الحساب المزيف

لمحة نيوز

كنت خايف.
خفت من إيه؟
خفت تخسري ثقتك فيا.
أنا قلت
فبدأت تاخد فلوس منها باسمي.
خفض رأسه.
أيوه.
نجلاء دموعها نزلت.
كل الفلوس؟
مش كلها.
معظمها.
قلت
والحساب المزيف؟
سكت طويلًا.
ثم قال
أنا عملته.
نجلاء غطت فمها بإيدها.
أنا حسيت إن الأرض ثابتة تحت رجلي، لكن كل حاجة حواليّ بتتهز.
قلت
ليه؟
قال
في البداية كان الهدف إني أخلي نجلاء تفتكر إنك رافضة تساعدها.
كنت عايز أضغط عليها عشان تطلع فلوس أكتر.
ولما كانت تسألني عنك، كنت أقول لها كلام من الحساب.
قلت
وليه استخدمت صورتي؟
عشان تصدق.
وليه كنت عارف كل تفاصيل حياتي؟
لأني كنت قريب منك.
وعندي صورك القديمة.
وكنت بشوف كل حاجة بتنزل عندك.
قلت
طب إيه موضوع البنت؟
سكت.
ثم قال
دي أخت صاحبي القديم.
نجلاء بصت له.
إيه علاقتها؟
هي اللي ساعدتني أعمل الحساب.
لأنها كانت بتشتغل في التسويق الإلكتروني، وفهمتني إزاي أعمل حساب شبه حساب هناء.
قلت
وكانت هي اللي بتبعت الرسائل؟
أحيانًا.
وإنت؟
أحيانًا.
سكت.
قلت
ليه كل ده؟
أخويا مسح وشه.
كنت غرقان.
وكل ما أقول هوقف، كانت بتظهر مصاريف جديدة.
فبدل ما أواجهكم بالحقيقة، بدأت أكذب.
نجلاء قالت
وإنت عارف إن أمي ممكن تموت، وبرضه فضلت تستخدم اسم أختك عشان تاخد مني فلوس؟
أخويا نزل رأسه.
أنا غلطت.
قالتها نجلاء بصوت مكسور
دي مش غلطة.
دي سنين.
سنين وإنت بتخليني أكره أختك على حاجات هي معملتهاش.
أنا بصيت لنجلاء.
لأول مرة من سنين، فهمنا إن معظم المشاكل اللي حصلت بيننا مكانتش بسبب واحدة فينا.
كان فيه شخص واقف في المنتصف.
وكان بيغير الكلام كل مرة.
لكن كان لازم أعرف حاجة أخيرة.
قلت لأخويا
الفلوس اللي أخدتها مني باسم نجلاء، هترجعها؟
قال
أيوه.
كلها؟
كلها.
إمتى؟
هبيع العربية وأقفل جزء كبير.
قلت
مش كفاية.
عندك حسابات وتحويلات.
وإنت لازم تكتب إقرار بكل المبالغ اللي أخدتها.
نجلاء قالت
وأنا هطلب كشف حساب كامل.
أخويا هز رأسه.
لم يعترض.
في اليوم التالي، اتوجهنا كلنا للبنك.
طلعنا كشف الحسابات.
المبالغ كانت أكتر مما توقعنا.
لكن المفاجأة الأكبر كانت إن جزءًا منها راح لحساب إلكتروني باسم شخص ثالث.
وبعد مراجعة البيانات، اكتشفنا إن صاحبة الحساب هي نفس المرأة اللي ساعدته في إنشاء الحساب المزيف.
تم تقديم بلاغ رسمي بكل المستندات.
لكنني لم أكن أريد أن يتحول الأمر إلى فضيحة عائلية فقط.
كنت أريد أن أستعيد اسمي.
لأنني طوال الشهور الماضية كنت في نظر نجلاء إنسانة قاسية، بخيلة، لا تهتم بأمها.
بينما الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
بعد أسبوع، زرت أم نجلاء في المستشفى.
كنت مترددة.
وقفت قدام باب غرفتها.
نجلاء فتحت لي.
وقالت
ادخلي.
دخلت.
أمها كانت ضعيفة، لكنها كانت واعية.
أول ما شافتني، مدت إيدها.
مسكت إيدي.
وقالت بصوت ضعيف
سامحيني يا بنتي.
قلت
على إيه؟
على كلام اتقال عنك.
وعلى حاجات صدقتها.
دموعي نزلت.
قلت
إنتِ كنتِ مريضة.
متفكريش في الموضوع.
هزت رأسها.
لأ.
لازم تعرفي إن بنتي قالت لي كل حاجة.
وأنا عرفت إنك كنتِ أول واحدة حاولتِ تساعديني يوم اتجوزت.
بصيت لنجلاء.
هي كانت بتعيط.
أمها قالت
أنا كنت فاكرة إنك بتكرهي بنتي.
طلعتِ أكتر واحدة خايفة عليها.
ابتسمت.
وقلت
هي أختي.
نجلاء قربت مني.
مسكت إيدي.
وقالت
وأنا آسفة.
على كل مرة صدقت فيها كلام وصل لي عنك.
قلت
وأنا آسفة إني في بعض الأوقات صدقت إنك مش بتحبيني.
ضحكت وهي بتعيط.
إحنا الاتنين اتضحك علينا.
بصيت لها.
بس المرة الجاية، أي حاجة تخصني، اسأليني أنا.
قالت
وأي حاجة تخصك، هسألك إنتِ.
بعد شهر، رجعت أم نجلاء بيتها.
وبدأنا إجراءات استرداد الفلوس.
أخويا باع عربيته، وسدد جزءًا كبيرًا.
وباقي المبلغ اتعمل له جدول سداد رسمي.
العلاقة بيني وبينه مبقتش زي الأول.
مش لأنني قررت أقطع كل شيء.
لكن لأن الثقة لما بتتهز، بتحتاج وقت طويل عشان ترجع.
أما نجلاء، فالعلاقة بيننا اتغيرت تمامًا.
بقينا نتكلم كل يوم تقريبًا.
وفي أول عيد ميلاد ليا بعد اللي حصل، فوجئت بيها داخلة عليا ومعاها هدية.
ضحكت وقلت
إيه ده؟
قالت
متخافيش.
المرة دي أنا اللي بديكي، ومفيش حد هيحول بينا.
ضحكت.
إيه الهدية؟
قالت
ألبوم صور.
فتحته.
كان فيه صور لينا من أول يوم اتقابلنا.
صور قديمة.
صور من فرحها.
صور من أول بيت سكنته.
وصورة لينا إحنا الاتنين قاعدين جنب بعض وإحنا بنضحك.
وفي آخر صفحة، كانت كاتبة
من النهارده، مفيش حد هيتكلم باسم واحدة فينا للتانية.
لو زعلت منك، هقولك.
ولو زعلتي مني، هسمعك.
ولو حد قال إن واحدة فينا قالت حاجة عن التانية، أول حاجة هنعملها إننا نسأل بعض.
قفلت الألبوم.
وقلت لها
دي أحسن هدية جات لي في حياتي.
حضنتني.
وقالت
وأنا خسرت وقت كتير وأنا فاكرة إنك عدوتي.
رديت
المهم إننا عرفنا الحقيقة قبل ما نخسر بعض للأبد.
وبعدها بأشهر، وصلني خطاب رسمي يفيد بانتهاء التحقيقات المالية الأساسية.
الحسابات المزيفة اتقفلت.
والأرقام اللي استخدمت باسمي تم إيقافها.
والمرأة اللي ساعدت أخويا اعترفت بدورها في إنشاء الحساب.
أما أخويا، فاضطر يواجه نتيجة قراراته ويتحمل مسؤولية كل مبلغ أخده.
لكن أكتر حاجة فضلت في دماغي مش الفلوس.
ولا الحساب.
ولا حتى الرسائل.
كانت الجملة اللي قالها لي الدكتور يوم عملية أم نجلاء
أحيانًا أخطر حاجة مش إن حد يكذب عليك.
الأخطر إنك تصدق الكذبة لفترة طويلة لدرجة إنها تغير علاقتك بأقرب الناس ليك.
من يومها، بقيت أفتكر حاجة واحدة
الثقة مش معناها إننا نصدق كل كلام نسمعه عن الناس اللي بنحبهم.
الثقة الحقيقية إننا نرجع للشخص نفسه.
نسأله.
نسمعه.
ونديه فرصة يقول الحقيقة بصوته.
لأن أكبر مشكلة في اللي حصل لنا ما كانتش إن حد عمل حساب مزيف.
المشكلة إن حسابًا مزيفًا قدر لفترة طويلة جدًا يتكلم بأصواتنا...
ويحط كلمات في أفواهنا...
ويخلي أختين يعيشوا وسط سوء فهم هما الاتنين ما كانوش يعرفوا مصدره.
لكن في النهاية، الحقيقة ظهرت.
والحساب اتقفل.
والأموال بدأت ترجع.
وأم نجلاء رجعت بيتها.
أما أنا ونجلاء...
فقررنا نبدأ من جديد.
مش كأخت زوج وأخت زوجة.
لكن كأختين اتعلموا بالطريقة الصعبة إن أقصر طريق للحقيقة...
هو إنك تسأل الشخص نفسه.
وفي آخر ليلة من السنة، كنا قاعدين سوا في بيت أمي.
نجلاء رفعت كوب العصير وقالت
للسنة الجديدة.
ضحكت ورفعت الكوب.
لسنة من غير حسابات مزيفة.
قالت
ومن غير رسائل مجهولة.
قلت
ومن غير ناس تتكلم بدلنا.
ضحكنا.
وفي نفس اللحظة، موبايل نجلاء رن.
رقم غير مسجل.
بصينا لبعض.
وبعدين انفجرنا إحنا الاتنين في الضحك.
قالت
أهو اختبار جديد.
قلت
المرة دي هنرد سوا.
فتحت المكالمة.
لكن اللي سمعناه كان صوت أمها من المستشفى، بتقول
يا بنات، أنا عايزة أكل كحك، ومحدش فيكم يقول لي ممنوع!
ضحكنا لدرجة إن دموعنا نزلت.
ولأول مرة من شهور...
كان رنين التليفون مجرد رنين.
مش بداية مشكلة.
مش اتهام.
ومش سر جديد.
مجرد مكالمة من شخص نحبه.
وكان ده، بالنسبة لي، أجمل نهاية ممكنة لكل اللي حصل.

تم نسخ الرابط