سخرت المدعية العامة من طفلٍ يلمّع الأحذية أمام مبنى النيابة

لمحة نيوز


كل شيء حولها.
وعادت ترى الرجل الذي أحبها يومًا رغم كل قسوتها.
الرجل الذي كان يقول دائمًا
البيت الذي فيه رحمة لا يهزم.
لكنها هي من هزمته في النهاية.
قال أمير بفخر صغير
هذه صورة أبي.
ارتجفت شفتا إليف.
ثم سألت بصوت خافت
هل تتذكره كثيرًا؟
ابتسم أمير بحزن طفولي.
وقال
كل يوم.
ثم أضاف
كان يقول إن أمي ستعود يومًا.
توقفت أنفاس إليف بالكامل.
أما فاطمة فأبعدت وجهها حتى لا ترى دموعها.
سأل أمير ببراءة
هل تعرفين أمي؟
لم تستطع إليف الرد فورًا.
شعرت بأن قلبها ينهار ببطء.
كيف تخبره؟
كيف تقول لطفل عاش سنوات يسأل عن أمه إنها كانت قريبة طوال الوقت ولم تأتِ؟
قالت فاطمة بسرعة
أمير، اذهب وأحضر الشاي.
فهم الطفل أن جدته تريد إبعاده قليلًا.
فأخذ الأكواب الصغيرة وذهب نحو المطبخ الضيق.
وما إن ابتعد حتى اقتربت فاطمة من إليف وهمست بغضب مكتوم
ماذا تريدين الآن بالضبط؟
قالت إليف بسرعة
أريد أن أصلح ما فعلته.
ضحكت العجوز بمرارة.
ثم قالت
وهل تُصلح الأم سبع سنوات من الغياب بكلمتين؟
خفضت إليف عينيها.
ثم همست بصوتٍ مرتجف
كنت أعيش طوال السنوات الماضية وأنا أقنع نفسي أن أمير بخير مع والده أن لديه بيتًا دافئًا وحياةً هادئة بعيدًا عن فوضاي.
ابتلعت دموعها بصعوبة ثم قالت
لم أتخيل يومًا أن ابني قد يكبر في الشوارع أو يمدّ يده للناس كي يشتري الخبز. لو كنت أعلم أنه يعاني هكذا والله ما تركته يومًا واحدًا. كنت سأجعله يعيش مرفوع الرأس مدللًا في عزّ أمّه.
نظرت إليها فاطمة طويلًا.
ولأول مرة رأت الانكسار

الحقيقي فوق وجه المرأة التي ظنت دائمًا أنها بلا قلب.
هزّت العجوز رأسها ببطء ثم قالت هذا لا يبرر ما فعلتِه يا إليف.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة.
ثم أضافت بصوتٍ خافت 
يونس لم يكرهكِ يومًا بالرغم من تركك له ولطفلك.. حتى وهو يموت كان يدعو لكِ بعد كل صلاة.
ارتجفت إليف فور سماع اسمه وانفجرت دموعها أخيرًا.
غطّت فمها بيدها حتى لا يسمعها أمير.
لكن صوتها خرج مختنقًا
لماذا لماذا فعل ذلك بعد كل ما فعلته به؟
أجابت فاطمة بهدوء متعب
لأنه كان يحبكِ بصدق ولأنه لم يُرد لابنه أن يكبر وهو يحمل الكراهية.
في تلك اللحظة
عاد أمير يحمل صينية الشاي الصغيرة بحذر.
ابتسم فورًا وهو يقول
انتبهوا الكؤوس ساخنة.
نظرت إليه إليف طويلًا.
ثم مدّت يدها لتساعده. لكن أصابعه الصغيرة لمست يدها للحظة
فتجمّد الاثنان معًا. شيء غريب مرّ بينهما.
إحساس لا يشبه الغربة. جلس أمير أمامها.
ثم سأل فجأة
هل لديكِ أطفال؟
اختنقت أنفاس إليف.
أما فاطمة فأغلقت عينيها وكأن السؤال أصابها في قلبها.
بعد ثوانٍ طويلة. أجابت إليف بصوت مرتجف
كان لدي طفل صغير
نظر إليها أمير باهتمام.
فسألتها فاطمة بسرعة محاولة إنهاء الحديث
ألم يكن لديكِ عمل مهم في النيابة؟
لكن أمير سبقها وقال
وماذا حدث له؟
شعرت إليف بأن الدموع ستفضحها مجددًا.
ثم قالت بصعوبة
أضعته
ساد الصمت داخل الغرفة حتى صوت المطر الخفيف بالخارج بدا أوضح.
أما أمير
فنظر إليها بحزن حقيقي وقال
لا بد أنكِ بكيتِ كثيرًا إذًا.
وفي تلك اللحظة شعرت إليف أن قلبها تحطم بالكامل.
مرت
عدة دقائق دون أن يتكلم أحد.
كان صوت المطر الخفيف يضرب زجاج النافذة القديمة
وصوت غلاية الماء الصغيرة يملأ الفراغ داخل الغرفة الباردة.
أما إليف
فبقيت تنظر إلى أمير وكأنها تحاول حفظ ملامحه بعد سبع سنوات من الضياع.
وفجأة سعلت فاطمة بقوة.
فنهض أمير بسرعة يساندها بقلق، ثم بدأ يبحث عن دوائها فوق الرف الصغير قبل أن يدخل إلى المطبخ الضيق ليحضر لها كوب ماء.
راقبته إليف بصمت طويل.
طفل في الثامنة
يتحرك داخل البيت كربّ أسرة كامل.
وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا متأخرًا جدًا
ابنها لم يعد ذلك الرضيع الذي تركته نائمًا ذات صباح.
كبر دونها وتعلّم الحياة دونها وحزن دونها أيضًا.
وحين اختفى أمير داخل المطبخ التفتت إليف أخيرًا نحو فاطمة.
ثم قالت بصوت خافت مكسور
أعرف أنني خسرت حقي فيه منذ اليوم الذي تركته فيه ولن أحاول أخذه منكِ، ولن أقول له الحقيقة إذا كنتِ لا تريدين ذلك.
نظرت إليها العجوز بصمت متحفّظ.
أما إليف فأكملت وعيناها معلقتان بالممر الذي اختفى فيه أمير
أنا لا أطلب أن يسامحني ولا حتى أن يحبني. فقط لا تتركوه يضيع أكثر من هذا.
ثم أخرجت ظرفًا صغيرًا من حقيبتها ووضعته فوق الطاولة بسرعة قبل أن تعترض فاطمة.
وقالت
هذا ليس صدقة هذا حقه. سأرسل مبلغًا كل شهر لتعليم أمير وعلاجه وكل ما يحتاجه. أريده أن يعود إلى المدرسة أن يعيش حياة تليق به.
عقدت فاطمة حاجبيها وقالت ببرود
ولماذا الآن؟
ابتلعت إليف ألمها بصعوبة.
ثم همست
لأنني حين رأيته اليوم فهمت أن الله لم يعاقبني بابتعاده عني.
رفعت عينيها
الممتلئتين بالدموع نحو العجوز وأكملت
عاقبني بأن أراه أمامي ولا أملك حق الاقتراب منه.
ساد الصمت داخل الغرفة.
وفي تلك اللحظة عاد أمير يحمل كوب الماء لجدته دون أن يفهم شيئًا مما قيل.
اقتربت إليف ببطء من الباب.
ثم توقفت للحظة ونظرت إلى أمير طويلًا.
كانت تريد أن تضمه.
أن تخبره بالحقيقة. أن تعتذر عن سبع سنوات كاملة.
لكنها أدركت أن بعض الاعتذارات
تأتي متأخرة أكثر مما ينبغي.
فاكتفت بابتسامة صغيرة متعبة وقالت
أنت طفل شجاع جدًا يا أمير.
نظر إليها الصبي بحيرة خفيفة.
ثم سأل
هل ستأتين مرة أخرى؟
ارتجفت شفتا إليف للحظة.
ثم نظرت نحو فاطمة قبل أن تجيب بهدوء
إذا سمحت لي جدتك.
لم ترد فاطمة.
أما إليف
فاكتفت بهزة رأس خفيفة ثم غادرت البيت تحت المطر البارد.
وبعد ثوانٍ
ركض أمير نحو النافذة الصغيرة.
وظل يراقب السيارة السوداء وهي تبتعد ببطء في آخر الزقاق.
ثم سأل جدته بصوت خافت
لماذا أشعر أنني أعرفها؟
أغمضت فاطمة عينيها طويلًا.
ثم قالت بتعب
بعض الناس يتركون شيئًا منهم داخل قلوبنا حتى بعد الغياب.
سكت أمير.
ثم
عاد إلى صندوق تلميع الأحذية المكسور في زاوية الغرفة
وجلس يحاول إصلاحه بصمت.
بينما كانت إليف، في الطرف الآخر من المدينة
تبكي للمرة الثانية فقط منذ سنوات، غير عابئة إن كان أحد يراها.
ولأول مرة منذ زمنٍ طويل
لم تشعر أنها المرأة الحديدية التي اعتادت النجاة دائمًا.
بل أمٌّ
وصلت متأخرة أكثر مما ينبغي.
وفي تلك اللحظة،
شعرت أن قلبها انكسر بالكامل.
ليس لأنها خسرته
بل لأنها أدركت، متأخرة
جدًا،
أن الله لا يعاقب بعض الأمهات بحرمان أطفالهن منهن
بل بأن يبقوا قريبين منهم طوال الوقت،
دون أن يملكن يومًا الحق في أن يُطلق عليهن اسم أم.

 

تم نسخ الرابط