"أبويا عنده 75 سنة، عايش لوحده في بيت ريف بسيط، ومع ذلك فاتورة كهربته وصلت لـ 5 ألاف جنيه في الشهر! لما عرفت السر اللي مخبيه في الأوضة المقفولة.. تمنيت إني ما كنتش سألت
ما أمشي، كتبت رقم العداد في سري. وأنا في طريقي للقاهرة، كلمت واحد معرفة في شركة الكهرباء.
قلت له ممكن تفصل الكهرباء عن بيت والدي كام يوم؟ حاسس إن فيه أجهزة متوصلة غلط وهو مش راضي يعترف، وخايف يحصل ماس كهربائي.
الراجل ضحك وقال لي لو صاحب البيت موافق، ممكن نبلغ إنها صيانة وقائية ونفصلها.
وافقت فوراً من غير تفكير. كنت مقتنع إني بعمل الصح، وإني بحميه من نفسه، وإني كده ابن بار.
مكمتش أتخيل أبداً.. إن بعد أيام قليلة، هجيلى مكالمة تزلزل كياني.
الكارثة
بعد تلات أيام، وأنا في نص اجتماع مهم في الشغل، جالي تليفون من رقم غريب. رديت، ولقيت صوت راجل من المطافي في بلدنا.
يا أستاذ، بيت والدك ولع.. بس اطمن، الحاج بخير، هو بس في المستشفى عشان استنشق شوية دخان.
القلم وقع من إيدي. إزاي؟ إزاي ولع والكهرباء أصلاً مفصولة؟
رد عليا ده اللي إحنا مستغربين له. الجيران بيقولوا إن من ساعة ما الكهرباء قطعت، والدك بدأ يولع شمع كتير جداً جوه أوضة المرحومة والدتك. وشكله نام وشمعة وقعت حرقت الدنيا.
سقت بأقصى سرعة للمنوفية. لما وصلت، قلبي اتكسر. الحتة اللي اتحرقت بالكامل كانت أوضة أمي.. الأوضة اللي كانت مقفولة بالقفل السنين دي كلها.
لقيت والدي في المستشفى، قاعد على كرسي متحرك وسرحان في الفراغ. لما شافني، مزعلش مني.. بالعكس، عيط بحرقة ووجع.
قال لي وهو بيشهق من العياط أنا آسف يا ابني.. مقدرتش أنقذ مامتك.
السر الحزين
لما رجعت البيت المحروق عشان أشوف لو فيه حاجة تتلحق، اكتشفت الحقيقة. وسط الرماد، لقيت بقايا أسلاك محروقة
كلمت جارتنا، الخالة زينب، وهنا عرفت كل حاجة.
قالت لي أنت مكنتش تعرف يا ابني؟ مامتك قبل ما تموت كان عندها حساسية شديدة على صدرها وضيق تنفس. كانت تعشق ريحة الهدوم الناشفة والهواء النظيف. لما ماتت، أبوك مكنش قادر يتقبل فكرة إنها راحت. مكنش عايز يخسر ريحتها في البيت.
فكان مالي كل ركن في الأوضة بدفايات وأجهزة سحب رطوبة، شغالين 24 ساعة، بس عشان الحاجة متكمكمش، والهدوم ميربيش عليها عفن، وريحة مامتك تفضل حية جوه الأوضة. عشان كده فاتورته كانت غالية.. هو كان بيدفع تمن الكهرباء عشان يحس إن مراته لسه معاه.
النهاية
ركبي سابت. ال 50 ألف جنيه اللي كنت بشتكي منهم كل شهر، كانوا التمن اللي والدي مستعد يدفعه
لما رجعت المستشفى، حضنت والدي جامد.
يا حاج، أنا اللي طلبت فصل الكهرباء، سامحني يا أبويا، قلتها وأنا بنهار من العياط.
بص لي وطبطب على راسي وقال أنا عارف يا ابني. كنت عارف إنك خدت بالك من العداد.. يمكن.. دي إشارة إن لازم أودعها بجد. أنا كنت أناني في ذكرياتي.
من وقتها، أخدت والدي يعيش معايا في القاهرة. مابقاش لوحده، ومبقاش فيه فاتورة ب 5 ألف جنيه. بس كل ليلة، لما بشوفه سرحان من الشباك، بعرف إن مهما وفرنا في الفلوس، فيه ذكريات مابتتقدرش بمال.. وإن أغلى كهرباء في العالم هي النور اللي طالع من قلب لسه مش
تمت.