شاهد قبر

لمحة نيوز

الجزء الثاني
فضلت ماسكة الورقة وأنا مش قادرة أتنفس.
كان أول سطر فيها واضح جدًا
إقرار وفاة...
وقفت عن القراءة.
رجعت بصيت للورقة مرة تانية.
اسم المتوفاة كان مكتوبًا بالكامل.
كاثرين محمود الشاذلي.
نفس الاسم اللي كان مكتوب على شاهد القبر.
وتحت الاسم كان فيه تاريخ الميلاد.
نفس تاريخ ميلادي.
بدأت إيدي تترعش.
لكن اللي خلاني أكمل القراءة إن فيه سطر تحتهم مباشرة كان مكتوب فيه
تاريخ الوفاة بعد ثلاثة أيام من تاريخ الميلاد.
قفلت عيني.
لثواني، تمنيت أكون فهمت الورقة غلط.
يمكن كانت مجرد ورقة تخص بنت تانية.
يمكن الاسم مجرد تشابه.
لكن ليه أمي اتوترت لما شافت صورة القبر؟
وليه قالتلي أسيب الموضوع؟
بدأت أقلب في باقي الأوراق بسرعة.
لقيت شهادة ميلاد.
ثم ورقة من المستشفى.
ثم تقرير طبي قديم.
كل ورقة كانت بتأكد نفس الحقيقة.
طفلة اسمها كاثرين.
مولودة في نفس اليوم اللي أنا اتولدت فيه.
ومتوفاة بعد ثلاثة أيام.
لكن وسط الأوراق، لقيت ظرف بني صغير.
كان عليه اسم مكتوب بخط إيد أمي.
مهم جدًا... لا يُفتح إلا عند الضرورة.
فتحت الظرف.
جواه كان فيه جواب.
بدأت أقرأ.
وكان أول سطر
لو حد في يوم من الأيام اكتشف الحقيقة، لازم نفتكر إننا عملنا كل ده عشان نحمي العيلة.
وقفت.
حماية العيلة؟
من إيه؟
كملت.
الجواب كان ناقص.
صفحة واحدة فقط.
لكن في آخرها كان فيه اسم محامي قديم للعائلة ورقم مكتوب بالقلم.
حفظت الرقم في موبايلي.
وفجأة سمعت صوت عربية داخلة من البوابة.
والدي.
اتجمدت.
قفلت الظرف بسرعة وحطيته مكانه، ورجعت الأوراق للصندوق.
لكن وأنا بقفله، وقعت صورة صغيرة على الأرض.
انحنيت والتقطتها.
كانت صورة لطفلة رضيعة.
الصورة كانت قديمة جدًا.
البنت كانت ملفوفة في بطانية بيضاء.
قلبت الصورة.
كان مكتوب خلفها
كاثرين... اليوم الأول.
فضلت باصة للصورة.
لكن كان فيه شيء غريب.
الصورة ما كانش فيها مجرد طفلة.
كان فيه شخص واقف جنب السرير.
أمي.
وفي إيدها ورقة.
وعلى الورقة كان واضح اسم مختلف تمامًا.
اسم...
مش اسمي.
حطيت الصورة في جيبي بسرعة.
ونزلت من الأوضة قبل ما والدي يوصل.
لما شافني في السلم، وقف.
بص لي.
وبعدين بص ناحية الدور العلوي.
وقال
كنتِ فوق؟
قلت
أيوه.
بتعملي إيه؟
بصيت في عينيه.
لأول مرة، ما حسيتش إنه والدي اللي أعرفه.
حسيت إنه شخص بيحاول يخبي عني حاجة.
قلت
بدور على حاجات قديمة.
قال
ليه؟
رديت
عشان عايزة أعرف أنا مين.
وشه اتغير.
لكن بدل ما يسألني قصدي إيه، قال
تعالي نتكلم.
دخلنا المكتب.
قعد هو.
وأنا فضلت واقفة.
حطيت صورة القبر قدامه.
وبعدين صورة الطفلة.
وبعدين شهادة الوفاة.
وقلت
عايزة تفسير.
فضل ساكت.
قلت
مش هخرج من هنا غير لما أعرف الحقيقة.
أخد نفس طويل.
وقال
بعض الحاجات لما تعرفيها، حياتك مش هترجع زي الأول.
قلت
حياتي اتغيرت أصلًا من أول ما لقيت قبري.
فضل ساكت.
قلت
مين كاثرين؟
بص لي.
ولأول مرة، شفت الدموع في عينيه.
قال
بنتي.
حسيت إن قلبي وقف.
قلت
بنتك؟
هز رأسه.
أيوه.
وأنا؟
ما ردش.
صرخت
وأنا مين؟
قال بصوت مكسور
إنتِ...
وسكت.
في اللحظة دي دخلت أمي.
كانت بتعيط.
قالت
خلاص.
بصيت لها.
خلاص إيه؟
قعدت قدامي.
وقالت
لازم تعرفي.
بدأت تحكي.
قالت إن جدي كان رجل شديد التعلق باسم العيلة.
وإنه قبل ما يموت، كتب وصية ضخمة جدًا.
كان عنده شركات وأراضي وعمارات وحسابات استثمارية.
لكن معظم ثروته كتبها باسم حفيدته الأولى.
كاثرين.
كانت هي البنت اللي اتولدت قبلي بدقائق.
لكن جدي وضع شرطًا.
الثروة تفضل تحت وصاية والدي ووالدتي لحد ما كاثرين تكبر وتبلغ السن القانوني.
ولو حصل لها أي شيء قبل السن ده...
الثروة كلها تنتقل إلى مؤسسات وجمعيات خيرية محددة في الوصية.
والدي قال
إحنا ما كناش نقدر نلمس الفلوس.
قلت
وطبعًا كان ممكن تستنوا لحد ما تموت وتروح للجمعيات.
أمي انهارت في البكاء.
قالت
ما كناش عايزينها تموت.
بس هي ماتت.
سكتت.
قلت
صح؟
ما ردتش.
قلت
كاثرين ماتت فعلًا؟
هزت رأسها.
أيوه.
قلت
وأنا؟
سكتوا الاتنين.
وفي اللحظة دي فهمت.
لكن عقلي كان بيرفض يصدق.
قلت
أنا مش بنتكم.
أمي شهقت.
والدي غمض عينيه.
لكن ما حدش قال لأ.
وده كان كفاية.
رجعت خطوة لورا.
قلت
مين أنا؟
أمي قالت
لما كاثرين ماتت، إحنا انهارنا.
قلت
أنا مش عايزة أعرف إحساسكم. عايزة أعرف أنا مين.
قالت
كنتِ صغيرة جدًا.
قد إيه؟
شهور.
يعني جبتوني منين؟
والدي قال
دورنا.
بصيت له بعدم تصديق.
دورتم على إيه؟
على طفلة.
ضحكت من شدة الصدمة.
طفلة؟
قال
طفلة قريبة من سنها، وملامحها قريبة منها.
سكت.
ثم قال
ما كناش عايزين نسيب البيت فاضي.
حسيت إن الجملة دي كانت أبشع من أي اعتراف.
ما كناش عايزين نسيب البيت فاضي.
كأنني قطعة أثاث.
كأنهم كانوا محتاجين حد يملأ مكان طفلة ماتت.
قلت
وخدتوني؟
أمي بدأت تعيط.
ما كناش عارفين نعمل إيه.
قلت
خدتوني؟
قالت
أيوه.
من مين؟
والدي بص لأمي.
وبعدين قال
كانت أسرة بسيطة.
أسرة مين؟
ما ردش.
صرخت
اسمهم إيه؟
قال
ما ينفعش.
ما ينفعش؟!
ضحكت بمرارة.
بعد 28 سنة بتقولي ما ينفعش؟
أمي قامت وقربت مني.
قلت لها
ما تلمسينيش.
وقفت مكانها.
ثم قالت
إحنا حبيناك.
بصيت لها.
يمكن.
قلت
بس عمركم ما حبيتوني أنا.
بدأت الدموع تنزل من عيني.
إنتوا حبيتوا البنت اللي كنتوا عايزين تشوفوها فيا.
سكتت.
قلت
وفضلتوا طول عمري تحاولوا تخلوني أبقى كاثرين.
أمي غطت وشها.
لكن والدي قال
لأن ده كان الاتفاق.
لفيت له.
اتفاق مع مين؟
ما ردش.
قلت
إيه اللي عملتوه؟
قال
جدك كان لازم يصدق إن بنته عايشة.
تجمدت.
قلت
جدي؟
هز رأسه.
هو كان لسه عايش وقتها.
سألت
وكان بيسأل عن كاثرين؟
قال
كل يوم.
قلت
وإنتوا كذبتوا عليه؟
قال
كنا خايفين نخسر كل حاجة.
سكت.
ثم قلت
وخسرتوا بنتكم.
والدي ما ردش.
في الليلة دي، خرجت من البيت.
ما أخدتش معايا غير موبايلي وصورة الطفلة.
لكن قبل ما أركب عربيتي، افتكرت رقم المحامي الموجود في الظرف.
اتصلت بيه.
رد رجل عجوز.
قلت
أنا كاثرين الشاذلي.
سكت طويلًا.
ثم قال
كنت مستني المكالمة دي من سنين.
اتجمدت.
قلت
حضرتك تعرفني؟
قال
أنا كنت محامي جدك.
قلت
أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها.
قال
تعالي مكتبي بكرة الصبح.
ثم أضاف
وهاتي الصورة اللي معاكي.
سألته
إنت عارف الصورة؟
قال
أيوه.
إزاي؟
رد بجملة

تم نسخ الرابط