أرضعتُ طفل زوجي السابق بعدما توفيت زوجته أثناء الولادة

لمحة نيوز

شيء
وقفتُ فجأة.
خذ ابنك واخرج.
تحرك الطفل قليلًا وهو نائم، فخفضتُ صوتي فورًا.
لكن مأمون لم يتحرك.
بقي واقفًا مكانه كأنه لم يعد يملك القوة حتى على المشي.
ثم قال بصوت خافت
أهل ست البنات أخذوا كل شيء.
نظرتُ إليه بصمت.
جلس ببطء على طرف الكرسي الخشبي ومسح وجهه بيد مرتجفة.
بعد الدفن مباشرة أخوها الكبير جاء مع أعمامها أخذوا ذهبها وقالوا إنني السبب في موتها.
لم أعلّق.
لكنه أكمل وكأن الكلام ظل محبوسًا داخله أيامًا طويلة.
أمها رفضت حتى أن آخذ ملابس الطفل من بيتهم وقالت إن الولد دخل عليهم بالشؤم.
أغمض عينيه للحظة ثم قال
تخيّلي جدته لم تحمله حتى مرة واحدة.
شعرتُ بقشعريرة باردة تسري في ظهري.
هذه الكلمات تُقال أحيانًا في بعض البيوت القديمة فعلًا.
حين تموت امرأة أثناء الولادة
يبحث الناس عن أي شيء يحمّلونه الذنب.
حتى لو
كان رضيعًا لم يفتح عينيه بعد.
نظرتُ نحو الطفل.
كان صغيرًا جدًا على أن يُكرَه بهذه السرعة.
قال مأمون بصوت مبحوح
منذ أربعة أيام وأنا لا أنام كلما غفوت أخاف أن ينقطع نفسه لا أعرف كيف أحمّمه ولا كيف ألفّه بالقماش أمس اتصلت حتى على جارتي العجوز كي تعلمني كيف أغيّر له.
ثم رفع عينيه نحوي وأضاف
وعندما قالت لي أمي إنكِ
سكت.
لكنه لم يحتج أن يكمل.
فهمت.
حين قالت له إن صدري ما زال ممتلئًا بالحليب.
في تلك اللحظة كرهته.
وكرهت نفسي أكثر لأن الطفل كان قد هدأ فعلًا بعد الرضاعة.

وكأن جسدي كان ينتظره.
اقتربتُ من البطانية الصغيرة.
ركعتُ بجانب الطفل.
كانت رائحته تشبه رائحة الأطفال الجدد
الحليب
والصابون الطبي
والدفء.
الرائحة نفسها التي بقيت أيامًا طويلة في ملابس طه بعد دفنه.
شعرتُ بأن الدموع تحرق عيني.
قلتُ دون أن أنظر إليه
متى آخر مرة نمتَ فيها؟
ساد الصمت للحظة.
ثم قال
لا أتذكر.
رفعتُ رأسي نحوه.
كان صادقًا.
عيناه غائرتان.
وثوبه غير مرتب.
وفي أطراف كُمّه آثار حليب جاف.
بدا كرجل غرق فعلًا.
ولأول مرة منذ دخوله رأيتُ الخوف الحقيقي داخله.
ليس خوف رجل فقد زوجته فقط.
بل خوف إنسان أصبح مسؤولًا عن روح صغيرة لا يعرف كيف ينقذها.
تنهدتُ ببطء.
ثم قلت
اذهب توضأ.
رفع رأسه نحوي باستغراب.
ماذا؟
شكلك لم تصلِّ منذ أيام.
ظل ينظر إليّ لثوانٍ.
ثم نهض بصمت واتجه نحو الحمام الصغير قرب المطبخ.
بقيتُ
وحدي مع الطفل.
مددتُ إصبعي نحوه.
وفورًا أمسكت يده الصغيرة بإصبعي بقوة مفاجئة.
وهنا
انكسر شيء داخلي بالكامل.
بدأتُ أبكي بصمت.
ليس لأنني أحببته بل لأن جسدي لم يفهم بعد أن طه رحل.
كل ليلة منذ دفنه كنتُ أستيقظ مذعورة لأنني أسمع بكاء طفل.
أفتح عيني بسرعة.
أحدّق في سقف الغرفة المظلم.
ثم أتذكر السرير فارغ.
والغطاء مطوي.
ولا أحد هناك.
حتى الحليب الذي كان يتسرّب مني ليلًا
كنتُ أقف بسببه طويلًا تحت الماء وأبكي وحدي حتى الفجر.
عاد مأمون بعد دقائق.
كان وجهه مبللًا بالماء.
ورائحة
الصابون الشعبي الرخيص خرجت معه.
توقف حين رآني أبكي.
اقترب ببطء وقال
مريم
أشحتُ بوجهي فورًا.
لا أريده أن يراني ضعيفة.
ليس هو.
جلس بعيدًا وقال بصوت خافت
هل تعرفين ما أكثر شيء أخافني بعد موت ست البنات؟
لم أجب.
لكنه أكمل
بعد الدفن رجعت البيت وحدي بعد صلاة المغرب وسمعت بكاءه من داخل الغرفة.
رفع رأسه نحوي لأول مرة.
والله يا مريم شعرتُ وقتها أن البيت بلا روح.
ساد الصمت بيننا طويلًا.
ثم نهض فجأة وقال
سأغادر.
لكنه توقف قرب الباب وأضاف بصوت متردد
هل يمكنني أن آتي غدًا بعد العصر فقط حتى يرضع؟
نظرتُ نحوه.
ثم نحو الطفل.
ثم نحو سرير طه الصغير في زاوية الغرفة.
لم أُجبه فورًا.
ظللتُ أنظر إلى الطفل النائم فوق البطانية الصغيرة، بينما صوت المطر بالخارج يضرب شبابيك البيت القديمة كأنه يذكّرني بأن الليل ما زال طويلًا.
ثم قلتُ أخيرًا بصوتٍ متعب
بعد العصر فقط.
أغمض مأمون عينيه للحظة، وكأنني أنقذتُه من الغرق.
ثم حمل الطفل بحذر شديد، كما لو أنه يخشى أن ينكسر بين يديه.
وقبل أن يفتح الباب، التفت نحوي وقال
جزاكِ الله خيرًا يا مريم.
لكنني لم أرد.
كنتُ قد تعبت من الكلمات منذ مات طه.
خرج مأمون أخيرًا.
وعاد البيت إلى صمته القديم.
ذلك الصمت الذي يشبه بيت عزاء انتهى الناس من مغادرته منذ ساعات، لكن الحزن ما زال جالسًا في الأركان.
وقفتُ وحدي وسط الغرفة.
ثم نظرتُ نحو الكنبة التي كان الطفل نائمًا
عليها قبل دقائق.
كانت البطانية ما تزال هناك.
صغيرة.
دافئة.
اقتربتُ منها ببطء، وحين رفعتها إلى وجهي، وصلتني رائحة الحليب.
وهنا انهرت.
جلستُ على الأرض أبكي بصمت، أضم البطانية إلى صدري كأنها طفل حقيقي.
في اليوم التالي، استيقظتُ قبل أذان الفجر بقليل.
كعادتي منذ موت طه.
النوم صار شيئًا غريبًا عني.
أحيانًا أبقى مستيقظة حتى الشروق، أحدّق في سقف الغرفة وأتخيل كيف كان سيبدو وهو يكبر.
هل كان سيشبهني؟
أم يشبه عادل؟
هل كان سيضحك كثيرًا؟
هل كان سيحب صوت المطر؟
أسئلة بلا إجابات.
قمتُ بهدوء.
أشعلتُ موقد الغاز الصغير في المطبخ، ووضعتُ براد الشاي.
رائحة الهيل بدأت تملأ البيت.
وفي اللحظة نفسها تقريبًا، سمعتُ صوت أذان الفجر يخرج من مسجد الحي.
ذلك الصوت وحده كان يمنعني من الانهيار الكامل أحيانًا.
بعد الصلاة، جلستُ قرب نافذة الصالة أراقب الشارع الضيق.
نساء يحملن أكياس الخبز الساخن. بائع الفول يدفع عربته ببطء.
وأطفال يركضون بزيّ المدرسة وهم يضحكون.
الحياة في الخرطوم لا تتوقف حتى لو انكسر
قلبك.
وهذا أكثر ما كان يوجعني.
كيف يموت طفل
ثم تشرق الشمس كأن شيئًا لم يحدث؟
جاء مأمون بعد العصر تمامًا.
كان يحمل الطفل بيد، وكيسًا صغيرًا باليد الأخرى.
ترددتُ قبل أن أفتح الباب.
لكن الطفل بدأ يبكي فور رؤيتي، كأنه عرف المكان.
دخل مأمون بسرعة وهو مرتبك.
ثم مدّ الكيس نحوي.
أمي أرسلت لكِ قراصة وويكة.
نظرتُ
إليه باستغراب.
قال بسرعة
قالت لا يصح أن نأتي كل يوم ويدنا فارغة.
للحظة شعرتُ بالخجل من نفسي.
الحاجة آمنة كانت دائمًا طيبة معي، حتى بعد الطلاق.
أخذتُ الكيس بصمت،
تم نسخ الرابط