وقفت وسط الشارع وأنا عندي 7 سنين، وشاورت عليه وقلت: هو ده اللي هجوزه ومش هقبل بغيره! والكل ضحك عليا.. بس بعد ما القدر فرقنا الظروف غيرت كل حاجه…….
ريحة البرفان بتاعته كانت غالية جداً، بس فيها نكهة معينة رجعتني فوراً لأيام المدرسة، وللمصطبة اللي كان بيقعد يذاكرلي عليها.
"عارف إنها اتخرجت بامتياز، وعارف إنها أحسن واحدة هنا.. لأنها دايماً بتنفذ الوعود اللي بتقولها."
وقفت ورجلي بتخبط في بعض، وقلت بصوت واطي مهزوز:
"ياسين؟"
ضحكته وسعت.. مبقاش الشاب اللي ساكن في آخر الشارع، بقى راجل معاه سلطة وفلوس ونفوذ، وبنى إمبراطورية بإيده. بس في عينه، لسه فيه نفس اللمعة الهادية بتاعة الجدع اللي كان بيجيبلي أيس كريم وأنا بعيط.
"قلتلك لما تكبري نبقى نتكلم،" رد بصوت واطي وهو بيبصلي لوحدي، "بقالنا 15 سنة يا سلمى.. لسه عنيدة زي ما أنتِ؟"
المواجهة الخاصة
ياسين طلب من الكل يخرج عشان "يناقش تفاصيل العقد". أول ما الباب اتقفل، حسيت إن جبل انزاح من على صدري. بقينا لوحدنا.
"أنت كنت بتدور عليا؟" قلتها والدموع محبوسة في عيني، "أنت كنت عارف إني جاية
سند ضهره على المكتب وبصلي بهدوء:
"أنا مرحتلكيش بشكل مباشر يا سلمى، بس كنت ماشي ورا خطواتك خطوة بخطوة."
قلبي اتنفض: "إزاي؟"
"كنت بسأل على درجاتك في الثانوية، وعرفت لما دخلتي الجامعة، ولما اتخرجتي، وحتى لما نزلتي تدريب في الشركة اللي فاتت. ألف مرة كنت عايز أظهرلك، وأخبط على بابك وأقولك إني لسه فاكر. بس وعدت نفسي: مش هرجع غير لما أنتِ اللي توصليلي بمجهودك وشطارتك."
بلعت ريقي وسألت: "ولو مكنتش جيت الشركة دي بالذات؟"
رد من غير ما يرمش: "كنت اشتريت الشركة اللي أنتِ اشتغلتي فيها."
ضحكت وعيطت في نفس الوقت. الرد كان فيه كبرياء وغرور، بس مع ياسين.. كنت عارفة إنه مبيبهزرش.
راح وقف قدام الشباك الكبير اللي كاشف القاهرة كلها بمبانيها وزحمتها. سكت شوية وكأنه بينقي كلامه.
"يوم ما وقفتي في الشارع وشاورتي عليا وقلتي هتتجوزيني، أنا اتخضيت خضة عمري،" اعترف وهو مبتسم، "كان عندي 17
بص لي تاني، وملامح "المدير" اختفت تماماً.
"ليلة ما مشيت، بعد ما جدتي ماتت، مكنش حيلتي حاجة.. بس أخدت معايا حاجة واحدة بس."
فتح درج مكتبه وطلع ورقة صغيرة، متطبقة بعناية، لونها اصفر من الزمن. حطها في إيدي.. قلبي وقف.
كانت ورقة مكتوبة بخط طفلة، مهزوزة وكله غلطات إملائية:
"ياسين متسافرش. أنا ذاكرت كتير النهاردة. أنا بحبك."
عيني غيمت من الدموع.
"أنتِ حطيتي الورقة دي تحت باب بيتي الصبح قبل ما أمشي،" قال ياسين وهو بيقرب مني، "الورقة دي لفت معايا العالم 15 سنة. كانت معايا في كل اجتماع مهم، في كل فشل، وفي كل نجاح. لما كنت بقع، كنت ببص فيها وأفتكر إن فيه بنت بتصدق فيا من غير مقابل."
حطيت إيدي على بقي مش مصدقة: "أنا كنت فاكرة
ياسين قرب أكتر: "أنا ممكن أنسى اسمي، بس منسكيش أبداً."
مسك إيدي، كانت إيده دافية وقوية زي ما هي.
"بصي يا دكتورة سلمى.. منصب (مديرة الحسابات) بتاعك، لأنك تعبتي واستحقتيه بمجهودك وسهرك طول السنين دي."
ضغط على إيدي براحة وكمل:
"بس فيه منصب تاني.. المنصب اللي أنتِ عرضتيه عليا في شارع الجيران زمان. المنصب ده لسه فاضي.. والمدير التنفيذي بتاع الشركة دي راجل طلباته صعبة جداً، ومش هيقبل فيه غير مرشحة واحدة بس."
ضحكت وسط دموعي، ورفعت راسي بعناد البنت اللي عندها سبع سنين:
"والله يا سيادة المدير.. أتمنى يكون (باكيدج) المميزات بتاع المنصب ده مغري، لأني موظفة متعبة ومبقبلش بأي حاجة."
ياسين ابتسم ابتسامته اللي بتدوبني وقال:
"العقد.. مدى الحياة."
وقبل ما أرد، قرب وختم الوعد ده بكلمة وحب عمره ما اتمسح. في اللحظة دي فهمت إن المشوار ده كله مكنش عشان وظيفة.. أنا كنت رايحة أرجع
ياسين مكنش بس جاري.. ياسين كان مستنيني بقاله 15 سنة.