وقفت وسط الشارع وأنا عندي 7 سنين، وشاورت عليه وقلت: هو ده اللي هجوزه ومش هقبل بغيره! والكل ضحك عليا.. بس بعد ما القدر فرقنا الظروف غيرت كل حاجه…….

لمحة نيوز

"وقفت وسط الشارع  وأنا عندي 7 سنين،  وشاورت عليه وقلت: هو ده اللي هجوزه ومش هقبل بغيره! والكل ضحك عليا.. بس بعد ما القدر فرقنا الظروف غيرت كل حاجه…….

​لما كان عندي سبع سنين، المنطقة كلها كانت عارفة إني "أروبة" وعنيدة بشكل مش طبيعي. في يوم حد، وفي قلب الشارع قدام الجيران كلهم، وقفت والدموع مغرقة وشي، وشاورت بصباعي على جارنا "ياسين" — اللي كان أكبر مني بعشر سنين — وصرخت بأعلى صوت قدام الكبار:

"أنا لما أكبّر هتجوز ياسين! مش هتجوز حد تاني غيره!"

​المنطقة كلها انفجرت من الضحك. أمي، من كتر الكسوف، جرت عليا وشدتني من ودني ودخلتني البيت وهي مش عارفة تودي وشها فين من الجيران. أما ياسين.. فوشه قلب أحمر زي الطماطم ومبقاش عارف يروح فين من كسوفه.

​الجيران قعدوا يضحكوا ويقولوا: "يا بنتي ده عيل، لسه مش فاهمة هي بتقول إيه!"

​بس أنا فاكرة حاجة واحدة كويس أوي.. اليوم ده، ياسين نزل لمستوايا، وطبطب على شعري براحة، وقال بصوت هادي يطمن القلب:

"لما تكبري نبقى نتكلم.. دلوقتي المهم تشطري في

مدرستك، اتفقنا؟"

​هزيت راسي بسرعة، ومن اليوم ده، بقى عندي هدف واحد: أكبر، وأذاكر.. وأتجوز ياسين.

​​ياسين كان الشخص اللي الكل بيحبه. طويل، مؤدب، وشاطر جداً. كان رزينة وعينه فيها نظرة كبار، حتى وأنا طفلة كنت حاسة بوقاره. أهله اتوفوا وهو صغير، وكان عايش مع جدته في بيت بسيط بآخر الشارع. لما كنت أنا في أولى ابتدائي، كان هو خلاص دخل الجامعة.

​كل يوم بعد الظهر، كان يقعد على باب  البيت وماسك في إيده كتاب، وعينه عليا وأنا بلعب، كأنه كان الحارس بتاعي من غير ما يتكلم.

​لو وقعت من على العجلة، ياسين هو اللي يطهر جرحي ويحطلي البلاستر. لو نقصت في درجات المدرسة، ياسين هو اللي يحفظني جدول الضرب لغاية ما أبقى شاطرة فيه. لو عيطت عشان حد من العيال ضايقني، كان ياسين يوديني عند السوبر ماركت ويجيبلي أيس كريم عشان يرجع الضحكة لوشي.

في عالمي الصغير، ياسين كان السوبر هيرو بتاعى…..

وجه اليوم اللى وجه قلبى …

​لما كملت 12 سنة.. ياسين مشي. مكنش فيه وداع زي الأفلام، ولا وعود درامية. في صباح يوم عادي، لبست

شنطة مدرستي وخرجت، لقيت بيتهم مقفول. جدته اتوفت، وبعدها بفترة قصيرة، هو ساب المنطقة كلها.

​وقفت قدام الباب الحديد المقفول، حاضنة شنطتي وبكيت كأن حتة من طفولتي اتسرقت مني.. ومن اليوم ده، مشفتهوش تاني.

بعد مرور 15 سنة

​كبرت.. ومبقتش البنت اللي عندها سبع سنين وبتقول "عايزة أتجوز ياسين". ذاكرت وتعبت، ودخلت كلية تجارة إنجليزي واتخرجت بمرتبة الشرف. الكل كان بيقولي إن مستقبلي هيكون باهر.

​بس جوا قلبي، كان فيه مكان دايماً محجوز لياسين. مكنتش عارفة هو فين، ولا بيعمل إيه، ولا حتى لسه فاكرني ولا لأ. بس كل ما كنت بتعب أو بخاف، كنت بفتكر كلمته:

"ذاكري واشطري يا سلمى."

​فكنت بكمل.

​اليوم اللي دخلت فيه مبنى "مجموعة السويدي والمنصور" — واحدة من أكبر الشركات في مصر في قلب التجمع الخامس — ومعايا الـ CV بتاعي، أخدت نفس عميق وقلت لنفسي: "أنا بس عايزة الوظيفة دي، مش عايزة حاجة تانية."

​غرفة المقابلة كانت فخمة جداً، أزاز وحديد وهدوء يوتر، وريحة برفان غالي مالية المكان. قعدت وضهري مفرود وجاوبت على

أسئلة اللجنة بكل ثقة، وحاولت أداري توتري.. لحد ما الباب اتفتح.

​دخل راجل، والكل قام وقف في ثانية.

"المدير التنفيذي (الـ CEO)"، حد همس في ودني.

​قلبي دق بسرعة. كان أطول مما فاكرة. بدلة شيك جداً، نظرة حادة، وهيبة تخلي الكل يسمع كلامه من غير ما يرفع صوته.

​بس الوش.. الوش ده مش غريب عليا أبداً. عينه فضلت تدور في الأوضة لحد ما وقفت عندي.. وطولت. فضلت باصة لي لدرجة إن نفسي ضاق.

​وفجأة.. ابتسم. والابتسامة دي خلتني أترعش من جوايا بذكرى قديمة كنت ناسياها. وبصوت رخيم وفيه نبرة شقاوة، سألني:

"أنتِ جاية تقدمي عشان تشتغلي.. ولا عشان تبقي حرم المدير؟"؟؟؟!

​السكوت في الأوضه كان مرعب لدرجة تخنق. المديرين التانيين بقوا يبصوا لبعض برعب، مش عارفين المدير اتجنن ولا بيعاكس أقوى مرشحة للوظيفة عيني عينك كده.

​حسيت إن الأرض بتلف بيا، والتكييف اللي كان ساقع مبقاش مكفي حرارة وشي.

"يا فندم"، مدير الموارد البشرية بدأ يتلعثم، "الآنسة سلمى ملفها ممتاز في الحسابات، وإحنا.."

​"أنا عارف"، قاطع كلامه وهو لسه عينه

في عيني.

​بدأ يمشي ببطء حوالين الترابيزة الأزاز لحد ما وقف قدامي بالظبط. 

تم نسخ الرابط