أصعب حاجة ممكن تواجهيها كأم. إن بنتك تشاورلك على راجل غريب على الشط وتقولك: ماما.. بصي، ده بابا اللي مات من 3 سنين
واتفتح له ملف حماية شهود.
خالد بلع ريقه. كنت فاكر الموضوع هيخلص بسرعة. قولت هقول اللي عندي وأرجع البيت.
صوته ضعف.
بس بعدها حد حاول يقتلني.
هالة حست إن النفس هرب منها.
حادثة المركب، يوسف قال، كان فيها تلاعب. مكنتش حادثة طبيعية.
عين خالد دمعت. وقعت في المية.. مية ساقعة وتلج.. إصابة في الدماغ.. مش فاكر كل حاجة. صحيت بعدها بأيام في مستشفى صغير، كنت داخل باسم مجهول. لا محفظة.. لا تليفون.. ومكنتش عارف الوقت اللي فات قد إيه.
مروة بصت له. وشهادة الوفاة؟
يوسف رد المحكمة طلعت حكم بالوفاة التقديرية بعد عمليات بحث واسعة وظروف كانت بتأكد الغرق. قانوناً، خالد كان متوفي.
هالة فضلت مبرقة لخالد.
دماغها كانت بتعدي على الماضي في فلاشات.
تليفون التعزية..
فريق البحث..
الجنازة اللي مفيهاش جثة..
دينا وهي بتعيط في تيشيرت قديم لخالد عشان ريحته لسه فيه.
ومحاولتش تكلمنا، هالة قالت.
صوتها كان بيترعش رغم محاولتها للثبات.
ولا مرة.
وش خالد اتشد. حاولت، همس. لما ذاكرتي بدأت ترجع، كنت بترجاهم. كنت عايز أكلمك. كنت عايز أسمع صوت دينا. بس التهديد كان لسه شغال. قالولي لو حاولت أوصلكم، ممكن أوصلهم ليكم وتكونوا في خطر.
الرائد نهى اتكلمت لأول مرة، بصوت حازم بس مش قاسي.
مدام هالة، مفيش حد هنا بيطلب منك تسامحي على اللي حصل. بس كان فيه مؤشرات قوية إن عيلتكم ممكن تستخدم للضغط عليه. وفاته القانونية كانت جزء من استراتيجية الحماية.
هالة كانت هتضحك بمرارة. استراتيجية حماية، كررت الجملة.
الكلام كان طعمه وحش.
كان مفيد ليهم..
ومدمر ليها.
يعني إحنا دفناه، هالة قالت. بنتي كبرت وهي بتعيط على أب عايش. أنا نمت جنب سرير فاضي تلات سنين. أنا مضيت ورق. رديت على أسئلة. شوفت نظرات الشفقة في عيون الناس. وكلكم كنتم عارفين؟
يوسف مهتزش. مش الكل كان عارف. ناس قليلة جداً. هو ده نظام الحماية.
وده كمان نظام التدمير، هالة ردت.
خالد نزل راسه. عارف، قال. وبكره نفسي على ده.
هالة بصت له. متحاولش تصغر الوجع بإنك تقول بكره نفسي وتسميها مسؤولية.
خالد رفع عينه.
وهي كملت وصوتها واطي ومهزوز
إنت مملكش الحق إنك تحول وجعنا ل ذنب يخصك
القاعة سكتت تماماً.
خالد استقبل الكلام من غير ما يدافع عن نفسه. عندك حق، قالها.
وده كان أول رد مخلاش هالة عايزة تقوم وتمشي.
صوت مروة قطع الجو المشحون. هل هالة استلمت أي مبالغ تأمين أو معاش بناءً على الشهادة؟
خالد هز راسه بسرعة. ملمستش مليم. مكنتش أقدر. كنت عارف إن كل ده لازم يتصلح في يوم من الأيام.
يوسف كمل القضية خلصت من شهرين. خالد دلوقتي في مرحلة إعادة الدمجبنرجع هويته القانونية، بننسق مع المحاكم، وبنجهز خطة لم شمل آمنة. مقابلة الشط مكنتش مترتبة. كان مسموح له يتحرك في منطقة محدودة ومؤمنة. والشط كان المفروض يكون فاضي.
هالة افتكرت الهدوء الغريب اللي كان على الرمل.
مكنش شط عادي.
كان متأمن.
وده فسر ليه كان فاضي.
وفسر ليه مفيش أغراب شافوه.
وفسر ليه خالد كان واقف ثابت، كأن العالم حواليه ليه حدود مبيشوفهاش غيره.
ده كله مشفيش الوجع..
بس خلى المشهد منطقي.
هالة خرجت من الأوضة دي بقرار واحد جواها.
خالد مش هيدخل حياتهم تاني كبطل راجع من الحرب.
لو رجع، هيرجع بالحقيقة، وبالعلاج النفسي، وبالمسؤولية القانونية، وبالوقت.
مفيش طرق مختصرة.
بعد الظهر، بوجود أخصائية نفسية للأطفال، هالة حكت ل دينا الحقيقة بكلام ميكسرهاش.
بابا ممتش، هالة قالتلها بحنان. بس كان فيه ناس وحشين، والجهاز خلوه يستخبى عشان نفضل إحنا في أمان.
دينا كانت بتبص لخالد من الناحية التانية من الأوضة.
ملامحها كانت متحفظة.
متحفظة زيادة عن اللزوم بالنسبة لسنها.
صوت خالد كان بيترعش وهو بيقول أهلاً يا نونا.
دينا مجريتوش عليه.
مضحكتش.
مترمتش في زي الأفلام.
سألت بسؤال واحد، قوي وشجاع إنت كنت عايز ترجع؟
خالد بلع ريقه بصعوبة. كل يوم.
طيب ليه مرجعتش؟
خالد غمض عينه ثانية.
ولما فتحها، محماش نفسه بكلام رسمي.
عشان كنت خايف، قالها. وعشان الكبار خدوا قرارات. فيه منها حماكم.. وفيه منها وجعكم. وأنا أسف.
دينا بصت له كتير.
وبعدين قالت بوضوح ماشي. بس لازم تثبت ده.
خالد هز راسه. هثبت.
رجعوا بيتهم بعد يومين.
مش كعيلة متجمعة..
لا، ك تلات أشخاص داخلين في واقع مكنش باختيارهم.
الجزء القانوني كان معقد.
مروة نسقت
مروة حاربت عشان هالة ودينا ميتعاقبوش على غلطة هما معملوهاش.
وخالد صمم إنه يصلح كل حاجة يقدر عليهامش عشان حد طلب منه، بس عشان رفض إن الضرر يقع عليهم تاني.
وبعدين جه الجزء الأصعب.
الجزء الإنساني.
خالد كان بيظهر في كل مكان بيتقاله يظهر فيه.
علاج نفسي.
جلسات وساطة.
زيارات تحت الإشراف.
مطلبش السماح بالعافية.
مضغطش على دينا عشان .
محاولش يرسم الماضي كأنه تضحية نبيلة.
قعد في وسط الخراب اللي حصل واستحمل الحقيقة.
دينا فضلت واخدة حذرها وقت طويل.
كانت بتسأل أسئلة صغيرة بس بتقطم القلب
إنت كنت بتوحشك أعياد ميلادي؟
كنت بتفكر فيا وإنت بتتعشى؟
كنت تعرف إن ماما كانت بتعيط في المطبخ لوحدها؟
خالد كان بيرد على كل سؤال من غير أعذار.
أيوه.
أيوه.
لا مكنتش أعرف، بس كنت بتخيل، وأنا أسف إنها اضطرت تعمل كده.
ساعات دينا كانت بتغضب.
ساعات كانت بترفض تشوفه.
وساعات كانت تقعد جنبه ساعة كاملة من غير ولا كلمة.
خالد مختفاش.
وده كان أهم من أي حاجة تانية.
مفيش خطب رنانة..
مفيش وعود خيالية..
مفيش ضغط عشان العيلة تخف على مزاجه.
مجرد استمرار.
بيوصلها المدرسة كل خميس.
بيذاكر لها كل حد.
علاج نفسي كل أسبوع.
جوابات عيد ميلاد مكتوبة بالإيد.
تليفونات بتيجي في ميعادها بالظبط.
علاقة جديدة بتتبني مش بالشرح.. بس ب الوجود.
شهور عدت.
وبعدين سنة.
وفي نص كل ده، هالة لاحظت إن جسمها مابقاش يتشنج كل ما تليفونها يرن.
في ليلة، بعد ما دينا نامت، هالة لقت خالد في المطبخ بيغسل آخر طبق بهدوء، وكأنه بينتمي للمكان بس خايف يقول كده.
أنا مش مستني منك حاجة، خالد قال وهو باصص للحوض. أنا عارف إني مستحقش.
هالة ساندت ضهرها على الرخام، مربعة إيدها، تعبانة تعب السنين.
أنا حتى مش عارفة إحنا بقينا مين دلوقتي، اعترفت بصدق.
خالد هز راسه.
يبقى بلاش نرجع للي كنا عليه، قال بصوت واطي. ممكن نبني حاجة جديدة.. لو إنتي عايزة.
لو إنتي عايزة.
دي كانت أول جملة متطلبش منها تشيل وجعه هو كمان.
بدأوا
هالة شافت خالد وهو بيتحمل المسؤولية لما كان الدفاع عن النفس أسهل. شافته وهو بيعتذر من غير ما يطلب حد يطبطب عليه. شافته وهو سايب دينا هي اللي تقرر المسافة.
وببطء.. وبوجع.. حاجة جوه هالة فكت.
مش عشان نَسِيت.
عشان شافت خالد اختار يكون مين دلوقتي.
بعد سنتين من واقعة إسكندرية، رجعوا لنفس الممشى الخشبي.
مش عشان دراما..
ولا عشان قفلة قصة..
ولا عشان حد تاني يفهمهم.
رجعوا عشان يستردوا المكان ده لنفسهم.
المرة دي الشط مكنش فاضي.
عائلات ماشية بشنطها وشماسيها. أطفال بتجري عند المية. الموج كان بييجي زي ما هو، مبيفرقش معاه وجع حد.
دينا جريت قدامهم، كبرت شوية، وضفيرتها بتطير في الهوا.
خالد وقف جنب هالة وحاطط إيده في جيبه، كان متوتر زي واحد لسه بيطلب فرصة تانية وعارف إنه مستحقهاش.
أنا عمري ما بطلت أحبك، قال بهدوء. بس فاهم إن الحب لوحده مش
كفاية.
هالة بصت له كتير.
وبعدين قالت له الحقيقة اللي خدت سنين عشان توصلها
الحب مش كفاية فعلاً. بس الصراحة بداية. والاستمرار اختيار. وأنا شوفتك بتختاره كل يوم.
عينه دمعت.
هالة مسامحتش في الماضي في لحظة سينمائية واحدة.
ممثلتش إن الموضوع كان رومانسي.
عملت حاجة أصعب.
اختارت الحاضر.
مسكت إيده.
ولأول مرة من سنين، محسيتش إنها بترجع لقصة ممكن تمسح وجودها.
حست إنها بتمشي لقدام في قصة هي بتشارك في كتابتها.
مجوزوش لبعض تاني بنفس الطريقة القديمة.
بنوا جواز جديد.
أهدى..
أبسط..
وحقيقي.
بعد شوية، دينا رجعت تجري من عند المية. حطت إيدها في إيد هالة، وبعدين سكتت ثانية. وبعدها، مدت إيدها التانية ومسكت إيد خالد.
بصت له وهي بتغمض عينها من الشمس وقالتله بلهجة فيها أمر وحب
متمشيش تاني.
خالد نزل لمستواها.
وصوته كان ثابت وهو بيوعدها
مش همشي.. أبداً.
وهالة صدقته.
مش عشان الحزن خلاها متفائلة..
عشان الوقت خلاها واعية وعارفة تفرق بين الوعود والفعل.
في يوم الشط ده، دينا كان عندها حق.
فعلاً كان بابا.
بس المعجزة مكنتش بس إن خالد طلع عايش..
المعجزة كانت إنه رجع بالطريقة الوحيدة اللي
بالحقيقة..
بتحمل النتايج..
بالصبر..
وبالشجاعة إنه يفضل موجود.
وفي الآخر، قدروا يلاقوا نهاية سعيدة مش محتاجة تمثيل إن الوجع محصلش.
كانت محتاجة إنهم يواجهوه..
مع بعض.