حبيب اختى
قريت أول سطر من الورقة...
وفجأة صرخت.
الورقة وقعت من إيدي، وأنا بصيت لآدم وكأني مش فاهمة اللي قدامي.
إيه ده؟
آدم انحنى بسرعة وأخد الورقة من الأرض، وبعدين حطها قدامي تاني.
وقال بصوت متقطع
اقريها للآخر.
بصيت للورقة مرة تانية.
كان أول سطر مكتوب بخط جنى
لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا غالبًا في غرفة العمليات، ومش عارفة إذا كنت هخرج منها ولا لأ.
نفسي اتقطع.
كملت القراءة.
مريم، أنا عارفة إن أول سؤال هييجي في بالك هو ليه آدم اتجوزني؟
رفعت عيني لآدم.
كان بيبص للأرض.
رجعت للورقة.
وعارفة كمان إنك ممكن تفتكري إنه عمل كده عشاني، أو عشان فلوس بابا وماما، أو حتى عشان يفضل قريب منك. بس كل الاحتمالات دي غلط.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
جنى كانت عارفة.
كانت عارفة إني ممكن أفكر في كل ده.
كملت.
آدم اتجوزني عشان أنا طلبت منه يتجوزني.
شهقت.
رفعت عيني له.
إنت... إنت كنت عارف إنها كتبت الكلام ده؟
هز رأسه.
أيوه.
من إمتى؟
من أول يوم.
اتوترت أكتر.
يعني إيه من أول يوم؟
آدم أخد نفس طويل وقال
مريم، لازم تعرفي كل حاجة قبل ما تحكمي عليا.
لكن أنا قاطعته
أنا مش فاهمة أي حاجة أصلًا!
شد الورقة من إيدي برفق وقال
اقري الباقي.
رجعت للرسالة.
من وإحنا صغيرين، كنتِ دايمًا بتدافعي عني. لو حد ضحك عليا، كنتِ بتزعقي له. لو حد رفض يلعب معايا، كنتِ تسيبيه وتمشي. ولو حد عاملني كأني أقل من غيري، كنتِ بتفكريه إني أختك وإن مفيش حد له الحق يعاملني كده.
بدأت أعيط.
افتكرت فعلًا.
كل حاجة.
جنى كانت مختلفة عني في حاجات كتير، وكنت دايمًا شايفة إن ده مش معناه أبدًا إنها أقل من أي حد.
لكنها كملت
لكن كان فيه حاجة عمري ما قلتها لك. كنت بخاف جدًا من المستقبل.
وقفت لحظة.
ثم قرأت
مش من الجواز. ولا من الحمل. ولا من إني أعيش لوحدي.
كنت بخاف من اليوم اللي ماما وبابا مش هيكونوا موجودين فيه، واليوم اللي إنتِ فيه هتتجوزي وتكوني عندك حياتك وأسرتك.
دموعي زادت.
لأن الكلام ده كان حقيقي.
أنا فعلًا كنت مخططة أتجوز وأسافر مع زوجي بعد الجواز.
وكنت دائمًا أقول لها
هفضل جنبك مهما حصل.
لكن في داخلي كنت أعرف إن حياتي هتتغير.
جنى كانت تعرف ده.
كنت عارفة إنك هتفضلي تحبيني، بس كنت خايفة أكون عبء عليكِ. وخايفة إنك في يوم من الأيام تضطري تختاري بين حياتك وبيني.
قفلت عيني.
يا رب...
آدم مد إيده وحطها على كتفي.
لكنني أبعدتها برفق.
مش غضبًا منه.
كنت فقط أحاول أستوعب.
رجعت أكمل.
عشان كده، لما آدم قال لي إنه هيفضل موجود في حياتي مهما حصل، صدقته.
اتنفست ببطء.
فاكرة لما كنا في رابعة ابتدائي وقال لي إنه هياخدني حفلة التخرج؟ أنا ما نسيتش الوعد ده.
ابتسمت وسط دموعي.
فعلاً.
كان وعدًا طفوليًا.
لكن آدم وفّى به.
حتى بعد ما كبرنا، ظل يذكره.
ثم جاء السطر الذي جعلني أتوقف.
آدم ما اتجوزنيش لأنه شفقة.
وما اتجوزنيش لأن حد طلب منه.
وما اتجوزنيش عشان فلوس.
هو اتجوزني لأنه كان مقتنع إن الجواز بينا هيكون جواز حقيقي، وإن أنا أقدر أكون زوجة وأم، وإن وجود متلازمة داون في حياتي مش معناه إني لازم أعيش طول عمري تحت وصاية حد.
رفعت عيني لآدم.
كان بيبكي.
لأول مرة أشوفه بالشكل ده.
قلت
إنت كنت بتحبها؟
هز رأسه.
أيوه.
وسكت.
ثم قال
بس مش بالطريقة اللي إنتِ بتفكري فيها.
سكت لحظة قبل ما يكمل
أنا حبيتها كإنسانة. احترمتها. شفت شخصيتها، عنادها، أحلامها، خوفها، ضحكتها... كل حاجة. وفي الآخر هي اللي خلتني أفهم إن حب الإنسان مش معناه إنك تعتبره ضعيف وتعيش تحاول تنقذه.
سكت.
ثم قال
جنى عمرها ما كانت محتاجة حد ينقذها.
بدأت أبكي أكتر.
لأن ده كان بالضبط اللي كانت تحاول تقوله لي طول حياتها.
أنا كنت بحبها جدًا.
لكن يمكن من غير ما أقصد، كنت أحيانًا أتعامل معاها كأنها محتاجة حمايتي طول الوقت.
رجعت للرسالة.
مريم، أنا عايزة منك وعد.
لو أنا مت، متخليش آدم يعيش طول عمره وهو شايل ذنب إنه ماقدرش ينقذني.
ومتخليش أولادي يكبروا وهم سامعين إن أمهم كانت ضعيفة.
أنا مش ضعيفة.
وقفت عن القراءة.
الدموع غطت عيني.
مسحتها بسرعة.
آدم قال
كملي.
كملت.
ولو عايزة تعرفي السبب الحقيقي لجوازي من آدم، فالسبب الحقيقي هو إني كنت عايزة يكون فيه شخص يعرفني كويس جدًا، ويعرف إني مش محتاجة شفقة.
أنا عارفة إنك هتكوني موجودة لأولادي. وعارفة إن آدم هيكون موجود. لكني مش عايزاكم تتعاملوا معاهم كأنهم أطفال أم ماتت.
عايزاهم يعرفوا إن أمهم كانت بتحبهم، وإنها كانت بتحلم لهم بحياة طبيعية.
وبعدين كان فيه سطر قصير جدًا
لكن فيه حاجة أهم لازم تعرفيها.
توقفت.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قريت
الحمل ده ماكانش صدفة.
بصيت لآدم.
يعني إيه؟
قال
اقري.
رجعت للرسالة.
أنا وآدم كنا عارفين من البداية إن الحمل هيكون محتاج متابعة شديدة. الدكتور قال لنا إن الحمل بتوأم ممكن يكون صعب، وإن لازم نكون مستعدين لأي طارئ.
لكن قبل ما أحمل، عملت كل الفحوصات اللي طلبها الأطباء، وكنت فاكرة إن كل شيء هيكون بخير.
لكن من حوالي شهرين، الدكتور اكتشف مشكلة في قلبي.
شهقت.
رفعت رأسي.
قلبها؟
آدم أومأ.
هي ماقالتش لنا.
أنا كنت عارفة إنها بتتعب، بس...
قاطعني
جنى طلبت مني ماقولش لك.
حسيت بالغضب.
ليه؟!
قال
لأنك كنتِ هتوقفي حياتك كلها عشانها.
سكت.
وكان عنده حق.
أنا كنت هعمل كده فعلًا.
رجعت للرسالة.
الدكتور قال لي إن الحمل ضغط على قلبي أكتر مما توقعنا.
وقال إن استمرار الحمل فيه خطورة عليّ.
أنا خفت.
كان أول اعتراف في الرسالة بالخوف.
مش من الموت.
خفت على الولدين.
وخفت عليكم.
كملت.
طلبت من آدم ما يقولش لكِ ولا لماما وبابا التفاصيل، لأنني كنت عارفة إنكم هتعيشوا كل يوم في رعب.
لكن آدم رفض في البداية.
بصيت له.
قال
اتخانقت معاها.
ابتسم وسط دموعه.
قولتلها إن دي مش