سخرت المدعية العامة من طفلٍ يلمّع الأحذية أمام مبنى النيابة
الصغير، بينما كان يونس يؤدي صلاة الفجر في المسجد القريب.
كانت تظن أنها ستبتعد أيامًا قليلة فقط
حتى تهدأ الخلافات والضغوط التي كانت تخنقها.
لكن حين عادت بعد أسبوعين
وجدت الشقة القديمة فارغة.
لا يونس.
لا الطفل.
لا حتى ستائر النافذة التي كانت تعرفها.
سألت الجيران بارتباك، فأخبروها أن يونس غادر المكان منذ أيام.
وقفت طويلًا أمام الباب المغلق ثم أقنعت نفسها أن هذا أفضل.
أن أمير سيكبر مع والده بعيدًا عن قسوتها وفوضى حياتها.
وكلما فكرت أن تبحث عنهما
كانت تهمس لنفسها
سيعيش معه أفضل مني يونس أحنّ مني وأطهر قلبًا.
كانت تلك الجملة هي الكذبة الوحيدة التي ساعدتها على النوم.
ثم انشغلت أكثر بالقضايا والمحاكم والجلسات الطويلة
وأصبح اسمها يكبر يومًا بعد يوم داخل أروقة العدالة.
حتى تحولت إلى المدعية العامة إليف كارا
المرأة التي يخشاها الجميع
بينما كانت هي عاجزة عن الهروب من نفسها.
لأنها طوال سبع سنوات
لم تستطع النظر إلى أي طفل دون أن تشعر أن الله يذكّرها بابنٍ تركته نائمًا ذات صباح
ثم اختفت من حياته إلى الأبد.
قطع طرق الباب أفكارها.
دخل مساعدها بسرعة وقال
سيدتي، الاجتماع جاهز.
أومأت بصمت.
ثم سألته فجأة
هل يمكنك أن تبحث لي عن عنوان طفل اسمه أمير يلماظ؟
نظر إليها الرجل باستغراب واضح.
لكنه لم يعلّق.
فقط قال
سأحاول.
مرّ اليوم كله ثقيلًا.
وكلما فتحت ملفًا قضائيًا رأت وجه أمير بدل الكلمات.
وكلما سمعت طفلًا يضحك في الخارج تذكرت كيف كان ابنها يضحك وهو رضيع حين يرفع يونس أذان العصر بصوته الجميل داخل البيت.
وقبل المغرب بقليل وصلها العنوان.
حدّقت طويلًا في الورقة الصغيرة بين يديها.
حي بالاط.
زقاق ضيق قرب فرن قديم.
شقة تحت الأرض.
أغلقت الملف ببطء ثم نهضت ولأول مرة منذ سنوات طويلة شعرت بالخوف.
ليس من قضية ولا من مجرم.
بل من طفل صغير قد ينظر إليها بعينيه ولا يسامحها أبدًا.
مع اقتراب أذان المغرب
كانت سماء إسطنبول تميل إلى اللون البرتقالي الباهت، بينما توقفت سيارة إليف السوداء عند مدخل حي بالاط القديم.
نظرت من خلف الزجاج إلى الأزقة الضيقة الممتدة أمامها.
بيوت متلاصقة بألوان باهتة.
سلالم حجرية قديمة.
وحبال غسيل تتدلّى بين النوافذ في مكان كهذا
عاشت السنوات التي حاولت الهروب منها بكل قوتها.
أطفأت المحرك ببطء لكنها لم تنزل فورًا.
بقيت تمسك المقود وكأن يديها فقدتا القدرة على الحركة.
لأول مرة منذ سنوات لم تكن تعرف ماذا تقول.
ولا كيف تنظر في وجه ابنها ولا كيف تشرح لطفل فقير أن المرأة التي كانت تمر بجانبه صباحًا بأحذية باهظة وسيارات سوداء
هي نفسها أمه التي اختفت من حياته.
نزلت أخيرًا من السيارة وسارت داخل الزقاق الضيق بخطوات مترددة.
حتى وصلت إلى باب حديدي قديم في أسفل بناية رطبة.
الرقم 12.
تنفست ببطء. ثم طرقت الباب.
لم يجب أحد في البداية لكن بعد لحظات سمعت صوت سعال طويل
ثم اقتربت خطوات بطيئة وانفتح الباب قليلًا.
ظهرت امرأة مسنة تضع وشاحًا صوفيًا فوق رأسها، ويدها ترتجف فوق عصا خشبية.
كانت نحيلة جدًا وشاحبة.
لكن عينيها بقيتا حادتين بشكل مؤلم.
وحين وقعت نظرتها على إليف تجمّد وجهها بالكامل.
ساد صمت ثقيل ثم همست المرأة بصوت مخنوق
أنتِ
شعرت إليف بأن الكلمات علقت في حلقها.
قالت بصعوبة
خالة فاطمة
لكن المرأة دفعت الباب بقوة محاولة إغلاقه.
إلا أن إليف أمسكت الباب بسرعة.
وقالت برجاء
أرجوكِ فقط أريد التحدث.
صرخت فاطمة فجأة بصوت مرتفع جعل بعض النوافذ تُفتح في الأعلى
بعد سبع سنوات تذكّرتِ التحدث؟!
ارتجفت إليف.
أما المرأة العجوز فبدت وكأن كل وجعها انفجر دفعة واحدة.
قالت بعينين ممتلئتين بالدموع
ابني مات وهو ينظر إلى الباب كل ليلة منتظرًا عودتكِ وأنتِ الآن جئتِ لأنكِ أصبحتِ مدعية عامة مهمة؟!
خفضت إليف رأسها فورًا.
لم تجد ما تدافع به عن نفسها.
لأن كل كلمة قالتها العجوز كانت صحيحة.
قالت بصوت مكسور
لم أكن أعرف أنه مريض
ضحكت فاطمة بمرارة.
ثم قالت
حتى لو عرفتِ هل كنتِ ستعودين فعلًا؟
سكتت إليف.
وذلك الصمت وحده كان كافيًا.
في الداخل سمع صوت خطوات صغيرة تقترب.
ثم ظهر أمير.
كان يحمل كيس خبز صغيرًا بين يديه.
لكن ما إن رأى إليف واقفة عند الباب
حتى تجمّد مكانه نظر أولًا إلى جدته ثم إليها.
وقال بدهشة
أنتِ المرأة التي في النيابة
ابتلعت إليف ريقها
بينما أسرعت فاطمة تمسك كتف حفيدها وكأنها تخشى أن تأخذه منها.
قالت بحدة
ادخل يا أمير.
لكن الطفل لم يتحرك. بقي يحدّق في وجه إليف طويلًا.
ثم قال ببراءة موجعة
لماذا تبكين؟
انتبهت إليف فجأة إلى الدموع فوق وجهها.
مسحتها بسرعة. لكنها لم تستطع الكلام.
أما أمير فكان يراقبها بعينين مرتبكتين.
لأنه لم يفهم لماذا جاءت امرأة مهمة من النيابة إلى بيتهم الفقير.
ولماذا تنظر إليه بتلك الطريقة.
قالت فاطمة ببرود
ماذا تريدين؟
تنفست إليف ببطء.
ثم قالت
أريد أن أساعدكم.
ضحكت العجوز بسخرية مريرة.
وقالت
الآن فقط تذكّرتِ المساعدة؟
ثم أشارت إلى الغرفة خلفها
هل ترين هذا المكان؟ ابنكِ ينام هنا فوق فراش رطب منذ سنوات وأنا كنت أبيع خاتم زواجي حتى أشتري له الدواء عندما يمرض.
شعرت إليف وكأن أحدهم يضغط سكينًا داخل صدرها.
أما أمير
فرفع رأسه بسرعة وقال
جدتي لا تكذب هي لا تأكل أحيانًا حتى آكل أنا.
أغلقت إليف عينيها لحظة.
ثم نظرت إلى الطفل ملابسه القديمة. حذاؤه المهترئ.
يداه الصغيرتان الملطختان بالسواد.
كل شيء فيه كان يصرخ بأنها فشلت كأم.
قالت بهدوء
أمير هل تسمح لي بالدخول قليلًا؟
نظر الطفل إلى جدته بتردد.
أما فاطمة
فظلت صامتة عدة ثوانٍ قبل أن تبتعد عن الباب أخيرًا.
دخلت إليف ببطء فاصطدمت فورًا برائحة الرطوبة والبرد.
الغرفة صغيرة جدًا.
جدرانها متشققة.
ومدفأة قديمة في الزاوية بالكاد تعمل.
فوق الطاولة
شعرت إليف بأن قدميها ضعفتا فجأة.
اقتربت من الصورة ببطء كان يبتسم فيها بنفس الهدوء الذي تتذكره.
لثوانٍ اختفى