أصعب حاجة ممكن تواجهيها كأم. إن بنتك تشاورلك على راجل غريب على الشط وتقولك: ماما.. بصي، ده بابا اللي مات من 3 سنين
أصعب حاجة ممكن تواجهيها كأم.. إن بنتك تشاورلك على راجل غريب على الشط وتقولك ماما.. بصي، ده بابا اللي مات من 3 سنين
الراجل اللي ظهر على الشط المهجور
الشط كان فاضي زيادة عن اللزوم بالنسبة لإسكندرية في الوقت ده.
دي كانت أول حاجة لفتت نظر هالة وهي ماشية مع بنتها دينا اللي عندها 8 سنين على رمل الشط المبلول في وقت العصاري. السما كان لونها دهبي باهت، والبحر هادي بس فيه حركة غريبة، والموج بيفرد نفسه على الرمل زي مراية مكسورة. كان فيه هوا خفيف بيحرك الرمل، شايل ريحة الملح واليود، بس مكنش فيه لا عيلة قاعدة تحت شمسية، ولا حد بيجري، ولا أطفال بتبني بيوت رمل.
رمل ممدود..
موج واطي..
وسكوت غريب يحسسك بالرهبة.
دينا كانت ماسكة إيد هالة بقوة، إيدها كانت دافية ومبلولة من المشي. لبسها الصيفي الفيروزي كان بيطير مع الهوا، وشعرها الكيرلي البني فك من الضفيرة اللي كانت عملاها على جنب. كانت ساكتة بقالها دقايق، وده مش طبعها. دينا من نوع الأطفال اللي بيملى السكوت بأسئلة عن كل حاجة عن القواقع، السحاب، أسانسير الأوتيل، وليه العصافير بتبان زعلانة وهي ماشية.
بس فجأة وقفت.
ضغطت على إيد أمها جامد لدرجة إن هالة حست بعضم صوابع بنتها في كف إيدها.
ماما... دينا همست بالكلمة.
هالة لفت وبصتلها.
دينا كانت بتبص بعيد، ناحية مية البحر.
عينيها الواسعة كانت ثابتة ومبرقة.
وبعدين، ببطء، رفعت إيدها وهي بتترعش وشاورت على خط المية.
ماما.. بصي.. ده بابا.
قلب هالة دق دقة واحدة قوية ووجعتها.
بق الها تلات سنين بترد على الأمل ده بنفس الجملة. قالتها ل دينا وهي في السرير بعد الكوابيس. قالتها في أعياد الميلاد لما دينا كانت بتدور عليه في وسط المعازيم. قالتها في عيد الأب لما دينا سألتها هو فيه تليفونات في الجنة؟
ف
لا يا حبيبتي.. قالتها بصوت هادي وكسير. إنتي عارفة إن بابا اتوفى من تلات سنين.
بس وهي بتقول الجملة، عينيها راحت غصب عنها لمكان ما دينا مشاورا.
بعيد، على الرمل المبلول، مطرح ما الموج بيفرد نفسه، كان فيه راجل واقف لوحده عند المية.
ثابت تماماً.
كان مدي ضهره ليهم وباصص للبحر، ورجليه في المية الساقعة. كان لابس مايوه شورت غامق. كتافه كانت منحنية شوية، مش ضعف، بس كأنها شايلة تعب السنين. طوله عادي، جسمه عادي، ملامحه عادية زي أي راجل طبيعي.. مش بطل رياضي، مجرد إنسان.
وفجأة.. لَفّ نص لفة.
هالة نفسها انقطع.
شعر ناعم غامق..
دقن خفيفة..
وش مجهد، الملامح فيه حادة أكتر من السنين اللي مشافتهاش.
جرح صغير ندبة عند حاجبه الشمال.
خالد.
مش حد شبهه.
مش خيال بسبب الحزن والمسافة.
ده خالد، جوزها.
الراجل اللي دفنته من غير جثة.
جسم هالة كله اتلج.
دينا بصت لأمها وبعدين بصت للراجل تاني، والرعب بدأ يبان على وشها الصغير. بدأت تشاور بلهفة، بخوف، وكأنها غضبانة إن العالم بيطلب منها تثبت حاجة هي عارفاها ومتأكدة منها.
بصي يا ماما.. هو والله.. بصي التاتو الوشم اللي على بطنه.
عيني هالة نزلت بسرعة.
الراجل مكنش لابس تيشيرت.
وهناك، كان موجود.
وشم لصورة ست على جنبه الشمال من تحت.. لونه باهت شوية من الشمس والوقت، بس ميتغلطش فيه. وش ست عينيها حنينة وشعرها متسرح بستايل قديم.
دي كانت والدة خالد.
عمل التاتو ده قبل ما دينا تتولد، بعد ما والدته اتوفت بالسرطان. هالة وقتها اتريقت عليه وقالتله إزاي تختار أكتر مكان بيوجع وتعمل فيه التاتو. ولما دينا كبرت شوية، كانت بتحط صباعها الصغير عليه وتسأله هي تيتة عايشة جوه بطنك ليه يا بابا؟
مفيش غريب ممكن يعرف التفصيل
مفيش صدفه تفسر اللي بيحصل.
الأرض بدأت تميل تحت رجل هالة.
الراجل اللي عند المية رفع عينه.
عينيه جت في عينيها.
تعبيرات وشه اتغيرت في ثانية.
لونه خطف. كتافه اتشدت. بقه اتفتح وكأن اسمها طلع لزوره بس مات قبل ما يخرج صوت.
لثواني، مفيش حد فيهم اتحرك.
بعدين خالد خد خطوة حذرة ناحيتهم.
وبعدين خطوة تانية.
مش بسرعة، مش زي واحد بيجري أهله بعد غياب.
كأنه بيقرب من حاجة رقيقة وخايف تكسر.. أو حاجة خطر.
هالة اتحركت قبل ما تفكر.
جابت دينا ورا ضهرها، وحطت جسمها حاجز بين بنتها وبين الشخص المستحيل اللي جاي ناحيتهم ده. إيديها كانت ثابتة، بس صدرها كان كأنه مليان زجاج مكسور بيجرحها مع كل نفس.
خالد وقف على بعد كام متر.
قريب كفاية إن هالة تشوف التجاعيد الجديدة اللي حوالين عينيه.
وبعيد كفاية إنه لسه يبان كأنه سراب البحر ممكن ياخده تاني في أي لحظة.
هالة بصت ل دينا.. وبعدين لخالد.. ورجعت ل دينا.
الدموع ملت عينيها غصب عنها.
يا ربي... همست وصوتها بيقطع. مش ممكن.. مستحيل.
خالد مقربش أكتر.
كان بيبص لهم بوجع حقيقي، وجع ملموس.
هالة.
قال اسمها بس.
مقالش أي حاجة تانية.
صوت رنته في ودنها وجعها أكتر من شكله. كان أعمق مما فاكرة، فيه بحة وتعب، بس هو ده صوته. الصوت اللي كان بيقرأ قصص قبل النوم بتقليد أصوات حيوانات يضحك دينا. الصوت اللي وعدها إنه هيكلمها من مرسى علم مكان شغله قبل ما الخط يقطع للأبد. الصوت اللي هالة كانت بتفضل تسمعه في الفيديوهات القديمة لحد ما كرهت نفسها من كتر الاحتياج.
صوابع دينا كانت قفشة في لبس هالة من ورا.
ماما، همست. هو جه هنا ليه؟
هالة مقدرتش ترد.
لأن الحقيقة المستحيلة اللي بتصرخ جوه دماغها كانت أعلى من صوت الموج.
هي معاها شهادة وفاة للراجل اللي واقف قدامها ده.
بقالها تلات
ودلوقتي الحزن ده واقف قدامها على شط في إسكندرية.
وبيتنفس.
خالد رفع إيده شوية، مكنش بيلمسهم، بس كأنه بيحاول.
هالة رجعت خطوة لورا.
خالد اتجمد مكانه.
الوجع في وشه زاد.
لأ، هالة قالتها.
كلمة واحدة.
هادية..
حادة..
قاطعة.
خالد نزل إيده.
ممكن أشرحلك، قالها بصوت واطي.
هالة كانت هتضحك، بس مكنش فيه أي ذرة ضحك جواها.
تشرحلي؟
عينيه راحت ل دينا، وكأنه انهار من جواه.
دينا كانت بتبص من ورا ضهر أمها. وشها كان باهت، خايف، وواثق. مجريتوش عليه. مضحكتش. كانت بس بتبص له وكأن قلبها عرفه قبل ما عقلها يستوعب الصدمة.
خالد بلع ريقه بصعوبة.
يا نونا.. همس بالدلع اللي كان بيقولهولها.
دينا اترعشت.
هالة حست بالرعشة دي.
وده كان كفاية.
رجعت إيدها لورا، مسكت إيد دينا وضغطت عليها جامد.
إحنا ماشيين، هالة قالتها بقوة.
تعبيرات خالد اتغيرت فوراً.
لا.. يا هالة، أرجوكي.. مش هينفع تمشي كده
ينفع، قالتها. وهعمل كده.
خالد بص وراها، ناحية الممشى الخشبي بتاع الشط، وبعدين بص للبحر، وكأنه بيقيس خطر هالة مش شايفاه.
وده خوفها أكتر من أي حاجة قالها.
ارجعوا الأوتيل فوراً، خالد قالها بسرعة وصوت واطي. متقوليش لحد إنك شوفتيني. متنزليش أي حاجة على السوشيال ميديا. متكلميش حد غير المحامي بتاعك لو ليكي تواصل معاه. أنا هبعتلك رسالة.
هالة بصت له باستغراب.
المحامي بتاعي؟
خالد ضغط على سنانه.
أرجوكي.. عشان خاطر دينا. امشي دلوقتي.
الكلام كان ممكن يبان تلاعب..
بس الحقيقة
وهالة كرهت نفسها إنها قدرت تحس بالفرق.
لفت قبل ما يقول أي كلمة تانية.
دينا كانت بتتكعبل