صوت بنتي

لمحة نيوز


ونامت وهي مطمنة لأول مرة من شهور.
في الليلة دي، عرفت إن شركتي ومشاريعي والفلوس كلها ملهاش أي قيمة لو بيتي مش أمان. وقررت إن شغلي الحقيقي بيبدأ من الأوضة دي... من حماية الضحكة اللي كادت تضيع مني للأبد.
مرت الأيام الأولى بعد مشي نادين تقيلة وبطيئة، بس الشقة بدأت تنضف من حظر التجول النفسي اللي كان مفروض علينا.
قدمت على إجازة مفتوحة من الشركة، وتلفوناتي اللي كانت ما بتسكتش بقيت أحطها على الصامت وأرميها في المكتب. لأول مرة من سنتين، كنت أنا اللي بصحى الصبح أعمل الفطار بنفسي، وأجهز لبس ليان، وأحضر ببرونة ياسين.
بس الآثار ما اختفتش بسهولة.
كان أسهل حاجة إني أطرد نادين من البيت، بس الصعب كان إني أطرد الخوف اللي سابته جوه بنتي.
في يوم، كنت واقف في المطبخ بعمل ل ليان عصير. الكوباية البلاستيك اتزحلقت من إيدي ووقعت على الأرض، عملت صوت هبدة عالية والعصير أترش على السيراميك.
قبل ما أتحرك أو أنطق، لمحت ليان واقفة عند باب المطبخ.
جسمها اتخشب في ثانية، غمضت عينيها بقوة، ورفعت إيديها الاتنين حطتهم على راسها، ووطت جسمها للأرض كأنها مستنية ضربة أو تهزيق.
المنظر كسر قلبي مية حتة.
نزلت على ركبتي فوراً، وما قربتش منها فجأة عشان ما أخضهاش. قلت بصوت هادي ومبتسم ليان... حبيبتي، دي كوباية وقعت. عادي خالص، المشكلة في العصير اللي هيتعبنا عقبال ما نمسحه.
فتحت عين واحدة بالراحة، وبصتلي بذهول، كأنها مش مصدقة إن مافيش زعيق، ومافيش حبس، ومافيش عقاب.
قربت منها بالراحة وشيلتها، ولأول مرة حسيت إن جسمها مش متشنج. بقوة وقالت بصوت واطي إنت مش زعلان؟
بست خدها وقلت لها أنا عمري ما أزعل منك عشان حاجة وقعت غصب عنك يا ليان... الحاجات بتتصلح وتتنضف، بس إنتي اللي تهمني.
من اليوم ده، بدأت رحلة العلاج. أخدت ليان واستشارية نفسية للأطفال، وبدأنا نشتغل على إعادة الثقة والأمان. بدأت أتعلم إزاي أكون أب بجد، مش مجرد مصدر للفلوس والألعاب.
رجعت فتحت دولاب سارة الله يرحمها. طلعت صورها، وحطيتها في الصالة بعد ما نادين كانت شايلاهم ومخبياهم. قعدت مع ليان وياسين، وبقيت أحكيلهم عن أمهم، إزاي كانت بتضحك، وإزاي كانت بتحبهم.
ليان بدأت تبتسم تاني، وضحكتها اللي كانت اختفت رجعت تملى البيت. ودراعاتها طابت وما بقاش ليها أي أثر للحروق.
وبعد ست شهور، كنت قاعد في جنينة البيت بالليل، ياسين كان بيلعب بالكورة على النجيل، وليان كانت قاعدة جنبي بتلون في كراستها.
التلفون رن، كان مدير مكتبي في الشركة بيستأذن في صفقات جديدة ومحتاج إمضتي.
بصيت للتلفون، وبصيت ل ليان اللي رفعت رأسها وقالتلي شفت يا بابا؟ أنا لونات الوردة باللون الأحمر زي ما ماما سارة كانت بتحب!
بتسمت، ومسكت التلفون وقلت لمدير مكتبي خلص كل حاجة إنت، وأنا هعدي عليك ساعة واحدة بكرة الصبح... وقتي هنا أهم.
قفلت الخط، وبصيت لولادي. لأول مرة من يوم وفاة سارة، حسيت إن البيت ده أخيرًا بقى فيه روح... وإن الأمان اللي ضاع منا، رجعنا بنيناه بأيدينا من جديد.
عدت الأيام، والحياة بدأت تاخد شكلها الطبيعي اللي اتحرمنا منه. شركتي ما انهارتش زي ما كنت خايف لما قللت ساعات شغلي؛ بالعكس، لما رجعت للمكتب بقيت أركز في القرارات الكبيرة وأسيب التفاصيل لمديرين الإدارات، وكأن غيابي عن البيت زمان ما كانش غير حجة بهرب بيها من حزني على سارة.
في يوم جمعة، والشمس مالية الشقة، كنت قاعد في الصالة بنضف العاب ياسين، والتليفون رن برقم غريب.
رديت بالراحة ألو؟
جالي صوت هادي بس كان فيه نبرة توتر مألوفة كريم أنا نادين.
جسمي اتشد في ثانية، بس مسكت نفسي. بصيت على ليان اللي كانت بتلعب بالصلصال بعيد، وقلت بصوت جاف عايزة إيه يا نادين؟
قالت وهي بتحاول تطري صوتها أنا بتصل أطمن على الولاد أنا بقالي ست شهور محروق قلبي عليهم، وما كنش قصدي اللي حصل، إنت فاهم إني كنت مضغوطة وكان
قطعت كلامها بصوت حاسم مش بيقبل النقاش نادين، المكالمة دي تتقفل دلوقتي. إنتي مالكيش أي وجود في حياتنا تاني. التسجيلات وتقرير الدكتور محمود لسه معايا، ولو فكرتي مجرد تفكير تقربي من الشارع اللي ساكنين فيه أو تتصلي تاني، الشكوى هتوصل للنيابة في نفس اليوم.
سكتت لحظة، وبعدين سمعت صوت انفاسها السريعة قبل ما تقفل الخط في وشي.
حطيت التليفون على الترابيزة ونزلت تنهيدة طويلة بس المرة دي ما كانش فيه أي خوف أو تردد. كنت عارف إني محمي بالقانون وبالحق، والأهم إني بقيت موجود عشان أحمي ولادي.
لفت ليان وبصتلي، وكأنها حست بتغير نبرة صومي، وسألتني ببراءة بابا مين كان بيكلمك؟
مشيت ناحيتها، قعدت جنبها على الأرض، وابتسمت وأنا ببص في عينيها الصافيين ده حد كان بيسأل عن الطريق يا حبيبتي وغلط في الرقم.
قالتلي وهي بتديني حتة صلصال حمرا طب خد اعمل معايا وردة زي بتاعت ماما سارة.
أخدت الصلصال منها، وبدأنا نلعب سوا، وصوت ضحك ياسين وهو بيجري ورا الكورة مالك المكان.
لأول مرة من سنين، حسيت إن الهوا اللي بتنفسه جوه بيتي بقى خفيف ونظيف، وإن الأزمة دي رغم قسوتها، كانت السبب اللي صحاني ورجعني لأهم مشروع في حياتي إني أكون الأب اللي ولادي يستاهلوه.
تمرت السنين، والتغيير اللي حصل في بيتنا ما كانش مجرد فترة وعدت، ده كان أسلوب
 

تم نسخ الرابط