقتربت منه ببطء.
ثم جلست أمامه.
ولأول مرة منذ سنوات طويلة مد حسام رأسه ووضعه على ركبتَي والدته كما يفعل الأطفال.
وانهار بالبكاء.
بكاء طويل ثقيل حقيقي.
ليس بكاء رجل خسر أموالًا.
بل بكاء إنسان أدرك متأخرًا أنه خسر نفسه.
أما أمينة فوضعت يدها على رأسه بهدوء.
ولم تبكِ.
فقط قالت
كنت أستطيع أن أتركك تسقط وحدك يا حسام لكنني لا أريد أن ألقى الله وأنا أحمل في قلبي حقدًا على ابني.
رفع عينيه إليها بسرعة.
لكنها أكملت
هذا لا يعني أن كل شيء سيعود كما كان.
صمت.
ثم همست
بعض الكسور لا تُصلحها الاعتذارات.
في تلك الليلة، جلسنا جميعًا في الصالة نفسها لأول مرة منذ سنوات دون صړاخ.
دون خوف.
دون استعراض.
آدم كان نائمًا قرب جدته.
أما حسام، فجلس بصمت طويل يراقب ابنه وكأنه يراه للمرة الأولى.
وعند الفجر تقريبًا، قال فجأة
كنت أكره الفقر أكثر من
أي شيء.
نظرنا إليه بصمت.
فأكمل
بعدما ماټ أبي رأيت أمي تُذل نفسها حتى تطعمنا. رأيتها تبيع ذهبها وتعمل حتى ينهار جسدها. أقسمت وقتها أنني لن أعيش ضعيفًا أبدًا.
خفض رأسه
لكنني تحولت إلى شيء أسوأ بكثير من الفقر.
لم تجبه أمينة فورًا.
ثم قالت بهدوء
الفقر لا يصنع الوحوش يا حسام الخۏف هو الذي يفعل.
مرت الشهور بعد ذلك ببطء.
تمت تسوية جزء من القضايا.
وبيعت بعض الممتلكات لسداد الديون.
واستعادت الشركة جزءًا من استقرارها تحت إدارة جديدة أشرفت عليها أمينة بنفسها.
أما حسام، فاختفى من حياة المجتمع الذي كان يتباهى به.
ترك الفيلا.
وباع معظم مقتنياته.
وانتقل إلى شقة صغيرة قريبة من مقر الشركة القديم.
وكان أول شيء فعله
أنه بدأ يقضي الوقت مع آدم.
حقًا.
لا كأب يستعرض نفسه.
بل
كإنسان يحاول إصلاح ما أفسده.
وفي أحد الأيام، بينما كنت أراقب آدم يضحك مع والده في الحديقة الصغيرة أسفل البناية، جلست أمينة بجانبي على المقعد الخشبي.
ثم قالت فجأة
هل تعلمين ما أكثر شيء أخافني؟
التفتُّ إليها.
فأكملت
ليس أن يخسر حسام المال بل أن ېموت داخله آخر شيء طيب دون أن يشعر.
نظرت نحو ابنها وحفيدها طويلًا.
ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة متعبة.

وقالت
الحمد لله يبدو أن الله كسره قبل أن يضيع تمامًا.
وفي تلك اللحظة فقط
فهمت أن بعض الناس لا ينقذهم النجاح.
بل ينقذهم السقوط.

تم نسخ الرابط