أصعب حاجة ممكن تواجهيها كأم. إن بنتك تشاورلك على راجل غريب على الشط وتقولك: ماما.. بصي، ده بابا اللي مات من 3 سنين
المحتويات
جنبها في الأول، وبعدين بدأت تماشي خطوة أمها. هالة مجريتوش. الجري كان هيخلي الموضوع حقيقي بطريقة هي مش مستعدة تستحملها. الجري كان هيحول الصدمة لرعب.. والرعب لفوضى.
بس مابصتش وراها غير لما وصلت للممشى الخشبي.
ولما بصت أخيراً، خالد كان لسه واقف مكانه.
قرب كام متر عن الأول.
لسه فيه مسافة بتفصلهم.. رمل، وهوا، وتلات سنين مستحيلة.
عينه كانت ثابتة على هالة.
بيترجى..
مرعوب..
وكأنه بيعتذر.
زور هالة اتشد.. مش حب، ولا راحة، ولا حتى حزن.
كانت حاجة أشرس.
إنك تكوني أرملة ده كسرها..
بس إنك تكتشفي إنك اتمسحتي من الوجود بقصد، ده كان نوع تاني خالص من العنف.
في الأوتيل، هالة كانت بتتحرك زي اللي في حالة طوارئ.
فتحت الباب بالكارت. دخلت دينا. قفلت الباب بالترباس. حطت السلسلة. قفلت الستائر نص قفلة.
إيديها كانت ثابتة عشان لازم تكون ثابتة.
دينا كانت واقفة جنب السرير، لسه حافية، والرمل لازق في رجليها.
ده كان هو يا ماما، دينا قالتها.
هالة قعدت على طرف السرير وخدت بنتها .
أنا شوفتُه، قالتها بحذر. وأنا لسه مش فاهمة أي حاجة.
عين دينا اتملت دموع.
هو إنتي كدبتي عليا؟
السؤال ده جرح هالة أكتر من أي اتهام تاني.
لا، هالة ردت بسرعة. لا يا حبيبتي. أنا قولتلك اللي كنت مصدقاه إنه حقيقة. اللي كل الناس قالوا لنا إنه حقيقة.
دينا بصت لإيديها.
يعني بابا مش ميت.
هالة بلعت ريقها.
أنا معرفش هو إيه دلوقتي، قالتها. بس عارفة إحنا إيه. إحنا في أمان. إحنا مع بعض. وأنا هعرف الحقيقة.
ليلتها، بعد ما دينا نامت وهي ماسكة قوقعة صغيرة كانت لمتها قبل ما كل حاجة تتغير، هالة قعدت على المكتب الصغير وفتحت اللاب توب.
نور الشاشة كان ضارب في وشها التعبان.
فتحت ملف وفاة خالد.
مرسى علم.. رحلة عمل.. مركب صيد.. عاصفة.. مفقود في البحر.. محاولات بحث فاشلة.. مفيش
رقم القضية كان لسه محفور في ذاكرتها.
الصدمات بتخلي التفاصيل الصغيرة مابتتمسحش.
وبعدين هالة كلمت الشخص الوحيد اللي بتثق في هدوءه لما الدنيا بتتهد.
المحامية بتاعتها، أستاذة مروة.
مروة ردت من تاني رنة.
هالة؟ الوقت متأخر. فيه حاجة؟
صوت هالة كان طالع محدد ومتحكم فيه.
أنا في إسكندرية، قالتها. وشوفت خالد على الشط.
سكوت.
سكوت تام.
خالد؟ مروة قالتها ببطء. اللي هو
اللي هو ميت قانوناً، هالة كملت. هو عايش. دينا شافته الأول، وأنا كمان شوفته. ومروة.. ده هو. التاتو كان موجود.
مروة مكلمتهاش في مشاعر.
كلمتها في خطوات.
متقابلهوش لوحدك، قالتلها. مترديش على نمر غريبة. متخرجيش من الأوتيل من غير ما تقوليلي. اكتبي كل حاجة حصلت وانتي فاكراهاالوقت، المكان بالظبط، كان لابس إيه، قال إيه، أي حاجة غريبة.
هو قالي مكلمش حد، هالة قالت.
ده كلام مهم، مروة ردت. ومريب. هل هددك؟
لا، هالة قالت. كان باين عليه مرعوب.
مرعوب منك؟
هالة بصت لناحية الستارة، البحر الضلمة كان بيتحرك ورا الإزاز.
لا، قالت بصوت واطي. كان خايف علينا.
مروة سكتت لحظة.
تمام. نتأكد الأول قبل ما نفترض أي حاجة. الموضوع ممكن يكون نصب، تلاعب بالهوية، حماية فيدرالية، أو حاجة جنائية. بس الأولوية ليكي انتي ودينا.
تاني يوم الصبح، تليفون الأوضة رن.
هالة ردت بسرعة.
مدام هالة؟ موظف الاستقبال قال بأدب. فيه ظرف اتساب ليكي هنا. الشخص اللي سابه قال إنه موضوع شخصي وعاجل.
قلب هالة انقبض.
مين الشخص ده؟
الموظف تردد. قال إن اسمه خالد.
هالة غمضت عينيها.
لو سمحت، سجل عندك.. مفيش أي معلومة عن أوضتي تطلع لأي حد. لا رقم الأوضة، ولا أنا موجودة ولا مشيت.
تمام يا فندم، الموظف رد بجدية. تحت أمرك.
بعد خمس دقايق، أمن الأوتيل وصل الظرف لحد الباب.
هالة مفتحتوش
جوه كان فيه كارت شخصي بسيط.
مفيش جواب حب..
مفيش اعتذار..
مفيش تفسير..
مجرد رقم تليفون، شعار جهاز المخابرات مكتب الإسكندرية، وجملة مكتوبة خلت إيديها تتلج
التواصل من خلال هذا الرقم فقط.
هالة كلمت مروة فوراً.
مروة ردت من غير سلام. اقرئي اللي مكتوب.
هالة قرأت.
مروة اتنهدت ببطء.
ده بيغير كل التوقعات، قالتلها. ده مش بيبرر اللي عمله، بس بيفسر ليه مقدرش يقرب بحرية وليه قلك متتكلميش. هنتأكد من القنوات الرسمية. مش هتكلمي الرقم ده لوحدك.
في خلال ساعة، مروة كانت حاطة هالة على الاسبيكر وهي بتكلم مكتب الجهاز من نمرة رسمية. سألت عن ضابط الاتصال. ادت اسم خالد بالكامل ورقم القضية القديم. كان فيه أسئلةعن هوية هالة، عن اللي شافته، وعن هل حد تاني عرف ولا لا.
مروة ردت على القد.
وبعدين استنوا.
بعد 26 دقيقة، جتلهم المكالمة.
مدام هالة، صوت راجل هادي قال. معاكي المقدم يوسف. لأسباب أمنية مش هقدر أتكلم في تفاصيل العملية في التليفون. بس أقدر أكد ليكي إن الشخص اللي شوفتيه إمبارح هو خالد، وإنه كان تحت برنامج حماية الشهود.
هالة قعدت على طرف السرير بصدمة.
مقدرتش تنطق لثواني.
مروة اتكلمت بدالها. محتاجين مقابلة رسمية. بوجودي كمحامية.
تمام، المقدم يوسف قال. النهاردة. الأوتيل فيه قاعة اجتماعات خاصة. هيكون فيه اتنين تأمين بره القاعة. وممنوع أي أجهزة تسجيل.
هالة بصت لدينا اللي كانت قاعدة على السرير بتتفرج على كرتون من غير صوت، مش مركزة معاهم.
حماية شهود.
يعني مكنتش واحدة تانية..
ولا عيلة تانية..
ولا راجل اختار يهرب ويسيبهم.
كانت حاجة تانية خالص.
حاجة أكبر.
حاجة مش بتمسح تلات سنين عذاببس بتخلي العالم المستحيل ده يتفهم شوية.
قبل المقابلة، هالة نزلت دينا منطقة ألعاب الأطفال في الأوتيل وقعدت قدامها.
أنا هروح أتكلم
دينا عينيها وسعت. هو بابا بجد؟
هالة كانت عايزة تديها إجابة تريحها.
بس اختارت تقول الحقيقة.
أيوه، قالتلها بصوت واطي. أعتقد إنه هو.
شفايف دينا اترعشت.
طيب ليه مجمعش البيت؟
هالة شالت خصلة شعر من على وش بنتها.
ده اللي أنا رايحة أعرفه.
المقابلة كانت في قاعة اجتماعات هادية ريحتها قهوة ومنظفات.
اتنين أمن واقفين بره الباب كأن القاعة نفسها حرز في قضية.
مروة قاعدة جنب هالة ومعاها نوتة وقلم بيتحرك بسرعة.
المقدم يوسف دخل الأول.
وبعدين ست لابسة بدلة كحلي، ملامحها حادة وحركتها محسوبة.
دي الرائد نهى، يوسف قال. هي المسؤولة عن تأمين خالد.
هالة فهمت ساعتها ليه خالد كان لوحده على الرمل.
مكنش حر.
كان متراقب..
متحجم..
بيتحرك في حياة مبقتش ملكه بالكامل.
وبعدين دخل خالد.
المرة دي كان لابس تيشيرت رمادي وجينز. شعره كان لسه مبلول كأنه لسه مستحمي بس منمش. عن قرب، مكنش فيه مجال للشك.
نفس الندبة عند حاجبه.
نفس العينين.
نفس الوش اللي هالة عيطت عليه لحد ما كانت هتتدمر.
بس مكنش شكله راجل راجع لبيته.
كان شكله راجل داخل أوضة وعارف إن كل نَفَس بياخده هيتحاسب عليه.
هالة، قالها بصوت مخنوق.
هالة مردتش على حنيته بحنية.
ابدأ بالحقائق، قالت بجمود.
خالد هز راسه. من تلات سنين في مرسى علم، بدأ يحكي. كنت هناك عشان مراجعة حسابات لشركة مقاولات. كان المفروض موضوع روتيني. بس مكنش كده.
قلم مروة كان بيجري على الورق.
لقيت فلوس بتتحرك من خلال شركات وهمية تابعة لقضية فساد كبيرة، خالد كمل. فواتير مضروبة. شحنات وهمية. دفعات بتروح لأماكن ملهاش معنى غير غسيل أموال.
بص لإيده بكسرة.
بلغت، قال. في الأول بلغت الشخص الغلط. ومن
المقدم يوسف كمل خالد وافق بعدها يتعاون مع الجهات الرسمية.
متابعة القراءة