الحساب المزيف

لمحة نيوز

في صباح يوم الإجازة، صحيت على رنة تليفون من رقم غريب.
أول ما ضغطت على زر الرد، سمعت صوت مرات أخويا وهي بتعيط وفي نفس الوقت صوتها مليان غضب.
يا هناء، إنتِ معندكيش ذرة ضمير؟
أمي حصلت لها مشكلة أثناء العملية، ودلوقتي ناقص كام ألف جنيه عشان ينقذوا حياتها.
لو مش عايزة تسلفيني، براحتك... بس إزاي يبقى عندك قلب تقولي إن الفلوس اللي هتتحط في واحدة خلاص على وش الموت ملهاش لازمة وإنها فلوس مرمية؟
صحيت تمامًا في لحظة.
وقلت لها باستغراب
يا نجلاء، إنتِ طلبتي مني فلوس إمتى؟
سكتت شوية على الناحية التانية، وبعدها صوت عياطها بقى مكتوم أكتر.
إنتِ كمان هتعملي نفسك مش فاكرة؟
أول ما أنا اتجوزت ودخلت بيتكم، أخوكي قالي إنك محتاجة فلوس ضروري، وأنا اديتك حتى فلوس الشبكة والمهر اللي كانوا معايا.
وبعد كده لما غرقتِ في الديون ومبقتيش عارفة تسدي، أنا كمان خبيت على أهلي، وفضلت أسدد عنك عشرات الآلاف.
وأنا عمري ما طلبت منك ترجعيلي جنيه واحد.
دلوقتي أمي على ترابيزة العمليات، وأنا كل اللي طلبته منك كام ألف جنيه ينقذوا حياتها، وإنتِ بدل ما تساعديني، بتتمني لأمي الموت!
مع كل كلمة كانت بتقولها، إيدي كانت بتبرد أكتر.
أنا عمري ما استلفت منها فلوس المهر أو الشبكة.
ولا عمري دخلت في ديون خلتها تدفع عني.
بالعكس.
يوم ما نجلاء اتجوزت أخويا، أنا كنت خايفة عليها لأنها هتسيب بيت أهلها وتيجي تعيش بعيد، فكنت عايزة أحسسها إنها واحدة مننا.
وعشان كده، أنا شخصيًا كنت جبت لها ستين ألف جنيه هدية استقبال مني.
كنت عايزة أكرمها وأفرحها.
فكيف أصبحت الآن هي التي تقول إنها أعطتني أموالها؟
كنت لسه هسألها وأفهم منها اللي حصل، لكن فجأة سمعت صوت أخويا في الخلفية، وكان واضح عليه التوتر.
إنتِ بتكلميها ليه؟
وبعدها مباشرة، حسيت إنه أخد منها التليفون.
طيب خلاص، اتكلموا بالراحة. أمي لسه في العملية، متتوتريش.
وبعدين قال لي
هناء، مرات أخوكي حالتها النفسية وحشة، وبعد إذنك الموضوع ده أنا هفهمهولك بعدين.
وقبل ما ألحق أفتح بقي، الخط اتقفل.
فضلت باصة لشاشة الموبايل وهي بتطفي، وفجأة إحساس غريب ضربني.
حسيت إن فيه حاجة غلط.
بعت رسالة للرقم اللي كلمني.
يا نجلاء، ناقص كام بالظبط؟ أنا هكملهم.
بس موضوع الفلوس اللي بتقولي إني استلفتها منك، لازم نقعد ونتكلم فيه ونفهم حصل إيه.
بعد خمس دقايق بس، وصلني لينك دفع تابع للمستشفى.
المبلغ المتبقي كان
ثمانية آلاف وثلاثمائة وستين جنيه.
دفعت المبلغ كله فورًا.
وكمان طلبت من الممرضة إنها تبلغ أهل المريضة إن المبلغ اتدفع بالكامل.
لكن لحد ما وصلت المستشفى بعربيتي، نجلاء مكنتش ردت عليا حتى بكلمة واحدة.
قدام أوضة العمليات كان واقف حوالي سبع أو تمن أشخاص.
خال نجلاء، وبنت خالتها، وكام حد من قرايبها أنا أصلًا معرفهمش.
نجلاء كانت قاعدة على الكرسي ومسنودة بضهرها على الحيطة.
شعرها كان منكوش، وعينيها منفخة من كتر العياط.
أخويا، كريم، كان واقف جنبها، حاطط إيده على كتفها وبيكرر
الفلوس اتدفعت خلاص، متخافيش.
المهم إن الفلوس كملت.
وبعدين قال
في الآخر هناء وافقت تدفع.
وقفت مكاني.
الجملة دي بالذات خلتني أتجمد.
في الآخر هناء وافقت تدفع.
بصيت له.
إيه معنى وافقت؟
كأنني كنت رافضة إنقاذ أمها، وكأنهم فضلوا يترجوني لحد ما رضيت.
أول واحد لاحظ وجودي كان راجل في منتصف العمر.
بص لي بحدة وسألني
إنتِ هناء؟
هزيت رأسي.
أشار ناحية أوضة العمليات وهو بيحاول يمسك أعصابه.
الست اللي جوه دي أم مرات أخوكي.
هي اللي ربتها وكبرتها، وهي دلوقتي بين الحياة والموت.
وبعدين بص لي بغضب وقال
هي قالت إنك قبل كده أخدتي منها حتى فلوس جوازها.
ودلوقتي وهي محتاجة كام ألف عشان تنقذ أمها، إنتِ ليه رفضتي؟
كل الناس اللي في الممر بصوا عليا.
مكنتش عايزة أعمل مشكلة.
فبصيت لنجلاء وسألتها
العملية بدأت؟
دموعها نزلت تاني فورًا.
آه... دخلوها من شوية.
قلت لها
الفلوس وصلت خلاص.
مسحت دموعها بإيد مرتعشة.
عارفة.
ورفعت عينيها لي.
بس أنا مش فاهمة.
ليه لازم أستنى لحد ما أكلمك وأزعق لك عشان تطلعي الفلوس؟
بصيت لها باستغراب.
بس إنتِ مكلتيش معايا أصلًا قبل كده.
ضحكت ضحكة صغيرة مليانة وجع.
إنتِ بتقولي إيه؟
أنا بعت لك امبارح أكتر من عشر رسايل، وإنتِ مردتيش على ولا واحدة.
والصبح كلمتك، وإنتِ بنفسك قولتي إن أمي كبيرة في السن، وحتى لو عاشت، هتفضل محتاجة فلوس ومصاريف.
سكتت لحظة، وبعدين قالت
وقولتي إن الفلوس اللي هتتحط في واحدة خلاص على وش الموت ملهاش لازمة.
قلبي وقع.
أنا مقولتش كده.
أخويا دخل بينا بسرعة.
خلاص يا جماعة.
أمي لسه في العملية، هو ده وقت الكلام ده؟
وبعدين مسك إيدي وسحبني ناحية جنب الممر.
قال بصوت واطي
هناء، نجلاء أعصابها تعبانة دلوقتي.
أمها في خطر، فمعلش امشي معاها في الكلام لحد ما العملية تخلص.
شدّيت إيدي منه.
أمشي معاها في إيه؟
أمشي معاها وأعترف بحاجة معملتهاش؟
أعترف إني استلفت منها فلوس المهر؟
ولا أعترف إني تمنيت لأمها الموت؟
قطب حواجبه.
دي مجرد كلمة تهدي بيها الدنيا.
هي أمها في العمليات، وإنتِ لازم تختاري الوقت ده بالذات عشان تمسكي في كل كلمة؟
بصيت له.
الحاجة اللي معملتهاش، ليه أعترف بيها؟
وشه اتغير.
الهدوء اللي كان عليه اختفى للحظة.
وإنتِ عايزة توصلي لإيه؟
لازم تعملي مشكلة هنا قدام أوضة العمليات عشان نجلاء يحصل لها حاجة؟
بصيت له وأنا مش مصدقة.
أنا اللي بعمل مشكلة؟
هي اللي بتتهمني بحاجة معملتهاش.
رد بعصبية
وإنتِ مصممة تفتحي الكلام ده دلوقتي؟
أمها لسه بتصارع الموت.
وبعدين؟ عايزة نعمل إيه؟ نقف هنا ونفضل نتخانق؟
سكت.
لأني فجأة افتكرت حاجات كتير حصلت في السنين اللي فاتت.
كل مرة كنت أنا ونجلاء نختلف، كان أخويا دايمًا بيتدخل بنفس الطريقة.
مرة نجلاء رفضت تيجي عيد ميلادي.
قال لي
هي مش بتحب المناسبات اللي فيها صرف فلوس كتير.
ومرة أنا اشتريت لها هدية غالية ومكملات غذائية لما كانت تعبانة، وهي رجعتها لي زي ما هي.
أخويا قال
هي مش عايزة تاخد منك حاجة عشان متحسش إنها مديونة لك.
ومرة نجلاء دخلت المستشفى عشان تعمل عملية.
كنت عايزة أروح لها.
أخويا قال لي
أهلها كلهم هناك، ومش عايزينك تروحي وتعملي زحمة.
وكل كلمة حصلت بيني وبين نجلاء، كانت بتوصل لي عن طريقه.
كنت دايمًا فاكرة إنه بيحاول يصلح بينا.
كنت فاكرة إنه واقف في النص.
لكن في اللحظة دي، لأول مرة بدأت أشوف الصورة بشكل مختلف.
يمكن هو مكنش واقف في النص أصلًا.
يمكن هو اللي كان واقف بينا.
وهو اللي كان بيمنع كل واحدة فينا من إنها تعرف الحقيقة عن التانية.
رجعت أبص ناحية باب أوضة العمليات.
الدنيا كانت هادية.
قعدت جنب نجلاء.
وقلت لها
إنتِ بتقولي إنك بعتِ لي امبارح أكتر من عشر رسايل؟
بصت لي بحذر.
أيوه.
وريني.
عينيها اتسعت.
عايزة تشوفيهم ليه؟
عشان أعرف إنتِ بعتِ لمين.
بصت لي كأنها بدأت تشك فيا.
إنتِ كمان هتتهميني إني مزورة؟
أنا بس عايزة أشوف الرسايل.
أخويا دخل بسرعة.
هناء، دلوقتي مش وقت التحقيق ده.
مفيش فايدة من الكلام ده دلوقتي.
لكن أنا تجاهلته.
نجلاء عضت على شفايفها، وبعدين طلعت موبايلها من شنطتها.
الموبايل كان شاشته مكسورة من ناحية.
وكانت البطارية خلصانة تمامًا.
وصلت لها بنت خالتها باور بانك.
استنت شوية لحد ما الموبايل اشتغل.
وبعدها فتحت المحادثة.
قدامي ظهر حساب عليه صورتي.
نفس صورتي.
ونفس

تم نسخ الرابط