سخرت المدعية العامة من طفلٍ يلمّع الأحذية أمام مبنى النيابة

لمحة نيوز

سخرت المدعية العامة من طفلٍ يلمّع الأحذية أمام مبنى النيابة في إسطنبول
لكنها تجمّدت بعد ثوانٍ حين رأت الشامة الصغيرة نفسها التي يحملها طفلها المفقود منذ سبع سنوات.
شعرت إليف بأن الأرض تميد تحت قدميها.
يلماظ
اسم الرجل الذي أحبته يومًا.
أما رجال الأمن حولها فظلّوا ينظرون بصدمة إلى المرأة الحديدية التي اشتهرت بأنها لا تتأثر بشيء، بينما كانت عيناها تمتلئان بالدموع أمام طفل يلمّع الأحذية في أحد أفقر شوارع إسطنبول.
تجمّدت في مكانها تمامًا، وحدقت في وجه الطفل بلا حركة، فيما كانت السنوات السبع الماضية تنهار فوق رأسها دفعة واحدة.
أمير
حتى اسمه كان الاسم نفسه الذي اختاره يونس يوم ولادته.
يوم حمله بين ذراعيه داخل مستشفى حكومي صغير في إسطنبول، وقال لها بابتسامة متعبة
إذا رزقني الله ولدًا سأسمّيه أمير، حتى لو لم نملك من الدنيا شيئًا.
ابتلعت ريقها بصعوبة.
ثم انخفضت قليلًا وكأنها تريد التأكد أكثر.
لكن قلبها كان يعرف قبل عينيها.
الشامة الصغيرة.. العينان العسليتان.
حتى الطريقة التي يعض بها شفته السفلى عندما يخاف
كانت تشبه والده بشكل موجع.
همس أحد رجال الأمن باستغراب
سيدتي المدعية العامة هل أنتِ بخير؟
انتبهت إليف فجأة إلى الجميع حولها.
الصحفيون قرب الباب.
الموظفون.
رجال الحراسة.
وذلك الطفل الفقير الذي يقف أمامها مرتجفًا لأنه ظن أنه أغضب امرأة مهمة.
عادت قسوتها القديمة إلى وجهها

بسرعة.
رفعت رأسها وقالت ببرود
خذوا الطفل بعيدًا من هنا لا أريد فوضى أمام المبنى.
اتسعت عينا أمير بصدمة.
ثم انحنى بسرعة يلتقط فرشاته وصندوقه الخشبي قبل أن يركله أحد رجال الأمن مرة أخرى.
لكن قبل أن يبتعد قالت إليف فجأة
انتظر.
تجمّد الطفل مكانه.
أخرجت من حقيبتها ورقة نقدية كبيرة ومدّتها نحوه.
نظر أمير إلى المال طويلًا دون أن يأخذه.
ثم قال بصوت خافت
أنا لا أريد صدقة يا سيدتي فقط كنت أريد العمل.
ارتبك أحد رجال الأمن من طريقته، وهمّ بتوبيخه.
لكن إليف رفعت يدها تمنعه.
وظلت تحدق في الطفل أكثر.
كل كلمة يقولها كانت تسحق شيئًا داخلها.
لأن يونس كان يفعل الشيء نفسه دائمًا.
يرفض المال المجاني حتى في أسوأ أيام الفقر.
قالت بهدوء حاولت أن تخفي فيه ارتجافها
إذًا لمّع الحذاء.
جلس أمير فورًا على الأرض وبدأ يعمل بصمت.
بينما بقي رجال الأمن ينظرون إلى بعضهم باستغراب.
لم يحدث يومًا أن سمحت إليف لطفل شارع بالاقتراب منها.
كانت المرأة نفسها التي أمرت قبل أشهر بإبعاد الباعة المتجولين عن محيط المحكمة بحجة حفظ النظام.
أما الآن فكانت واقفة بلا حركة، تنظر إلى طفل يلمّع حذاءها.
راقبت أصابعه الصغيرة وهي تتحرك بسرعة فوق الجلد الأسود.
أصابع متشققة. أصابع طفل لا يجب أن يكون هنا أصلًا.
سألته فجأة
أين والداك؟
توقفت الفرشاة بين يدي أمير للحظة قصيرة.
ثم خفض عينيه وعاد يلمّع الحذاء ببطء وهو يقول
أبي مات.

شعرت إليف وكأن شيئًا حادًا انغرس داخل صدرها.
اختفى الهواء من رئتيها للحظة، واضطربت أنفاسها رغم محاولتها التماسك.
يونس مات؟
ذلك الرجل الذي أحبّته يومًا أكثر من نفسها
الرجل الذي كانت تظن أنه سيكرهها إلى الأبد لكنه سيبقى حيًا على الأقل
مات.
رمشت بسرعة محاولة منع الدموع التي بدأت تحرق عينيها.
ثم سألت بصوتٍ خافت مرتجف
ووالدتك يا أمير؟
سكت أمير عدة ثوانٍ.
حتى ظنت أنه لن يجيب.
ثم قال ببساطة مؤلمة
لا أعرفها.
انقبض قلبها بعنف.
أما الطفل
فبقي ينظف الحذاء وكأنه يتحدث عن شخص غريب لا يعنيه.
قال أحد الحراس محاولًا إنهاء الموقف
سيدتي، الاجتماع سيبدأ خلال عشر دقائق.
أومأت إليف دون أن تنظر إليه.
ثم سألت أمير
مع من تعيش؟
مع جدتي فاطمة.
أين؟
تردد قليلًا.
كان واضحًا أن جدته علمته ألا يخبر الغرباء بمكانهما.
لم يرد عليها.
أنهى تلميع الحذاء ثم رفع رأسه أخيرًا وقال بصوت صغير
انتهيت يا سيدتي.
نظرت إليف إلى الحذاء اللامع ثم إلى وجهه وأخرجت المال مرة أخرى.
هذه المرة أخذه أمير بتردد، لأنه عمل مقابله فعلًا.
لكنها أعطته أكثر بكثير من عشرين ليرة.
وحين لاحظ الرقم ارتبك بسرعة وقال
سيدتي هذا كثير.
قالت ببرود تخفي خلفه ارتباكًا
اعتبره لأنك أتقنت عملك.
ثم استدارت ودخلت مبنى النيابة بخطوات سريعة.
لكنها ما إن وصلت مكتبها حتى أغلقت الباب بعنف.
وسقطت أنفاسها دفعة واحدة.
وضعت يديها فوق المكتب تحاول التماسك.

إلا أن صورة الطفل لم تغادر رأسها.
أمير يونس يلماظ.
ذلك الاسم وحده كان كافيًا ليعيدها سبع سنوات إلى الخلف
إلى الليلة التي دمّرت حياتها كلها.
وقتها كانت إليف مجرد محامية شابة تحاول إثبات نفسها داخل عالم لا يرحم النساء بسهولة.
كانت تعمل ليلًا ونهارًا.. تنام ساعات قليلة.
وتقاتل كي تصل إلى منصب محترم.
أما يونس
فكان رجلًا طيبًا هادئًا، يعمل موظفًا بسيطًا في أرشيف إحدى المحكمة.
يصلي الفجر كل يوم في المسجد الصغير أسفل منزلهم، ثم يعود حاملًا السميت الساخن وكوبَي شاي قبل أن يذهب إلى عمله.
أحبها بجنون.
لكن الحب وحده لم يكن يكفي إليف وقتها.
كانت تريد مستقبلًا أكبر. اسمًا أكبر. حياة مختلفة.
ثم جاء أمير وفي البداية ظنت أن الأمومة ستغيّرها.
لكنها كانت تختنق أكثر كل يوم.
حفاضات. بكاء. فواتير.
وشقة ضيقة لا تدخلها الشمس.
في الوقت نفسه بدأت فرصة كبيرة تظهر أمامها داخل النيابة.
منصب تدريبي مهم لن تقبل فيه أي امرأة لديها التزامات عائلية.
قال لها أحد المسؤولين وقتها بوضوح
هذا المجال قاسٍ يا إليف إما أن تعيشي له بالكامل، أو ستسقطين بسرعة.
وظلت تلك الجملة تطاردها شهورًا.
حتى جاءت الليلة التي انفجرت فيها بوجه يونس.
صرخت فيه لأنها تعبت من الفقر من الغسيل المعلّق فوق المدفأة.
من تأخر الإيجار. من حياتها التي شعرت أنها تبتلع أحلامها ببطء.
أما يونس فبقي صامتًا طويلًا.
ثم قال بهدوء
سنصبر يا
إليف الرزق بيد الله.
لكنها لم تعد تريد الصبر.
وفي صباحٍ بارد من شتاء إسطنبول غادرت المنزل.
وتركت طفلها نائمًا في سريره
 

تم نسخ الرابط