استدارت لتواجه الرجل الذي يلاحقها… وما كان يحمله الغريب كان ينتظرها طوال الوقت اعطاها طرد غير حياتها للابد
استدارت لتواجه الرجل الذي يلاحقها وما كان يحمله الغريب كان ينتظرها طوال الوقت اعطاها طرد غير حياتها للابد
أول ما لاحظته إيما كان الصمت.
ليس الصمت العادي ذلك الهدوء الناعم الذي يملأ الأحياء بعد انتهاء الدوام المدرسي، حيث ترشّاشات المياه تنقر، والطيور تتشاجر فوق أسلاك الهاتف.
كان هذا صمتًا مختلفًا صمتًا هبط فجأة على الشارع كله، وكأن العالم توقف ليرى ما سيحدث بعد ذلك.
كانت إيما في السابعة فقط، لكنها كانت تعرف متى يكون هناك شيء غير طبيعي.
قبل لحظات، كانت تقفز بخفة في شارع ميبل، بحماس طفلة تظن أن بعد الظهيرة يدوم للأبد. حقيبتها ذات وحيد القرن تتأرجح على كتفيها الصغيرين، ورائحة الخبز الطازج من المخبز القريب تملأ الهواء دفئًا وألفة.
كان كل شيء طبيعيًا تمامًا كما هو دائمًا.
ثم رأته.
في نهاية الشارع، وقف رجل طويل يرتدي الأسود بالكامل.
في البداية، لم يبدُ حقيقيًا. كأنه بقعة داكنة في لوحة مشرقة.
معطف أسود طويل قفازات سوداء قبعة عريضة تحجب وجهه حذاء لامع يلتقط الضوء مع كل خطوة.
كان ساكنًا للحظة ثم بدأ
نحوها.
تباطأت خطوات إيما.
شدّت أصابعها على حمالات حقيبتها.
ربما فقط ربما يعيش هنا.
ربما ذاهب إلى مكان آخر.
ربما لم يلاحظها أصلًا.
عبرت أول مدخل بيت.
فعبره هو أيضًا.
مرت بصندوق البريد ذو العلم الأحمر المائل.
فمرّ به خلفها مباشرة
بدأ نفسُها يضيق.
لم تلتفت فورًا. لم ترد ذلك.
شيء عميق في داخلها كان يعرف الحقيقة لكنها لم ترد سماعها.
لكن وقع الخطوات خلفها البطيء، الثقيل لم يترك لها مجالًا للإنكار.
فالتفتت.
وكان أقرب.
أقرب بكثير.
لم يكن وجهه واضحًا، لكن عينيه كانت تشعر بهما.
ليس مجرد نظر بل دراسة. انتظار.
بيت إيما كان على بُعد شارع واحد فقط.
الباب الأزرق.
الأرجوحة البيضاء.
وعاء الزهور المتشقق الذي تعد أمها دائمًا بإصلاحه.
كل شيء قريب ومع ذلك بدا بعيدًا بشكل مؤلم.
أسرعت في المشي.
لم تعد تقفز.
لم تعد تغني.
فقط صوت خطواتها وصوته خلفها.
وكان يطابق سرعتها.
تصلب حلقها. أرادت أن تصرخ. أن تركض. أن تهرب.
لكن الخوف لا يجعلنا دائمًا أسرع أحيانًا يجعلنا أثقل.
نظرت حولها.
لا أحد.
ستائر مغلقة.
كلب الجيران
الشارع فارغ.
ثم اختفى صوت الخطوات خلفها.
وصار بجانبها.
تجمدت.
رأت حذاءه الأسود أمامها.
يسد الطريق.
ثم جاء صوته منخفضًا وخشنًا
إيما؟
اسمها.
في تلك اللحظة تغيّر الخوف.
صار غضبًا.
رفعت رأسها ببطء.
من تظن نفسك لتتبعني هكذا؟
ارتبك الرجل للحظة صغيرة.
ثم أدخل يده في معطفه.
تصلّب جسدها.
لكن ما أخرجه لم يكن سلاحًا.
بل طرد صغير.
مغلف بورق بني مربوط بخيط رفيع.
هذا لكِ.
لم تأخذه.
ما هذا؟
شيء يخصكِ.
أنا لا أعرفك.
أعرف.
كيف تعرف اسمي؟
تردد ثم قال بصوت خافت
لأنني عرفته قبل أن تستطيعي نطق اسمي.
ارتجف شيء داخلها.
ما في الطرد؟
صندوق موسيقى أبيض عليه زهور زرقاء ومكسور من جهة.
توقفت أنفاسها.
هي تملك واحدًا كهذا.
وجدته في خزانتها وأمها أخذته واختفى.
أنا من أعطيتكِ إياه.
لا!
كنتِ رضيعة.
لا تقل اسمي!
ثم سمعا صوت باب يُفتح.
إيما!
التفتت.
أمها عند الباب الأزرق.
وجهها شاحب لكن ليس خوفًا على إيما.
بل خوفًا من الرجل.
أنت
نزع الرجل قبعته.
وانكسر العالم.
الملامح
نفس العينين
ليس غريبًا.
أبوها.
أنتِ قلتِ لها إنني ميت.
كان يجب أن تكون.
الصمت صار أثقل من أي صوت.
ثم قالت أمها
أعطني الصندوق.
وفي يدها سكين مطبخ.
لن أدعك تأخذها مرة أخرى.
إيما اهربي! صرخ الأب.
لكنها لم تتحرك.
الطرد سقط.
انفتح.
وانزلقت صورة عند قدميها.
نظرت.
ورأت نفسها رضيعة بين ذراعي الرجل.
لكن المرأة بجانبه
لم تكن أمها.
انزلقت الصورة قليلًا على الإسفلت، حتى توقفت تمامًا عند حافة حذاء إيما.
لم تنحنِ فورًا.
لم تستطع.
لأن عقلها كان يحاولبشكل يائسأن يرفض ما رأته.
لكن عينيها لم تتركا لها خيارًا.
انحنت ببطء.
التقطت الصورة.
يديها ترتجفان.
في الصورة كانت رضيعة، ملفوفة ببطانية بيضاء صغيرة.
كانت تضحك.
والرجل الذي يحملهالم يكن مجرد يشبهه.
كان هو.
نفس العيون.
نفس الانحناءة الخفيفة في الحاجب.
لكن المرأة بجانبه
امرأة شابة بشعر داكن أطول من شعر أمها الآن وابتسامة مختلفة.
ليست الابتسامة التي تعرفها.
ليست الحنان الذي اعتادت عليه.
شعرت إيما بشيء يتشقق داخل صدرها.
ماما؟
لم تجبها
كانت عيناها مثبتتين على الرجل فقط.
السكين في يدها لم ترتجف.
بل كانت ثابتة بشكل مخيف.
الأبأو الرجل الذي أصبح الآن لا يمكن تسميته غريبًاتقدم خطوة ببطء.
دعيها ترى، قال بصوت مكسور. لقد كذبتِ بما يكفي.
اسكت! صرخت الأم.